أخبار اليوم - قبل نحو عقدين، كانت تشونغ جوانجوان تفتح أبواب مقاهي الإنترنت في مدينة ميتشو الصينية بحثا عن ابنها المراهق، بعدما صار يقضي ساعات طويلة أمام ألعاب الحاسوب، فتنتزعه من مقعده وتعيده إلى المنزل، مقتنعة بأن اللعبة التي أسرته باتت تعرقل دراسته وحياته.
لكن الزمن قلب المشهد بصورة لم تكن تتوقعها. فالأم التي كانت تطارد ابنها بسبب الألعاب جلست هي نفسها أمام الشاشة بعد سنوات، وتعلمت "كاونتر سترايك" وهي لعبة تصويب إلكترونية، قبل أن تتحول إلى لاعبة بث يتابعها مئات الآلاف، وتجد نفسها في مواجهة لاعبين محترفين أصغر منها بعقود.
من مطاردة الابن إلى "قناصة ميتشو "
ولدت تشونغ عام 1966 في ميتشو جنوبي الصين، وعملت خلال حياتها في مهن مختلفة لتوفير احتياجات أسرتها. وفي مطلع الألفية، كان ابنها سو ده، الذي كان يدرس في المرحلة الإعدادية، يمضي وقتا طويلا في مقاهي الإنترنت، فكانت تذهب للبحث عنه وتعيده إلى المنزل.
وبعد تقاعدها، انقلبت العلاقة بصورة غير متوقعة. ففي عام 2020، علّمها ابنها اللعبة التي طالما حاربتها. ولم تكن البداية سهلة، فقد واجهت صعوبة في تنسيق حركة الشخصية واستخدام لوحة المفاتيح والفأرة، لكنها واصلت التدريب حتى أصبحت تمضي ساعات طويلة في اللعب.
وبعد نحو شهر، اقترح عليها ابنها أن تبدأ البث المباشر. وعُرفت على الإنترنت باسم "الخالة جوان" وبلقب "قناصة ميتشو" وتحولت تدريجيا إلى شخصية معروفة في بث الألعاب بالصين. وبحسب تقرير حديث، تجاوز عدد متابعيها 400 ألف.
رصاصة في مباراة تصويب
في ديسمبر/كانون الأول 2024، وكانت تشونغ في سن 58، شاركت في مباراة استعراضية عبر الإنترنت في "كاونتر سترايك" ضمت 3 لاعبين محترفين من فريق "سبيريت" بينهم الروسي الشاب دونك الذي كان آنذاك متصدر التصنيف العالمي، واللاعب شيرو.
وخلال إحدى الجولات، تمركزت تشونغ في موقع دفاعي، وما إن ظهر دونك حتى أصابته برصاصة في الرأس وأسقطته، ثم سجلت لاحقا إصابة أخرى ضد شيرو.
لم تكن المباراة بطولة رسمية، لكن اللقطة لفتت الأنظار لأن لاعبة بدأت ممارسة اللعبة في سن 54 تمكنت من إسقاط لاعب كان متصدر التصنيف العالمي في مباراة استعراضية.
ولم يقتصر الاهتمام على الإعجاب، فقد شكك بعض المتابعين في أنها اللاعب الحقيقي. وردا على ذلك، أضاف ابنها كاميرات تظهر وجهها ويديها ولوحة المفاتيح والشاشة في الوقت نفسه، إلى جانب الاستناد إلى سجل لعبها الذي تجاوز 8 آلاف ساعة.
حين أصبح الابن يلاحقها
إذا كانت تشونغ قد أمضت سنوات وهي تحاول إبعاد ابنها عن الألعاب، فإن الأدوار انعكست لاحقا. فهي اليوم تمضي نحو 7 أو 8 ساعات يوميا أمام الحاسوب، وفي بعض الليالي كانت تواصل اللعب حتى وقت متأخر، مما دفع ابنها إلى ضبط جهاز التوجيه المنزلي لقطع الإنترنت بعد منتصف الليل حتى يجبرها على التوقف والنوم.
أما سو ده، الذي كان يوما ذلك المراهق الذي تلاحقه أمه في مقاهي الإنترنت، فأصبح اليوم جزءا أساسيا من عالمها الجديد، يتولى الجوانب التقنية وإدارة البث، فيما تحولت الألعاب إلى مصدر دخل مهم لوالدته.
ليست حكاية عن العمر فقط
لا تقتصر قصة تشونغ على لقطة أسقطت فيها لاعبا عالميا، فاللعبة منحتها بعد التقاعد مساحة جديدة وحولت علاقتها بابنها من الصراع إلى التعاون.
وفي لعبة أخرى هي "جينشين إمباكت" تستمتع بالقفز من المرتفعات والتحليق في الهواء، وهو شعور يذكّرها بطفولتها في ريف ميتشو، حين كانت تنزلق من أعلى سد وتشعر كأنها تطير.
متى يصبح اللعب مشكلة؟
لا تعني تجربة تشونغ أن ساعات اللعب الطويلة مفيدة. وتشير مراجعة علمية شملت 26 دراسة إلى أن العلاقة بين الألعاب والنوم تعتمد على مدة اللعب وتكراره ونوع اللعبة، فقد ارتبط اللعب المفرط في بعض الدراسات بجودة نوم أسوأ وتأخر موعد النوم، بينما لم تظهر النتائج السلبية نفسها مع اللعب المعتدل.
كما تشير أبحاث -حول الألعاب الرقمية لدى كبار السن- إلى إمكان استفادة بعضهم من الألعاب التي توفر تفاعلا اجتماعيا، لكن النتائج لا تزال متباينة.
أما منظمة الصحة العالمية فتعرّف "اضطراب الألعاب" بأنه نمط من اللعب يصعب التحكم فيه، ويأخذ أولوية على الأنشطة الأخرى، ويستمر رغم عواقبه السلبية، مما يؤدي إلى تدهور واضح في الحياة الشخصية أو الأسرية أو الاجتماعية أو الدراسية أو المهنية، وعادة ما يستمر 12 شهرا على الأقل.
وهكذا، تحولت اللعبة التي كانت ذات يوم سببا في أن تلاحق تشونغ ابنها إلى اللغة المشتركة التي أعادت التقارب بينهما، حتى أصبح هو من يذكّرها هذه المرة بأن وقت اللعب انتهى وحان وقت النوم.
المصدر: الجزيرة + الصحافة الصينية