عندما يغادر المسؤول منصبه .. لماذا يبدأ الكلام متأخراً؟

mainThumb
عندما يغادر المسؤول منصبه.. لماذا يبدأ الكلام متأخراً؟

19-08-2026 09:52 AM

printIcon

أخبار اليوم – عواد الفالح - تثير مواقف بعض المسؤولين السابقين بين حين وآخر نقاشاً يتجاوز مضمون ما يقولونه إلى سؤال يتعلق بالعلاقة بين المنصب والموقف، وبين ما يستطيع المسؤول قوله وفعله وهو داخل دائرة القرار وما يختار قوله بعد مغادرتها. فالكلمة في العمل العام لا تستمد قيمتها من قوتها وحدها، وإنما من توقيتها وسيرة صاحبها، ومن المسافة التي حافظ عليها بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة.

في المشهد الأردني شخصيات غادرت مواقعها وبقيت محتفظة باحترام الناس، لأنها خرجت من الوظيفة العامة دون أن تتحول تجربتها إلى باب للمكاسب والنفوذ. وهذا الرصيد يصبح مهماً عندما تتحدث هذه الشخصيات في قضايا الدولة، فالناس لا تستقبل كلام المسؤولين السابقين بالطريقة ذاتها، وهناك من تمنح سيرته حديثه وزناً، وهناك من تسبقه تجربته فتضعف قدرة كلامه على الإقناع.

ومن هنا تبرز قيمة الموقف عندما يختار مسؤول مغادرة موقعه إذا شعر أن استمراره يتعارض مع قناعاته أو قدرته على أداء مسؤولياته. فالاستقالة قد تكون موقفاً سياسياً وأخلاقياً عندما يصبح البقاء مجرد وجود شكلي، لكنها تفتح في المقابل سؤالاً آخر: لماذا يصمت بعض المسؤولين طويلاً ثم يبدأون الحديث بعد مغادرة مواقعهم؟

الصمت قد يكون مفهوماً عندما يتعلق بأسرار الدولة، لكنه لا يشمل الرأي في السياسات العامة أو تقديم الخبرة والتشخيص. فالدولة تحتاج إلى خبرة من خدموا في مؤسساتها، والمجتمع يحتاج إلى معرفة مواقفهم، خاصة في القضايا التي تتصل بطريقة الإدارة وصناعة القرار.

وتزداد حساسية المسألة عندما يطغى الخاص على العام، وحين تتحول الخدمة العامة لدى البعض إلى طريق نحو امتيازات لاحقة أو عضويات في مجالس إدارات ومواقع حكومية، أو عندما تمتد الفرص إلى دوائر اجتماعية وعائلية مرتبطة بأصحاب النفوذ. ولا يعني طرح ذلك توجيه اتهامات لأحد، لكنه يضع الشفافية وتكافؤ الفرص أمام اختبار حقيقي.

المسؤول الذي يغادر موقعه دون البحث عن مقابل لخدمته، ويحافظ على استقلاله وموقفه، يحتفظ غالباً برصيد من الاحترام حتى لدى المختلفين معه. أما من يبقى باحثاً عن موقع جديد، فإن أي خطاب نقدي يصدر عنه سيواجه سؤالاً مشروعاً حول دوافعه.

الأردن بحاجة إلى مسؤولين يقولون كلمة الاعتراض وهم في مواقعهم، وإلى مسؤولين سابقين ينقلون خبرتهم إلى المجال العام دون حسابات شخصية. فالمناصب تنتهي والحكومات تتغير، وما يبقى في ذاكرة الناس هو السيرة، وما إذا كان المسؤول قد وضع العام قبل الخاص عندما كانت السلطة بين يديه.