أخبار اليوم – تالا الفقيه
حذّر الخبير التربوي عايش النوايسة من اختزال نجاح الطلبة في المعدلات والنسب المئوية، معتبرًا أن تحول
العلامات إلى المعيار شبه الوحيد للحكم على مستوى الطالب
أضعف الدور التربوي للمدرسة، وأحدث خللًا في بناء شخصية الطالب من الجوانب النفسية والاجتماعية والمعرفية، في وقت يفترض فيه أن تتجاوز العملية التعليمية حدود التحصيل الأكاديمي إلى بناء شخصية متكاملة.
وقال النوايسة إن أحد أبرز التحديات التي تواجه الأنظمة التربوية المعاصرة يتمثل في تحقيق التوازن بين التقييم الأكاديمي والتربية الشاملة، موضحًا أن المنافسة الشديدة بين الطلبة والاهتمام المتزايد بالمعدلات أوجدا واقعًا تعليميًا باتت فيه الأرقام تتقدم على الأهداف التربوية الأساسية.
وأضاف أن السؤال الأكثر تداولًا بين الأسر والمجتمع أصبح متعلقًا بمعدل الطالب والعلامات التي حصل عليها، في حين تراجعت الأسئلة المرتبطة بما اكتسبه من مهارات وقيم وقدرات على التفكير والتواصل والتعامل مع الآخرين، الأمر الذي انعكس على مفهوم النجاح داخل المدرسة وخارجها.
وأوضح النوايسة أن العلامة وُجدت أساسًا باعتبارها وسيلة تربوية تساعد المعلمين على تحديد نقاط القوة والضعف لدى الطلبة، وتوجيه عمليات التعليم والتعلم نحو معالجة جوانب القصور وتعزيز المهارات، إلا أن التعامل معها باعتبارها غاية بحد ذاتها أفقدها جانبًا مهمًا من وظيفتها التعليمية.
وأشار إلى أن هذا التحول يرتبط بعدة عوامل، أبرزها ثقافة التنافس المجتمعي التي جعلت المدرسة ساحة دائمة للمنافسة على المعدلات، إلى جانب الضغوط الأسرية والاجتماعية، واستمرار أنماط تعليمية تعتمد على الحفظ والتلقين والاختبارات التقليدية لقياس التحصيل.
وبيّن أن الاعتماد المفرط على هذه الأساليب أدى، بحسب تقديره، إلى ظهور جوانب ضعف في مخرجات التعليم، خصوصًا في المهارات المرتبطة ببناء الشخصية والقدرة على توظيف المعرفة في المواقف الحياتية، بدلًا من الاكتفاء باسترجاع المعلومات في الاختبارات.
وأكد النوايسة أن الطالب قد يحقق معدلًا مرتفعًا دون أن يمتلك بالضرورة المهارات النفسية والاجتماعية والمعرفية التي تمكنه من التعامل مع تحديات الحياة، وهو ما يستدعي إعادة النظر في مفهوم التفوق وآليات قياسه داخل المؤسسات التعليمية.
وفي هذا السياق، أشاد النوايسة بتوجه وزارة
التربية والتعليم نحو تعزيز التقويم الواقعي، الذي يقوم على تقييم أداء الطلبة في مواقف التعلم الحقيقية، وقياس قدرتهم على تطبيق ما تعلموه، بدلًا من الاعتماد الكامل على الاختبارات والعلامات الرقمية.
وأوضح أن الوزارة اتجهت خلال العام الحالي إلى تطبيق هذا النهج في رياض الأطفال والصفوف الثلاثة الأولى، بما يتيح متابعة تطور الطلبة من خلال أدائهم ومهاراتهم وتفاعلهم داخل البيئة التعليمية.
وأضاف أن الوزارة اعتمدت كذلك نسبة 40% للتقويم الواقعي ضمن التقييم المدرسي في الصفوف الأعلى، بما يعزز دور الأنشطة والمواقف التعليمية الفعلية في قياس تقدم الطلبة، ويخفف من الاعتماد الحصري على الاختبارات التقليدية.
واعتبر النوايسة أن هذا التوجه يمثل خطوة إيجابية نحو استعادة الوظيفة الحقيقية للتقييم، شريطة أن يرافقه تطوير لأساليب التدريس وتأهيل المعلمين وتوعية الأسر بأهمية المهارات والقيم والسلوكيات في الحكم على تقدم أبنائهم.
وشدد على أن استمرار التركيز على تحصيل
العلامات وحده قد يسهم في بناء
شخصيات غير متوازنة، نتيجة إهمال جوانب أساسية من النمو النفسي والاجتماعي والمعرفي، مؤكدًا أن
التربية الناجحة تقاس بقدرتها على إعداد طالب يمتلك المعرفة والمهارة والثقة بالنفس والقدرة على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه.
ودعا النوايسة إلى ترسيخ ثقافة تربوية جديدة تعيد العلامة إلى موقعها الطبيعي بوصفها أداة لقياس التعلم وتطويره، وتمنح بناء شخصية الطالب المتكاملة الأولوية في العملية التعليمية، بحيث يصبح التفوق الأكاديمي جزءًا من النجاح التربوي الشامل، وليس المعيار الوحيد له.