وئام نضال الدراويش
هل تساءلت يوما لماذا ظلت المؤسسات المصرفية التقليدية تملك النصيب الأكبر من السيطرة على بياناتنا المالية وتتعامل مع تفاصيل دخلنا وحركتنا المالية وسلوكنا الإنفاقي باعتبارها معلومات محصورة داخل أنظمتها؟ هذا الاحتكار النسبي للبيانات لم يحد فقط من فرص الابتكار المالي بل جعل انتقال العميل بين البنوك أو حصوله على خيارات تمويلية أكثر مرونة، عملية معقدة وبطيئة
هنا ظهر مفهوم «الخدمات المصرفية المفتوحة» (Open Banking) ليعيد رسم العلاقة بين العميل والبنك ويمنح البيانات المالية دورا جديدا في صناعة القرار المالي
تعتمد الخدمات المصرفية المفتوحة على واجهات برمجة التطبيقات (APIs) وهي تقنيات تتيح بموافقة العميل وتحت أطر تنظيمية ورقابية مشاركة بياناته المالية مع جهات مالية أو تطبيقات تكنولوجيا مالية مرخّصة والنتيجة؟ أن يصبح بإمكان العميل جمع معلومات حساباته المختلفة ومتابعة إنفاقه والتزاماته المالية من خلال منصات رقمية أكثر تكاملا بدل أن تبقى بياناته موزعة خلف جدران كل مؤسسة مالية
ولا تتوقف الفكرة عند سهولة الوصول إلى المعلومات فبالنسبة لأصحاب الأعمال الحرة والمشاريع الناشئة يمكن أن تفتح البيانات المالية المجال أمام نماذج أكثر مرونة في تقييم الجدارة الائتمانية، من خلال النظر إلى التدفقات النقدية الفعلية والسلوك المالي بدل الاعتماد على المؤشرات التقليدية وحدها.
كما يمكن لهذه البيانات أن تساعد التطبيقات المالية على تقديم أدوات أكثر ذكاء لإدارة الإنفاق والادخار، وتحويل الهاتف من مجرد وسيلة لإجراء المعاملات إلى أداة تساعد المستخدم على فهم وضعه المالي واتخاذ قرارات أكثر وعيا
لكن القيمة الحقيقية للخدمات المصرفية المفتوحة لا تكمن في التكنولوجيا وحدها بل في إعادة توزيع القوة داخل المنظومة المالية. فكلما أصبح العميل قادرا على التحكم في مشاركة بياناته والاستفادة منها، أصبحت المؤسسات المالية مطالبة بالتنافس على جودة خدماتها لا بمجرد الاحتفاظ ببيانات عملائها
لذلك، فإن الخدمات المصرفية المفتوحة ليست مجرد تحديث تقني يهدف إلى تسريع المعاملات، بل خطوة نحو نموذج مالي أكثر انفتاحًا وتنافسية، يصبح فيه العميل طرفًا فاعلًا في إدارة بياناته، وليس مجرد متلقي للخدمة.
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة القادمة في القطاع المالي حول من يملك المال فقط، بل حول من يملك القدرة على الوصول إلى البيانات وفهمها واستخدامها. وعندما ينتقل القرار من المؤسسة إلى العميل، تصبح البيانات أكثر من مجرد أرقام محفوظة في نظام مصرفي؛ تصبح أداة تمنح صاحبها قدرة أكبر على الاختيار، والمقارنة، وصناعة مستقبله المالي. فالمستقبل المالي لن يكون لمن يملك البيانات فحسب، بل لمن يمنح أصحابها الحق في استخدامها بوعي وأمان.