أخبار اليوم - عواد الفالح – في الاسم حكاية أردنية كاملة، عمر مشهور حديثة الجازي. يكفي أن يتوسط «مشهور حديثة» اسمه حتى تفتح الذاكرة بابها على الكرامة، وعلى صباح الحادي والعشرين من آذار 1968، وعلى قائد أردني وقف في الميدان في واحدة من أكثر لحظات الأردن رسوخًا في تاريخه العسكري. وعندما يكون ذلك القائد هو الأب، يصبح التاريخ جزءًا من تفاصيل البيت، والصورة المعلقة على الجدار لها صاحب يعود إلى منزله، والقصص التي يقرؤها الآخرون في الكتب يعرفها الأبناء من الرجل الذي عاشها.
من ذلك البيت جاء الدكتور عمر مشهور حديثة الجازي. ابن الفريق الركن مشهور حديثة الجازي، قائد الفرقة الأولى في معركة الكرامة، وأحد أبرز القادة العسكريين الأردنيين. الأب الذي ارتبط اسمه بالمعركة ظل حاضرًا في ذاكرة ابنه، حتى أصبح عمر خلال السنوات الماضية واحدًا ممن حملوا روايته إلى الأجيال الجديدة، متحدثًا عن والده وعن الكرامة وعن تفاصيل عاشها قريبًا من صاحبها.
وعمر، الذي يحتفل اليوم بعيد ميلاده، أخذ طريقه إلى كلية الحقوق في الجامعة الأردنية. تخرج عام 1992، ثم حمل حقيبته إلى بريطانيا، فحصل على درجة الماجستير في قانون التجارة الدولية والمقارن عام 1994، وأكمل رحلته الأكاديمية حتى نال الدكتوراه في التحكيم التجاري الدولي من جامعة Kent عام 1999. وبعد سنوات طويلة من الممارسة، عاد إلى مقاعد الدراسة في تخصص مختلف، فدرس القانون النووي الدولي في جامعة Montpellier الفرنسية عام 2017. في هذه التفاصيل ملمح من شخصية الجازي: رجل أمضى سنوات في المهنة، ثم وجد في المعرفة مساحة مفتوحة لمزيد من التخصص.
القانون عند عمر الجازي أخذ مساحة أكبر من المهنة اليومية للمحامي. دخل مبكرًا إلى واحد من أكثر فروعه تعقيدًا: التحكيم التجاري والاستثماري الدولي. هناك، حيث تجلس الحكومات والشركات الكبرى على طرفي نزاعات بمئات الملايين، وحيث يمكن لكلمة في عقد أن تتحول إلى قضية دولية تمتد سنوات، صنع الجازي اسمه المهني.
قاد «الجازي ومشاركوه» مديرًا شريكًا ومؤسسًا، وعمل في ملفات الطاقة والإنشاءات والاتصالات والملكية الفكرية والاستثمار، وظهر أمام مؤسسات تحكيم دولية من باريس إلى واشنطن ودبي. وتولى تقديم الاستشارات وتمثيل جهات حكومية في نزاعات دولية، ومن بين الملفات التي تنسبها سيرته المهنية إليه نزاع استثماري بلغت قيمته نحو 800 مليون دولار وانتهى لمصلحة الحكومة الأردنية.
هذه المنطقة تحديدًا صنعت «عمر الجازي» الذي يعرفه القانونيون. ففي المحاكم يعرف الناس المحامي من مرافعاته، وفي التحكيم الدولي يعمل جزء كبير من المعركة بعيدًا عن الجمهور والكاميرات. آلاف الصفحات، عقود واتفاقيات ومعاهدات، فرق من الخبراء والمحامين، وقضية يمكن أن تمس خزينة دولة أو مستقبل استثمار ضخم. وسط هذا العالم بنى الجازي جانبًا أساسيًا من تجربته على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
غير أن عمر الجازي الذي يعرفه الأردنيون يتجاوز حدود المهنة. فالرجل حاضر منذ سنوات في المجال العام، وفي محطات سياسية ووطنية مهمة، وأصبح واحدًا من الوجوه الأردنية المعروفة التي تتحرك بين القانون والسياسة والتعليم والثقافة والعمل المجتمعي. وعندما فتحت الدولة ملفات الإصلاح السياسي، كان اسمه حاضرًا في أكثر من محطة.
