إيذاء الحيوانات وقتلها .. ماذا وراء هذه السلوكيات نفسيا وتربويا؟

mainThumb
إيذاء الحيوانات وقتلها.. ماذا وراء هذه السلوكيات نفسيا وتربويا؟

07-10-2026 09:21 AM

printIcon

أخبار اليوم - من مشاهد تتداولها منصات التواصل الاجتماعي، إلى أخرى تتكرر في الأحياء والحارات، تبرز بين حين وآخر اعتداءات تطال كائنات ضعيفة لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها، وفي مقدمتها القطط، التي تتحول أحيانا إلى ضحية للعنف والقتل والتشويه، لا لكونها مصدر خطر أو أذى، وإنما لمجرد أنها كائن أضعف من المعتدي.


ولا تبدو هذه المشاهد مجرد سلوكيات عابرة، خصوصا عندما يتجاوز الأمر التخلص من حيوان مؤذ أو خطر، إلى تعمد إيذائه بطريقة عنيفة، أو التمثيل بجثته وتشويهها، بما يجعل المشهد صادما ومزعجا، ويطرح أسئلة تتجاوز مصير الحيوان إلى الإنسان الذي اختار أن يمارس قوته على كائن لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

ولم تكن مشاهد إيذاء القطط التي تتداولها منصات التواصل حالات معزولة في الأردن، إذ شهدت الفترة الماضية أكثر من واقعة أثارت غضبا واسعا، ودفع بعضها إلى تدخل الجهات الأمنية والقضائية.

ففي أيلول (سبتمبر) 2026، انتشر فيديو يظهر شخصا في الشارع العام يسمح عمدا لكلبين بحوزته بنهش قطة صغيرة، ما دفع مديرية الأمن العام إلى التحرك بعد تداول المقطع، حيث جرى تحديد هوية الشخص وإلقاء القبض عليه، وبوشرت التحقيقات تمهيدا لإحالته إلى القضاء.

وقبلها بأشهر، أثارت قضية أخرى في الزرقاء صدمة كبيرة، بعدما انتشر مقطع يوثق تعذيب قطط وقتلها داخل منزل، في واقعة وصفت حينها بالوحشية، بعد العثور على عدد من القطط المعذبة والمقطعة داخل المكان. فيما جرى توقيف المشتبه به وإحالته إلى الجهات القضائية، وسط مطالبات بتطبيق القانون وتعزيز حماية الحيوانات من مثل هذه الممارسات.
مشكلات نفسية أو سلوكية

