منح الجنسية السورية للفلسطينيين بين "الحق القانوني وحق العودة"

mainThumb
منح الجنسية السورية للفلسطينيين بين "الحق القانوني وحق العودة"

30-09-2026 12:05 PM

printIcon

أخبار اليوم - أعادت دعوة لمنح الجنسية السورية للفلسطينيين المقيمين في البلاد منذ أجيال فتح النقاش حول وضعهم القانوني، والعلاقة بين الجنسية السورية والهوية الفلسطينية وحق العودة.

وفي رسالة وجّهها إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، دعا الكاتب السوري مازن شيخاني إلى إنصاف الفلسطينيين الذين استقرت عائلاتهم في سوريا منذ عقود، متسائلا عن سبب استمرار عدم حصولهم على جنسيتها، رغم أن أجيالا منهم وُلدت وعاشت فيها.

وقال شيخاني إن موجات اللجوء الفلسطيني إلى سوريا بدأت قبل نكبة عام 1948 واستمرت بعدها، ثم أعقبتها موجات أخرى بعد نكسة عام 1967. وتوقف عند حال من وصل إلى سوريا شابا، ثم صار أبا وجدا ودُفن فيها، فيما واصل أبناؤه وأحفاده العيش فيها من دون الحصول على الجنسية السورية.

ورأى أن توارث صفة اللاجئ يترك تبعات عملية، خصوصا عند السفر وعبور الحدود. وتساءل كيف يحصل فلسطينيون على جنسيات في دول غربية بعد سنوات من الإقامة، بينما تبقى الجنسية السورية بعيدة عن عائلات أقامت في البلاد طوال معظم حياتها.

ورفض شيخاني الربط بين منح الجنسية والتخلي عن فلسطين، مشيرا إلى أن فلسطينيين يحملون جنسيات غربية ظلوا متمسكين بقضيتهم، وأن سهولة تنقلهم أتاحت لبعضهم مجالا أوسع للعمل من أجلها. واستشهد بسوريين حصلوا على الجنسية التركية من دون أن تنقطع صلتهم ببلدهم، داعيا إلى معالجة وضع الفلسطيني السوري بما ينهي معاناة امتدت عبر أجيال.

حقوق المواطنة الكاملة مع ضمان الهوية وحق العودة

من جانبه، قال الحقوقي الفلسطيني أيمن أبو هاشم إن خمسة أجيال من اللاجئين الفلسطينيين نشأت وعاشت في سوريا منذ نكبة عام 1948، وانخرطت في مختلف مجالات حياتها. وأوضح أن القانون رقم 260 لعام 1956 منح الفلسطينيين حقوقا مدنية، لكنه أبقاهم خارج الحقوق السياسية، ومنها الانتخاب والترشح.

وأشار أبو هاشم في حديثه لـ"قدس برس" إلى أن هذا الوضع لم يكن محل خلاف واسع عند صدور القانون، إذ رأى فيه الفلسطينيون آنذاك صيغة تتيح لهم حقوقا في سوريا وتحافظ على هويتهم، في وقت كانت فيه تطلعاتهم متجهة إلى العودة القريبة إلى ديارهم. لكن طول أمد اللجوء، وما تكبده الفلسطينيون خلال الثورة والحرب السورية، أعادا طرح السؤال عن جدوى استمرار وضع قانوني يمنحهم بعض الحقوق ويحجب عنهم أخرى.

وقال إن اتجاها بين حقوقيين ونشطاء وفلسطينيين سوريين يدعو اليوم إلى تمتع اللاجئ الفلسطيني بحقوق المواطنة الكاملة، المدنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بما يشمل إمكان اكتساب الجنسية السورية. وشدد في الوقت نفسه على ضرورة التمييز بين إتاحة هذا الحق وبين فرض التجنيس على الفلسطينيين.

وأوضح أن مخاوف التجنيس ترتبط باحتمال اشتراط التنازل عن الهوية الفلسطينية أو حق العودة، أو استخدامه ضمن مساع لتصفية قضية اللاجئين، معتبرا هذه المخاوف مشروعة. ودعا إلى نصوص قانونية صريحة تضمن حق الفلسطيني في اكتساب الجنسية السورية، إن اختار ذلك، من دون أي تنازل صريح أو ضمني عن هويته الفلسطينية أو حقوقه الوطنية، وفي مقدمتها العودة إلى الديار التي هُجّر منها.

وأكد أبو هاشم أن مقايضة الجنسية السورية بالتخلي عن الجنسية الفلسطينية ستُقابل بالرفض، فيما يمكن بحث اكتسابها ضمن إطار يصون الهوية وحقوق اللاجئين. كما دعا المؤسسات المدنية والحقوقية والإعلامية إلى بلورة خطاب قانوني مشترك، يستند إلى استطلاع آراء اللاجئين أنفسهم بشأن الوضع القانوني الذي يريدونه في سوريا.

الجنسية لا تمحو الهوية الفلسطينية

من جانبه، رأى الصحفي الفلسطيني محمد صفية أن قضية الجنسية ينبغي أن تُناقش بوصفها ملفا قانونيا وحقوقيا، لا طلبا يستدعي الاستجداء أو مكافأة تُمنح على موقف سياسي. وقال إن عائلات فلسطينية تعيش في سوريا منذ أكثر من سبعين عاما، وُلد فيها الأب والابن والحفيد، وأسهم أفرادها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فيما ظلوا خارج رابطة الجنسية.

