أخبار اليوم ـ سهم محمد العبادي ـ لم تنتهِ انتخابات رئاسة مجلس النواب بإعلان فوز الدكتور إبراهيم الطراونة. انتهى الاقتراع، لكن النائب مجحم الصقور فتح بمداخلته نقاشًا يتجاوز اسم الرئيس الفائز: من يصنع القرار داخل المجلس، وأين تنتهي التفاهمات النيابية ويبدأ التدخل الحكومي؟
هنّأ الصقور منافسه بالفوز، ثم اتهم الحكومة بالتدخل في ترتيبات اختيار رئيس المجلس، وربط ذلك بقدرة النواب على مراقبة حكومة يقول إنها تتدخل في اختيار من يرأسهم. هذه اتهامات منسوبة إليه، ولم تثبتها المداخلة بمجرد إطلاقها. لكنها، في المقابل، تتعلق باستقلال مؤسسة عامة، ولا يكفي لتجاوزها اعتبارها انفعال مرشح خسر المنافسة.
اللافت أن الرد الذي نقلته التغطيات جاء من الطراونة، الذي أكد أن النواب اختاروا رئيسهم بحرية وديمقراطية. أما في المصادر التي أمكن مراجعتها، فلم أعثر على رد حكومي مباشر على الاتهام. وهذا يفرض الدقة: المتاح يثبت وجود رد من رئيس المجلس، لكنه لا يكفي وحده للجزم بكل ما قيل في الجلسة دون مراجعة تسجيلها الكامل أو محضرها.
ومع هذا التحفظ، فإن السؤال السياسي قائم: لماذا تتولى رئاسة المجلس الرد على اتهام موجّه إلى الحكومة، بينما لا يظهر موقف واضح من الطرف المتهم نفسه؟
رد الطراونة مفهوم من موقعه؛ فهو يدافع عن انتخابه وعن إرادة زملائه. لكن تأكيد حرية التصويت يجيب عن جانب من القضية، ولا يجيب بالضرورة عن جانبها الآخر. فالصقور يتحدث عن ترتيبات سبقت الاقتراع، بينما يتحدث الطراونة عن ممارسة النواب حقهم في الاختيار. وقد يكون التصويت حرًا، وتبقى الأسئلة مشروعة حول طبيعة الاتصالات والتفاهمات التي سبقته. كما قد تكون تلك التفاهمات نيابية بالكامل، ويكون الاتهام بالتدخل الحكومي بلا سند كافٍ. حسم المسألة يحتاج معلومات، لا تبادل تأكيدات عامة.
هنا تقع مسؤولية الصقور أيضًا. من يتهم الحكومة بالتدخل في استحقاق نيابي مطالب بأن يوضح المقصود: هل يتحدث عن اتصالات، أم ضغوط، أم وعود، أم مشاركة في ترتيب تحالف؟ ومن قام بذلك، وبأي صفة؟ ثمة فرق كبير بين حكومة تتابع اتجاهات المجلس الذي ستعمل معه، وحكومة تستخدم نفوذها للتأثير في اختيار قيادته. وإذا بقي الاتهام بلا تفاصيل، فإنه يثير الشكوك من دون أن يمنح المجلس أدوات فحصها.
لكن نقص التفاصيل لا يجعل الصمت الحكومي جوابًا مقنعًا. إذا لم يحدث تدخل، فإن النفي الواضح يحمي الحكومة ويحمي المجلس معها. وإذا كانت هناك اتصالات جرى تفسيرها باعتبارها تدخلًا، فإن توضيح مضمونها وحدودها أجدى من تركها للتأويل. تستطيع الحكومة تحديد موقفها من اتهام يمس طريقة إدارتها للعلاقة مع السلطة التي تراقبها، دون الدخول في خصومة مع نائب.
يمكن قراءة غياب الرد المباشر، إن تأكد، بأكثر من احتمال. ربما رأت الحكومة أن الاشتباك سيمنح الاتهام مساحة أكبر، وربما اعتبرت الخلاف امتدادًا للمنافسة بين المرشحين، أو فضّلت ترك إدارة المشهد للرئيس المنتخب. هذه تفسيرات محتملة، ولا توجد معلومات كافية لترجيح أحدها باعتباره السبب الفعلي.