عام 2011، كان الجازي عضوًا في لجنة الحوار الوطني التي جاءت في مرحلة سياسية دقيقة، وانشغلت بقانوني الانتخاب والأحزاب ومسارات الإصلاح السياسي. وبعد عشر سنوات، عاد إلى طاولة الإصلاح عضوًا في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية عام 2021، وشارك في لجنة الانتخاب المنبثقة عنها. وبين المحطتين عشر سنوات تغير فيها كثير من المشهد الأردني، فيما بقي الرجل حاضرًا في النقاش حول تطوير الحياة السياسية وقواعد التمثيل والمشاركة.
وفي اللجنة الملكية دخل الجازي في صلب واحد من أكثر الملفات حساسية، قانون الانتخاب. شارك في النقاشات المتعلقة بالتمثيل السياسي ودوائر البادية، وقدم قراءة قانونية ودستورية في هذه الملفات. وفي أحاديثه عن تجربة اللجنة، تحدث عن اختلاف الاتجاهات داخلها وعن الحوار الذي قاد إلى التوافق، وعن الشباب والأحزاب والحاجة إلى بناء حياة سياسية أكثر نضجًا. وهنا ظهرت خبرة المحكم بطريقة مختلفة؛ رجل اعتاد إدارة النزاع القانوني وجد نفسه داخل حوار وطني تتقاطع فيه رؤى سياسية واجتماعية متعددة.
والسياسة عند الجازي ارتبطت بالعمل العام أكثر من ارتباطها بموقع حزبي أو نيابي. حضوره جاء من القانون ومن اللجان الوطنية والمؤسسات ومن النقاشات المتعلقة بالإصلاح والدولة والمجتمع. ولهذا يصعب وضعه تحت عنوان واحد؛ فهو قانوني عندما يتطلب الملف القانون، وسياسي عندما يصبح النقاش متعلقًا بالتشريعات والإصلاح، ورجل مجتمع عندما تنتقل القضية إلى التعليم والثقافة وحقوق الإنسان والتنمية.
واتسعت هذه الدائرة عبر حضوره في مؤسسات وطنية ومجتمعية متعددة؛ من المركز الوطني لحقوق الإنسان وجمعية الشفافية الأردنية وجمعية الشؤون الدولية، إلى مؤسسات تعمل في التعليم والتنمية والثقافة والمعرفة، بينها مؤسسة الملكة رانيا ومؤسسة عبد الحميد شومان وصندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية. وهذه المساحات تكشف وجهًا آخر في شخصيته، وتفسر جانبًا من حضوره الذي جعله قريبًا من دوائر مختلفة في المجتمع الأردني، من القانونيين والسياسيين إلى الأكاديميين والمثقفين والشباب.
وفي جامعة عمان العربية، أخذ هذا الحضور بعدًا مباشرًا مع الأجيال الجديدة. يتولى الجازي رئاسة مجلس أمنائها، وجُددت رئاسته في 2026 لأربع سنوات جديدة. وفي الجامعة تحرك بين ملفات التعليم القانوني والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، فيما ظل الشباب حاضرًا في خطابه العام، سواء عند الحديث عن التعليم أو المشاركة السياسية أو الأحزاب ودور الجامعات في إعداد جيل قادر على الدخول إلى الحياة العامة.
كما أخذ الاقتصاد والمؤسسات الوطنية جزءًا من تجربته، من خلال عضويات ومسؤوليات في مجالس مؤسسات اقتصادية ومصرفية، غير أن قراءة هذه التجربة ضمن مسيرته تضعها في سياق أوسع من أسماء الشركات والمواقع؛ فهي جزء من انتقاله بين قطاعات الدولة والمجتمع، ومن خبرة قانونية تحولت مع الوقت إلى حضور في مساحات صنع القرار المؤسسي.
ومع كل انتقال في حياة عمر، ظل مشهور حاضرًا.