وفي أيلول (سبتمبر) 2025، عادت القضية إلى الواجهة في إربد، بعد انتشار فيديو لشاب يعذب ويقتل عددا من قطط الشوارع، إلى جانب نشر صور لأدوات حادة قيل إنها استخدمت في الاعتداء. كما أثارت قضية "ضاحية الرشيد"، ونفوق عشرات القطط وسط شبهات بتعرضها للتسمم المتعمد، موجة استنكار على منصات التواصل الاجتماعي.
وتكشف هذه الوقائع، رغم اختلاف تفاصيلها، عن سؤال يتجاوز الحوادث ذاتها: ما الذي يدفع شخصا إلى تعمد إلحاق الألم والأذى بحيوان لا يشكل خطرا عليه؟ وهل يمكن أن يكون إيذاء الحيوانات في بعض الحالات، مؤشرا إلى مشكلات نفسية أو سلوكية تحتاج إلى تقييم وتدخل، أم أنه انعكاس لخلل في التربية والقيم وطريقة تعامل المجتمع مع الكائنات الأضعف؟
ويضع مستشار أول الطب النفسي الدكتور وليد سرحان إيذاء الحيوانات ومنها القطط، ضمن السلوكيات التي تستدعي التعامل معها بجدية، إلا أنه يحذر في الوقت ذاته من التسرع في ربط كل حالة بمرض نفسي، موضحا أن فهم السلوك يتطلب النظر إلى عمر الشخص وطبيعة الفعل، ومدى تعمده وتكراره والبيئة المحيطة به، وأنه "لا يجوز تشخيص شخص من مقطع متداول أو اعتبار كل من يؤذي حيوانا مصابا بمرض نفسي".
ويبين سرحان أن الدوافع يمكن أن تختلف من حالة إلى أخرى، فقد ترتبط بالغضب وصعوبة ضبط الانفعالات أو بمحاولة الشعور بالقوة والسيطرة أو بالتقليد وضغط الأقران، فيما قد يكون لدى بعض الأطفال ضعف في إدراك أن الحيوان يشعر بالألم، مؤكدا أن هذه عوامل محتملة وليست تفسيرا واحدا ينطبق على الجميع، كما أنها لا تبرر الاعتداء.
تحول الاعتداء لمادة مصورة يجري تداولها
ويأخذ السلوك بعدا آخر عندما يتحول الاعتداء إلى مادة مصورة يجري تداولها، إذ يوضح سرحان أن التصوير والنشر قد يرتبطان في بعض الحالات، بالرغبة في الحصول على المشاهدات أو استحسان الأصدقاء، أو التفاخر بالسيطرة واستفزاز الجمهور.
فيما قد تتحول ردود فعل المتابعين إلى نوع من المكافأة التي تشجع على تكرار الفعل، لكنه يؤكد أن "التصوير وحده لا يكشف الدافع، ولا يثبت وجود اضطراب نفسي محدد"، داعيا إلى الإبلاغ عن المحتوى بدل إعادة نشره على نطاق واسع، حتى بدافع الاستنكار، مع الاحتفاظ بما يلزم لتوثيق الواقعة للجهات المختصة.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين، بحسب سرحان، إذ قد يكون إيذاء الحيوان سلوكا مكتسبا من مشاهدة الكبار أو الأقران، وقد يستدعي في بعض الحالات الانتباه إلى احتمال تعرض الطفل نفسه للعنف أو الإهمال. ولا ينبغي أن يقتصر الأمر على لوم الطفل، وإنما يشمل البيئة المنزلية والمدرسية التي نشأ فيها.
ويؤكد سرحان أن الحاجة إلى التقييم النفسي تصبح أكثر إلحاحا عندما يكون الاعتداء متعمدا أو شديدا، أو يتكرر رغم التوجيه أو يترافق مع التخطيط والتفاخر أو الاستمتاع بإلحاق الألم وغياب الندم، أو يأتي بالتزامن مع التنمر والاعتداء على الآخرين والتخريب. كما أن إيذاء الحيوانات قد يكون أحد مظاهر اضطراب السلوك لدى الأطفال والمراهقين، لكن تشخيص ذلك يحتاج إلى تقييم شامل لنمط السلوك، ولا يكفي فيه فعل واحد.
القوة تستخدم للحماية لا للإيذاء
ومن هنا، يرى أن التدخل يبدأ بإيقاف الاعتداء وحماية الحيوان ومنع تكراره، ثم فهم الأسباب الكامنة وراء السلوك والعمل عليها من خلال إرشاد الوالدين، وتعليم الطفل التعامل الآمن والرحيم مع الحيوانات، وتنمية التعاطف وضبط الغضب، ومعالجة أي مشكلات نفسية أو أسرية يكشفها التقييم.
ويشدد على أن "الطفل يحتاج إلى فهم أن ألم الحيوان حقيقي، وأن القوة تستخدم للحماية لا للإيذاء"، محذرا من أن الضرب والإذلال قد يعيدان إنتاج العنف، في مقابل وضع حدود واضحة ومساءلة مناسبة لعمر الطفل، مع اللجوء إلى العلاج عند الحاجة.
اجتماعيا، ترى أخصائية علم الاجتماع الدكتورة فادية إبراهيم أن السلوك المؤذي تجاه الحيوانات أو أي كائن ضعيف يرتبط بأبعاد تربوية واجتماعية وثقافية، تبدأ من الأسرة التي تمثل المؤسسة الأولى التي تتشكل داخلها منظومة القيم لدى الطفل، ومنها يتعلم معنى الرحمة واحترام الآخر وتحمل المسؤولية.
وتوضح أن الطفل لا يكتسب سلوكه من التوجيه المباشر فقط، وإنما يتأثر بما يشاهده في محيطه، "فعندما ينشأ في بيئة تحترم الكائنات الحية وترفض إيذاءها، فإنه يتعلم أن القوة لا تعني السيطرة وأن الضعف لا يبرر الاعتداء".
وفي المقابل، تحذر إبراهيم من الاستهانة بإيذاء الحيوانات أو تقديمه على أنه "مزاح بريء"، أو التغاضي عن السلوك المؤذي الصادر عن الأطفال، لأن ذلك قد يسهم في إضعاف إحساسهم بالمسؤولية تجاه معاناة الآخرين.
وسيلة للاستعراض
أو صناعة محتوى
وتزداد أهمية هذا الدور خلال مرحلة المراهقة، حيث قد تتأثر بعض السلوكيات بالرغبة في إثبات الذات أو الحصول على قبول الأقران ولفت الانتباه، وقد يتحول إيذاء الحيوان إلى وسيلة للاستعراض أو صناعة محتوى يحقق التفاعل الرقمي.