غير أن لكل احتمال كلفته. فتجاهل اتهام سياسي قد يمنع سجالًا لحظيًا، لكنه يترك رواية واحدة تتداولها المنابر. واعتبار الكلام مجرد اعتراض انتخابي قد يُغفل أن الجمهور يسمع سؤالًا عن استقلال مجلسه. أما الاكتفاء برد الطراونة، فيحمّل الرئيس الجديد عبء الدفاع عن انتخابه، ويترك الحكومة خارج نقاش يتناول سلوكها هي.
وتزداد حساسية المشهد لأن المنافسة حملت خلافًا داخل الحزب الواحد. فقد دعمت قيادة الميثاق ترشيح الطراونة، بينما تمسك الصقور بالمنافسة ودافع عن استقلال قراره النيابي. لذلك فإن مداخلته تُقرأ ضمن مستويين متداخلين: اعتراض على ترتيبات الرئاسة، وصراع على حدود سلطة الحزب على نائبه. لا يلغي أحدهما الآخر، لكنه يمنع اختزال المشهد في مواجهة بسيطة بين نائب وحكومة.
وهذا هو الاختبار الأصعب للعمل الحزبي: أن يكون للحزب قرار يستطيع الدفاع عنه وإقناع أعضائه به، وأن يكون للنائب موقف يتحمل مسؤوليته. فإذا أصبح كل اتفاق حزبي موضع اتهام بأنه صُنع خارج المجلس، ضعفت قيمة التنظيم الحزبي. وإذا استُخدم الانضباط الحزبي لإغلاق أي سؤال عن طريقة صناعة الاتفاق، ضعفت ثقة النواب بأحزابهم. المطلوب شفافية تشرح كيف اتُّخذ القرار، ومن شارك فيه، وما الذي التزمت به الكتل أمام بعضها.
ولا يجوز، في المقابل، التعامل مع كل تفاهم يسبق التصويت باعتباره شبهة. الانتخابات البرلمانية تقوم على التفاوض وبناء التحالفات. السؤال يتجاوز وجود التفاهمات إلى من يملك قرارها، وما مقابلها، وهل تترك للنائب حريته في الرقابة لاحقًا؟ اتفاق على توزيع مواقع المكتب الدائم لا يثبت بذاته خضوعًا للحكومة؛ أما تحوّله إلى التزام بحمايتها من المساءلة، فذلك يمس جوهر وظيفة المجلس.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للطراونة يبدأ بعد الفوز. يستطيع أن يدافع عن استقلال انتخابه بالكلام، لكنه يستطيع تثبيت استقلال رئاسته بالممارسة: عدالة إدارة الجلسات، وحماية حق النواب في السؤال، وإتاحة المساحة للمخالفين، ومتابعة الإجابات الحكومية، وعدم تحويل التحالف الذي انتخبه إلى حاجز أمام الرقابة.
كما أن اختبار الصقور يبدأ بعد المداخلة. فإذا كان اعتراضه دفاعًا عن استقلال المجلس، فإن استكماله يكون بتقديم ما لديه من معلومات، وطلب توضيحات، ومواصلة الرقابة على أساس الوقائع. أما أن يبقى الاتهام مرتبطًا بلحظة الخسارة، ثم يختفي، فسيضعف الحجة التي أراد الدفاع عنها.
المشهد، إذن، أوسع من فائز وخاسر. إنه اختبار لقدرة الحكومة على الإجابة، وقدرة النائب على إسناد اتهامه، وقدرة رئيس المجلس على حماية الجميع من موقعه. فلا الصمت دليل إدانة، ولا إعلان حرية الاقتراع يغلق كل الأسئلة عن مقدماته.
انتهت الانتخابات وأصبح إبراهيم الطراونة رئيسًا للمجلس. أما سؤال الصقور فلا يُغلق بالتهنئة، ولا يُحسم بالاتهام. يُحسم بتوضيح حكومي صريح، وبمعلومات يقدمها صاحب الاتهام، وبأداء نيابي يثبت للمواطن أن من اختاروا رئيسهم يملكون أيضًا قرارهم عندما تقف الحكومة أمامهم للمساءلة.