القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً… رسالة ملكية تؤسس لهيبة الدولة

mainThumb
القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً… رسالة ملكية تؤسس لهيبة الدولة

05-11-2026 11:19 AM

printIcon

بقلم: النائب عبد الباسط الكباريتي


من أقوال سيدي جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين:
- لا مكان في بلدنا وبيننا لمن يظن أن الوظيفة العامة هي تشريف يرفّعه عن العمل أو خدمة الناس.
- ولا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أياً كان، فهيبة الدولة وسيادة القانون يتقدمان على كل شيء.
- القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً
---
بهذه الكلمات الواضحة والحاسمة، يضع جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين قاعدة أساسية في فهم المسؤولية العامة، ويرسم ملامح الدولة التي نريدها؛ دولة المؤسسات والقانون، التي لا تعلو فيها سلطة على سلطة القانون، ولا تتحول فيها المناصب إلى امتيازات شخصية، ولا يكون فيها النفوذ وسيلة لتجاوز الحقوق أو تعطيل العدالة. إنها رسالة ملكية تتجاوز حدود التوجيه الإداري، لتؤكد أن هيبة الدولة تبدأ من احترام القانون، وأن ثقة المواطن بمؤسساته تُبنى على العدالة والمساواة والمساءلة.
إن أهمية هذه الكلمات تكمن في أنها تعيد التأكيد على جوهر الوظيفة العامة ومعناها الحقيقي؛ فهي ليست موقعاً اجتماعياً يمنح صاحبه مكانة فوق الآخرين، ولا باباً لاكتساب النفوذ أو تحقيق المصالح الخاصة، وإنما أمانة وطنية وتكليف يستوجب العمل والإخلاص وخدمة المواطنين. فالمسؤول لا يستمد قيمته من المنصب الذي يشغله، بل من حجم ما يقدمه، ومن قدرته على تحويل الصلاحيات الممنوحة له إلى إنجازات ملموسة تنعكس إيجاباً على حياة الناس.
فالوظيفة العامة ليست امتيازاً لمن يتولاها، بل مسؤولية تجاه من يخدمهم. والمواطن الذي يراجع مؤسسة رسمية لا يطلب من أحد منّة أو معروفاً، وإنما يتوجه إلى مؤسسات دولته للحصول على حق كفله القانون. ومن هنا، فإن احترام المواطن، وتسهيل معاملاته، وإنجاز شؤونه، والتعامل معه بعدالة وشفافية، ليست ممارسات اختيارية أو تفاصيل إدارية، بل هي واجبات أصيلة تعكس مستوى كفاءة المؤسسة ومدى التزامها برسالتها الوطنية.
ولعل الرسالة الأكثر وضوحاً في التوجيه الملكي هي التأكيد أن المنصب لا يمنح صاحبه حصانة، وأن المسؤولية لا تنفصل عن المحاسبة، أياً كان موقع الشخص أو طبيعة صلاحياته. فالدولة التي تقوم على سيادة القانون لا يمكن أن تقبل بوجود مسؤول يعتقد أن موقعه يحميه من المساءلة، أو أن علاقاته ونفوذه تمنحه حق تجاوز الأنظمة والتعليمات. إن المسؤولية كلما ارتفع مستواها، ازدادت معها الواجبات، وأصبح الالتزام بالنزاهة والشفافية أكثر إلحاحاً.

