أخبار اليوم – أكد الخبير الأمني والاستراتيجي د. بشير الدعجة أن تحوّل حالة جوية واحدة إلى وفيات وسيول تجرف المواطنين وشوارع غارقة وطرق مغلقة يستدعي
مراجعة التخطيط والجاهزية المؤسسية، مشددًا على أن المشكلة تكمن في القدرة على التعامل مع الأمطار وتداعياتها.
وقال الدعجة إن الأمطار نعمة وإن الأردن يحتاج إلى كل قطرة ماء، لكن الاكتفاء بتفسير الخسائر بغزارة الهطول وعدم قدرة البنية التحتية على استيعابه لا يقدم معالجة للمشكلة، متسائلًا عن أسباب تكرار تجمع المياه والسيول في المواقع ذاتها مع كل موسم شتاء.
وأوضح أن أول مواطن الخلل يتعلق بالتخطيط الهندسي، إذ إن بعض شبكات تصريف مياه الأمطار والعبارات المائية لم تعد تتناسب مع التوسع العمراني والتغيرات المناخية وزيادة المساحات الإسفلتية والخرسانية. ودعا إلى إعادة تقييم قدرتها الاستيعابية بالاستناد إلى دراسات هيدرولوجية حديثة، بدل الاستمرار في الاعتماد على تصاميم قديمة.
وأضاف أن الصيانة الوقائية تمثل جانبًا أساسيًا من الجاهزية، وتشمل تنظيف المناهل والعبارات ومجاري الأودية وإزالة الأتربة والنفايات وفحص الجسور والأنفاق، مؤكدًا أن هذه الأعمال مسؤولية مستمرة طوال العام.
وأشار إلى أن اكتشاف انسداد عبارة مائية أو ضعف منشأة بعد تدفق المياه ووقوع الخسائر يعكس ضرورة تعزيز الوقاية، التي تبقى أقل كلفة من معالجة آثار الكوارث.
وفي جانب إدارة المخاطر، شدد الدعجة على ضرورة التنسيق الفعلي بين وزارة الأشغال العامة والإسكان ووزارة الإدارة المحلية والبلديات وأمانة عمّان وسلطة وادي الأردن ومديرية الأمن العام والمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، بما يحدد مسؤوليات كل جهة ويضمن تنفيذ الإجراءات قبل وصول الحالة الجوية.
وبيّن أن إعداد كل مؤسسة خطة منفصلة لا يكفي دون تنسيق يربط هذه الخطط بالإجراءات الميدانية، ويضمن التعامل المبكر مع المواقع المعرضة للخطر.
وحذّر من التوسع العمراني والاعتداء على مجاري الأودية ومسارات السيول، موضحًا أن المياه تسلك مساراتها الطبيعية دون اعتبار للمخططات التنظيمية أو الحدود الإدارية. وطالب بمراجعة التراخيص في المناطق الخطرة ومنع أي توسع عمراني يهدد حياة المواطنين.
ودعا إلى منظومة إنذار مبكر تربط دائرة الأرصاد الجوية بمراكز العمليات والبلديات وأمانة عمّان والأجهزة الميدانية، وتحدد المواقع المتوقع تعرضها للسيول، وتتيح إغلاق الطرق الخطرة قبل وقوع الحوادث وإيصال التحذيرات إلى المواطنين بوضوح وسرعة.
وأكد الدعجة أن وصف الظروف الجوية بالاستثنائية لا ينبغي أن يعفي أي جهة من
مراجعة مسؤولياتها، موضحًا أنه لا يتهم مؤسسة بعينها بالتقصير دون تحقيق فني، وإنما يطالب بمراجعة
مستقلة تفحص أسباب الحوادث وكفاءة العبارات وشبكات التصريف وسجلات الصيانة ومدى تنفيذ التحذيرات والإجراءات الوقائية.
وشدد على ضرورة تحديد المسؤوليات استنادًا إلى نتائج موثقة وواضحة،
ومحاسبة المقصرين وفق ما تكشفه التحقيقات، مؤكدًا أن وفاة المواطنين تعني فقدان أرواح ومعاناة عائلات تنتظر حماية حقيقية.
وقال إن انتظار الموسم المقبل لاكتشاف أن العبارة نفسها ما زالت مسدودة والشارع ذاته يغرق يعني استمرار الخطر، مضيفًا أن المطر يتكرر كل عام، ويجب أن تقابله جاهزية تمنع تكرار الخسائر.
وختم الدعجة بالتأكيد أن معيار النجاح الحقيقي يُقاس بعدد الأرواح التي تُحمى والمخاطر التي تُمنع قبل وقوع الكارثة، وأن حماية حياة الأردنيين مسؤولية وطنية مستمرة تتجاوز الاستجابة الموسمية.