وترى أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتكاب الفعل، وإنما أيضا في الطريقة التي يتعامل بها المحيط معه، إذ إن مشاهدة مشاهد القسوة بصورة متكررة ومقابلتها بالضحك أو الإعجاب أو إعادة النشر، قد تجعل الألم أكثر اعتيادا وأقل إثارة للاستنكار، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين.

مواجهة هذه السلوكيات تحتاج إلى توازن بين المساءلة وفهم أسبابها، مع التمييز بين التصرف الطائش الناتج عن نقص الوعي، وبين السلوك المتعمد أو المتكرر الذي يستدعي تدخلا تربويا ونفسيا متخصصا، بعيدا عن التعميم أو وصم الأطفال والمراهقين.
ولا تضع إبراهيم المسؤولية على الأسرة وحدها، إذ ترى أن المدرسة مطالبة بتعزيز ثقافة الرفق بالحيوان والتعاطف والمسؤولية، فيما تقع على وسائل الإعلام مسؤولية تناول هذه الحوادث بما يحفظ كرامة الكائن المتضرر، من دون تحويل مشاهد إيذائه إلى مادة للفرجة أو منح مرتكبيها شهرة إضافية، عدا عن دور منصات التواصل الاجتماعي في الحد من تداول المحتوى الذي يوثق الاعتداءات وتشجيع الإبلاغ عنه بدل إعادة نشره.

وتشير إلى أن طريقة تعامل المجتمع مع الكائنات الأضعف يمكن أن تكون مؤشرا على مستوى التعاطف والمسؤولية الاجتماعية فيه، لأن احترام الحياة جزء من منظومة القيم التي تحكم علاقة الإنسان بالآخرين، وأن "المجتمع الذي يربي أبناءه على الرحمة، ويعلمهم أن الضعف ليس مبررا للإيذاء، يؤسس لثقافة أكثر احتراما وتماسكا وإنسانية".
الإنسانية تقوم على مبدأ الرحمة
وإلى جانب البعدين النفسي والاجتماعي، يضع الدين الإسلامي الرحمة بالحيوان وعدم إيذائه ضمن منظومة واضحة من القيم والأحكام، ما يجعل تعمد تعذيب الحيوان أو قتله دون سبب مشروع امرا مرفوضا شرعا.

وهنا، يشير أستاذ الفقه والدراسات الإسلامية الدكتور منذر زيتون إلى أن "الإيذاء ممنوع، لأن كل إنسان وكل مخلوق، حيوان أو غيره، لم يخلق عبثا، فالله عز وجل خلق الناس والحيوانات والحشرات، ولكل مخلوق غاية ومهمة قد نعرفها أو تخفى علينا"، مشيرا إلى أن السنة النبوية تضمنت نماذج واضحة على ذلك، منها قصة المرأة التي دخلت النار بسبب هرة حبستها، فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، في مقابل ما ورد من أجر رجل سقى كلبًا يلهث من شدة العطش.

ويرى أن التعامل مع الحيوانات يكشف جانبا من إنسانية الفرد، والذي يتجرأ على حي سواء قطة أو كلب أو غيره، فقد شيئا من إنسانيته، لأن الإنسانية تقوم على مبدأ الرحمة والشعور بالآخرين"، وأن الاستهانة بإيذاء الحيوان تعني التجرؤ على خلق الله.
التفريق بين الإيذاء المتعمد وما بين درء الخطر
وفي الوقت نفسه، يفرق زيتون بين الإيذاء المتعمد وبين التعامل مع حيوان يشكل خطرا حقيقيا، باعتباره دفع للضرر، مستشهدا بما ورد في السنة من إباحة قتل بعض الحيوانات المؤذية، كالعقرب والثعبان والكلب العقور وغيرها.

ويعتقد زيتون أن المسألة تتقاطع فيها التربية مع السلوك والصحة النفسية والقيم الدينية وطريقة تعامل المجتمع مع العنف، فالفعل الذي يبدأ باستهداف كائن لا يستطيع الدفاع عن نفسه يطرح سؤالا أوسع حول معنى القوة وحدود استخدامها، وما إذا كان المجتمع يعلم أبناءه أن الأضعف بحاجة إلى الحماية أم أنه يصبح، في لحظة ما هدفا سهلا للاستعراض والعنف.
وفي النهاية، تؤكد إبراهيم أن "حماية الحيوانات ليست قضية هامشية أو ترفا اجتماعيا، بل جزء من التربية على احترام الحياة وبناء شخصية قادرة على إدراك أثر أفعالها في الآخرين"، فيما يرى سرحان أن "التعامل الجاد مع السلوك لا يعني وصم مرتكبه باضطراب نفسي، وإنما فهم أسبابه والتدخل عندما تستدعي الحالة ذلك".

الغد