إن استغلال الوظيفة العامة، والواسطة والمحسوبية، وتقديم المصالح الشخصية على المصلحة العامة، ممارسات لا تضر بمؤسسة بعينها فحسب، بل تمس الثقة بمنظومة الدولة بأكملها. فالمواطن حين يشعر أن الوصول إلى حقه يحتاج إلى واسطة، أو أن بعض المعاملات تُنجز بفعل النفوذ بينما تتعثر معاملات الآخرين، فإن ذلك يترك أثراً سلبياً على مفهوم العدالة وتكافؤ الفرص، ويضعف الثقة التي ينبغي أن تكون أساس العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن الإصلاح الإداري الحقيقي لا يتحقق بمجرد تعديل الهياكل التنظيمية أو تغيير المسميات الوظيفية، وإنما يبدأ من ترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على الكفاءة والاستحقاق، وربط المسؤولية بالإنجاز، ومحاسبة المقصر، وحماية المال العام، وتكريس مبدأ أن الخدمة العامة واجب لا مجال فيه للمحاباة أو الانتقائية. كما أن تطوير الإدارة العامة يتطلب مراجعة الإجراءات التي تعيق مصالح المواطنين، وتعزيز كفاءة الأداء، وتوفير بيئة عمل تحترم الوقت والجهد والحقوق.
أما هيبة الدولة، فلا تُصان بسلطة المنصب، وإنما بقوة القانون وعدالة تطبيقه. فليس من المقبول أن يُطلب من المواطن احترام القانون والالتزام بأحكامه، في الوقت الذي يتصور فيه البعض أن مواقعهم الوظيفية تمنحهم القدرة على تجاوزه. إن سيادة القانون لا تتجزأ، ولا تستقيم إلا عندما يشعر الجميع بأنهم متساوون أمامه، وأن أي مخالفة أو تجاوز يخضع للمساءلة وفق الإجراءات القانونية، دون تمييز بين صاحب منصب ومواطن عادي.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الدستوري لمجلس النواب في تعزيز هذه المبادئ، من خلال التشريع والرقابة ومتابعة أداء المؤسسات العامة، والعمل على تطوير البيئة التشريعية والإدارية بما يضمن النزاهة والشفافية ويحمي المال العام ويعزز ثقة المواطن بمؤسسات دولته. فالرقابة النيابية ليست خصومة مع الإدارة العامة، وإنما مسؤولية وطنية هدفها تصويب الأداء، ومعالجة مواطن الخلل، وضمان أن تكون المؤسسات في خدمة المواطن، وأن تُمارس الصلاحيات ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
ولا بد هنا من التأكيد أن المساءلة العادلة لا تعني إطلاق الاتهامات أو إصدار الأحكام المسبقة، وإنما تعني الاحتكام إلى الوقائع والأدلة، واحترام الإجراءات القانونية، وضمان حق الجميع في الدفاع عن أنفسهم. فدولة القانون لا تكتفي بمحاسبة من يثبت تجاوزه، بل تحرص أيضاً على حماية الأبرياء وصون الحقوق، لأن العدالة لا تتحقق بالانتقائية، وإنما بالتطبيق المنصف للقانون.
إننا أمام رسالة ملكية تستدعي من جميع مؤسسات الدولة مراجعة الأداء وتعزيز ثقافة المسؤولية، كما تستدعي من كل من يتولى موقعاً عاماً أن يدرك أن المنصب مرحلة من مراحل العطاء الوطني، وليس ملكية شخصية أو امتيازاً دائماً. فالمواقع تتغير، والمسميات تتبدل، لكن ما يبقى هو أثر الإنسان في عمله، ومدى إخلاصه لوطنه، واحترامه لحقوق المواطنين.
لقد أكد جلالة الملك، بهذه الكلمات، أن قوة الأردن لا تقوم على الأشخاص والمناصب، بل على مؤسساته الراسخة، وعدالة قانونه، وثقة مواطنيه، وأن حماية هيبة الدولة مسؤولية مشتركة لا تحتمل المجاملة أو التهاون. وهي رسالة ينبغي أن تتحول إلى ممارسة يومية في كل وزارة ودائرة ومؤسسة، حتى يشعر المواطن بأن كرامته مصانة، وحقه محفوظ، وأن لا أحد يستطيع أن يتقدم على القانون مهما علا شأنه أو اتسع نفوذه.
إنها رسالة ملكية واضحة لا تحتمل التأويل: لا امتياز على حساب الوطن، ولا سلطة فوق القانون، ولا حصانة لمن يسيء استخدام المسؤولية. فالدولة القوية هي التي يكون فيها الجميع متساوين أمام القانون، وتكون فيها الوظيفة العامة عنواناً للخدمة والعطاء، لا وسيلة للنفوذ والاستعلاء. وتلك هي هيبة الدولة التي نحرص عليها، والثقة التي نسعى إلى ترسيخها، والأردن الذي نريد أن نمضي به نحو مستقبل أكثر عدالة وكفاءة ومؤسسية، تحت ظل القيادة الهاشمية الحكيمة.