وأشار صفية إلى أن فلسطينيي سوريا شاركوا أهل البلاد ظروف الحرب وآثارها؛ فسقط من أبنائهم ضحايا، واعتُقل وهُجّر آخرون، وتعرضت مخيماتهم، وفي مقدمتها اليرموك، للحصار والدمار. ولفت إلى مشاركة شرائح فلسطينية في الثورة السورية، في مقابل فلسطينيين وفصائل وقفوا مع النظام السابق، مؤكدا ضرورة تجنب التعميم على الجماعة كلها.

وشدد على أن الجنسية لا ينبغي أن تكون ثمنا للمشاركة في الثورة أو مكافأة على التضحية، بل حقا يُبحث وفق قواعد قانونية واضحة. كما رأى أن القانون رقم 260 لعام 1956 أتاح للفلسطينيين المشمولين به حقوقا في مجالات العمل والتوظيف والتجارة وخدمة العلم، مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية، من دون أن يمنحهم الجنسية السورية.

وركز صفية على أن المطالبة بالجنسية السورية لا تعني استبدال الهوية الفلسطينية أو التنازل عن أي من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق العودة. واعتبر أن انتماء الفلسطيني إلى وطنه وذاكرته لا تمحوهما جنسية إضافية أو وثيقة سفر، مستشهدا بفلسطينيين يحملون جنسيات غربية ولم يصبحوا أقل تمسكا بفلسطين.

وبناء على ذلك، دعا إلى فتح باب التقدم إلى الجنسية بصورة اختيارية، وفق شروط معلنة وعادلة، ولا سيما لأبناء العائلات التي استقرت في سوريا منذ أجيال. وأكد أن المقصود ليس فرض الجنسية على كل فلسطيني، بل تمكين من يرغب منها مع الصون الكامل لهويته الفلسطينية وحقوقه الوطنية.

ضمان الحقوق أوسع من سؤال الجنسية

وفي تعقيب على مقال صفية، قال الكاتب خالد عطية إن الجنسية قد تكون جزءا من الحل، لكنها لا تختصر المسألة كلها. ورأى أن النقاش يجب أن يتناول علاقة الفلسطيني بالدولة التي يعيش فيها، وضمان حقوقه وحمايته، وواقع تمثيله الوطني.

وأوضح عطية أن الفلسطيني بنى في سوريا حياة كاملة خلال أكثر من سبعة عقود، لكنه ميّز بين سوريا بوصفها مكان حياته واستقراره، وفلسطين بوصفها الوطن الذي اقتُلع منه. واعتبر أن ضمان حقوقه في بلد إقامته لا يجوز أن يتحول إلى تسوية لقضية لجوئه، كما لا يجوز استخدام حق العودة ذريعة لإبقائه في انتظار دائم أو معاملته بوصفه ضيفا.

ودعا إلى ضمان مستقر للحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية، والعمل والتعليم والتنقل والوثائق والحماية القانونية وعدم التمييز، مع إبقاء الجنسية خيارا لمن يرغب ويستوفي شروطا واضحة. وحذر من ربط حقوق الفلسطينيين بمواقفهم خلال الحرب السورية، أو تحميل الجماعة مسؤولية خيارات بعض أفرادها.

وأضاف عطية أن الحرب كشفت، إلى جانب إشكالية الجنسية، افتقار الفلسطينيين في لحظات الخطر إلى حامل وطني قادر على حمايتهم وتمثيل مصالحهم. ورأى أن معالجة وضع الفلسطيني السوري تتطلب ضمان حقوقه في المكان الذي يعيش فيه، مع الحفاظ على حقه في العودة إلى فلسطين وتعزيز تمثيله الوطني.

وبين صيغة تتيح للفلسطينيين حقوق منحهم الجنسية السورية وتحافظ على هويتهم وفق أبو هاشم، ودعوة شيخاني إلى إنهاء حرمان امتد عبر أجيال، ومطالبة صفية بحق اختياري في الجنسية يصون الهوية والحقوق الفلسطينية، وطرح عطية لمعالجة حقوقية أوسع، يتواصل النقاش حول صيغة تمنح الفلسطيني السوري الاستقرار في سوريا وتحفظ صلته بفلسطين.

وتشير دراسة لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات نشرت أواخر العام الماضي، إلى أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في سوريا قبل اندلاع الحرب بلغ ما بين 560 إلى 600 ألف لاجئ، موزعين على 12 مخيما وعدة تجمعات، تحت إدارة الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين، وبخدمات أساسية تقدمها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

لكن سنوات الحرب في سوريا (2011 - 2024) حملت نتائج قاسية، أبرزها: تراجع العدد إلى ما يقارب 438 ألفا. نزوح 40 بالمئة منهم داخليا وغادر 20 بالمئة خارج البلاد. فيما قُتل نحو 4300 لاجئ واعتقل قرابة 3 آلاف، ودمرت مخيمات كبرى مثل اليرموك ودرعا وحندرات تدميرا شبه كامل. فيما أمسى 90 بالمئة من اللاجئين تحت خط الفقر.