فالأب هنا أكبر من اسم يرد في السيرة العائلية. مشهور حديثة الجازي جزء من ذاكرة الأردن العسكرية، والرجل الذي قاد قوات الفرقة الأولى في الكرامة وبقيت المعركة مرتبطة باسمه حتى وفاته عام 2001. وعمر يتحدث عنه بلسان الابن الذي عرف القائد خارج الصورة الرسمية أيضًا؛ عرف الرجل الذي عاد من الجيش إلى البيت، والذي عاش فلسطين قضية قريبة من حياته، والذي انتقل بعد العسكرية إلى مساحات أخرى من العمل العام.
وعندما يتحدث عمر عن نشأته، تظهر عبارة تختصر الكثير: «بيت عروبي مشرّع على قضايا الأمة». في تلك البيئة تشكل وعيه الأول؛ فلسطين والعروبة والأردن والجيش والسياسة والشأن العام كانت موضوعات حاضرة في البيت، وكان الأب نفسه شاهدًا وصانعًا لمرحلة كاملة من تاريخ المنطقة. لهذا بقيت قضايا الوطن والمجتمع قريبة من الابن، حتى وهو يغوص في تخصص قانوني دولي شديد الدقة.
لهذا يصعب فصل عمر تمامًا عن مشهور، كما يصعب اختصار عمر بمشهور.
الأول جزء من تكوين الثاني، والكرامة موجودة في البيت والاسم والذاكرة، فيما تكشف العقود التي تلت عن مسيرة لها عنوانها الخاص. اختار عمر القانون، وغاص في أكثر تخصصاته دقة، ووصل إلى ساحات تحكيم دولية، ثم اتسعت تجربته إلى السياسة والإصلاح والتعليم وحقوق الإنسان والثقافة والتنمية والعمل المؤسسي، محتفظًا في الوقت نفسه بموقع الابن الذي يعود كلما حضرت الكرامة إلى سيرة أبيه.
ولعل أكثر ما يلفت في عمر مشهور حديثة الجازي أن سيرته تجمع عوالم متعددة في رجل واحد: بيت قائد عسكري صنع جزءًا من تاريخ الأردن، وغرفة تحكيم دولية تُحسم داخلها نزاعات الدول والشركات بالنص والحجة والقانون، وطاولة حوار وطني تناقش مستقبل الحياة السياسية، ومؤسسة مجتمع مدني، ومجلس جامعة يطل منه على جيل جديد. وبين هذه العوالم ظل الرجل حاضرًا في المشهد الأردني من دون أن تحصره وظيفة أو مؤسسة أو لقب.
وهذا ما جعل عمر الجازي خلال العقود الماضية واحدًا من الوجوه الأردنية البارزة في الحياة العامة؛ يعرفه القانونيون من ساحات التحكيم، ويعرفه السياسيون من لجان الإصلاح والحوار، ويعرفه الأكاديميون من الجامعات ومؤسسات المعرفة، ويعرفه المجتمع من حضوره في المؤسسات الوطنية والثقافية والحقوقية. دوائر متعددة صنعت مجتمعة صورة رجل عام، لا مجرد صاحب سيرة مهنية طويلة.
اليوم، في عيد ميلاد الدكتور عمر مشهور حديثة الجازي، تحضر كل هذه الصور معًا. ابن مشهور الذي كبر وفي البيت رجل اسمه محفور في ذاكرة وطن، والمحامي الذي حمل اسم الأردن إلى ساحات القانون الدولي، وعضو لجان الإصلاح الذي شارك في نقاش مستقبل الحياة السياسية، والأكاديمي ورجل المجتمع الذي ظل قريبًا من التعليم والثقافة والشباب والمؤسسات الوطنية.
إنها حكاية عمر مشهور حديثة الجازي؛ من بيت الكرامة إلى القانون الدولي، ومن القانون إلى السياسة والعمل العام، ومن ذاكرة قائد إلى واحد من الوجوه الأردنية التي صنعت حضورها عبر عقود في أكثر من ميدان.
كل عام وأنت للوطن خير وأنت خيرا لكل من عرفك ولك الدعاء الموفقية والعمر المديد