د. خليف الخوالدة
التداعيات العالمية الأخيرة تنبؤ بمستقبل مختلف لدول العالم المتقدم إذ بدأ العالم بأسره يتغير بوتيرة سريعة وأخذ يتشكل من جديد ولكن هذه المرة ليست بفعل فاعل من كبار الساسة أو بتأثير موازين القوى أو اللوبيات العالمية مثلا وإنما نتاج سلوك وحراك بدأ يترعرع ويتشكل مجتمعيا داخل هذه الدول حيث بدأت رحلة بحث الشعوب عن مصالحها تتبلور وتتعزز يوما بعد يوما والعمل على اختيار الأنسب لها ولمستقبلها.
هذا التحول المجتمعي أضعف بلا شك مراكز القوى الدولية التقليدية ونال من مصادر قوتها ومنعتها. وتغيرت جراء ذلك مقوماتها وكل هذا يؤدي وسيؤدي إلى أن ثمة دول عظمى قد لا تبقى عظمى مستقبلا بل أن أي تحركات وعي مجتمعية مستقبلية قد تقلب الأمور رأسا على عقب.
لهذا، لابد للدول العظمى من الاعتراف بالواقع وأن قواعد الولوج إلى المستقبل قد تغيرت، ولابد لها من دراسة مجتمعاتها وتحليلها وفهم دوافعها والتعامل معها وفق نهج مسؤول قوامه النزاهة والعدالة.
وعليه، على الدول العظمى أن تدرك، إن لم تكن تدرك ذلك، عليها أن تدرك أن منعة الشأن الداخلي ومتانة النسيج المجتمعي هي الضمانة الحقيقية الوحيدة للاستمرار في مواقع الصدارة العالمية.
لم تعد الإمكانات ولا القدرات ولا الترسانات ولا الأموال ولا الثروات كفيلة باستدامة الدول ودوام بقائها في الصدارة، فإذا لم يرافق ذلك مجتمع متماسك موحد يعمل على تحقيق منعة داخلية شمولية ستنهار الدول مهما عظمت إمكاناتها إذا إنهارت من الداخل.
وفي المقابل، ستصعد وتتسيد العالم دول قد تكون ذات إمكانيات متواضعة ولكنها قوية من قوة بنيانها الداخلي ووحدة مجتمعها.
مثل هذه الدول، ونحن منها، فرصتها التاريخية في أن تحقق ذاتها وتدفع بذاتها إلى صدارة الأمم وسيكون حضورها وأثرها وتأثيرها أكبر من غيرها.
وأمام هذه التحولات والتغيرات العالمية والمختلفة عن سابقاتها، علينا أن نمتن جبهتنا الداخلية ونعزز منعتنا الذاتية وأن نوحد كلمتنا خدمة لوطننا وحفاظا على استقرارنا في إقليم بل في عالم يعج بالفوضى والمتناقضات.
هذا الأمر ومعطيات واقع الحال على الساحة العالمية ليست بالشيء السهل بل تستدعي الانتباه والحذر كل الحذر من أي محاولات لزعزعة الاستقرار حتى يبقى الأردن بعون الله عصي على المتآمرين وهم للأسف كثر وليبقى كما هو كبير في قدره ومقداره.
علينا أن نحافظ على بلدنا ونقوي نسيجه الداخلي ونحميه من أية حملات خارجية تستهدف لا قدر الله تمزيقه أو النيل منه. المهم في الأمر ترسيخ الوجدان الأردني وتعزيز الفكر البنيوي وتوجيه وتوحيد الفعل الوطني.