أخبار اليوم – لم تبدأ واحدة من أشهر أفكار حرب أكتوبر داخل غرفة لتصميم الأسلحة، وإنما من تجربة هندسية شاهدها ضابط مصري خلال عمله في مشروع السد العالي. كان الضابط هو اللواء أركان حرب مهندس باقي زكي يوسف، صاحب فكرة استخدام المياه شديدة الاندفاع لفتح الثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف، تمهيدًا لعبور القوات المصرية قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973.
تخرج باقي زكي يوسف في كلية الهندسة بجامعة عين شمس، قسم الميكانيكا، عام 1954، والتحق بالقوات المسلحة ضابطًا مهندسًا، قبل أن يُنتدب للعمل في مشروع السد العالي خلال الفترة من 1964 إلى 1967. وهناك شاهد استخدام مضخات المياه القوية في تجريف كميات ضخمة من الرمال والأتربة، وهي التجربة التي ستعود إلى ذاكرته بعد سنوات في لحظة حاسمة.
عقب حرب يونيو 1967 عاد يوسف إلى القوات المسلحة، وتولى رئاسة فرع المركبات بالفرقة 19 مشاة في الجيش الثالث الميداني. وفي يوليو 1969، وخلال اجتماع لبحث كيفية التعامل مع الساتر الترابي الإسرائيلي على الضفة الشرقية لقناة السويس، استمع إلى مقترحات تعتمد على المدفعية والمتفجرات لفتح الممرات أمام القوات والمعدات.
عندها طرح باقي زكي يوسف فكرته التي ستدخل التاريخ العسكري: استخدام مياه قناة السويس نفسها لهدم الساتر الترابي. اقترح تركيب مضخات قوية تسحب المياه من القناة وتدفعها بضغط مرتفع باتجاه الساتر، فتجرف الرمال وتفتح الممرات أمام القوات والمعدات.
انتقلت الفكرة عبر المستويات القيادية في القوات المسلحة المصرية، وأُجريت عليها تجارب عملية للتأكد من قدرتها على التعامل مع الساتر الترابي. وبعد نجاح التجارب، جرى تطويرها وتجهيز مضخات عالية القدرة وتدريب القوات على استخدامها، مع إحاطة الأسلوب بسرية كاملة استعدادًا ليوم العبور.
وظلت الفكرة تنتظر لحظتها حتى السادس من أكتوبر 1973، عندما اندفعت القوات المصرية عبر قناة السويس، وبدأ سلاح المهندسين تشغيل مضخات المياه باتجاه الساتر الترابي. وخلال ساعات، فتحت المياه عشرات الثغرات في الساتر، ومهدت الطرق لعبور الدبابات والمدفعية والمعدات الثقيلة إلى الضفة الشرقية للقناة.
كان الحل الذي اقترحه المهندس العسكري قبل سنوات أبسط من سيناريوهات القصف والمتفجرات وأكثر قدرة على التعامل مع طبيعة الساتر الترابي. مياه القناة التي اعتُبرت حاجزًا أمام القوات المصرية تحولت إلى أداة لفتح الطريق أمامها.
وأصبح اسم باقي زكي يوسف مرتبطًا بإحدى أبرز الأفكار الهندسية في حرب أكتوبر، بعدما نقل خبرة اكتسبها خلال بناء السد العالي إلى ميدان القتال، وحول مبدأ هندسيًا عرفه في تجريف الرمال إلى وسيلة عملية ساهمت في فتح خط بارليف أمام قوات العبور.
وكرمت مصر اللواء باقي زكي يوسف تقديرًا لدوره، ومنحه الرئيس أنور السادات نوط الجمهورية العسكري من الطبقة الأولى عام 1974.
وفي 23 يونيو 2018، رحل اللواء أركان حرب مهندس باقي زكي يوسف عن عمر ناهز 87 عامًا، وبقي اسمه حاضرًا في ذاكرة حرب أكتوبر بوصفه الرجل الذي نظر إلى الساتر الترابي الضخم، واستدعى خبرة السد العالي، فكانت المياه جزءًا من الحل الذي فتح الطريق أمام العبور.