بين السبق الصحفي وكرامة الإنسان .. أين تقف أخلاقيات الإعلام وقت الأزمات؟

mainThumb
بين السبق الصحفي وكرامة الإنسان.. أين تقف أخلاقيات الإعلام وقت الأزمات؟

07-11-2026 02:58 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - في أوقات الأزمات والظروف الاستثنائية، لا تُقاس قوة الصحافة بسرعة نشر الخبر أو بحجم التفاعل الذي يحققه، بل بمدى التزامها بالحقيقة، واحترامها لكرامة الإنسان، وقدرتها على نقل الوقائع بمسؤولية بعيداً عن التهويل والإثارة وتضليل الجمهور. ففي اللحظات التي يبحث فيها الناس عن معلومة تطمئنهم وتساعدهم على فهم ما يجري، تصبح الكلمة مسؤولية قد تحمي المجتمع أو تزيد مخاوفه وارتباكه.

وتتضاعف مسؤولية المؤسسات الإعلامية والصحفيين عند وقوع الحوادث والكوارث والأحداث الأمنية، إذ لا يجوز أن تتحول معاناة الضحايا وأسرهم إلى مادة لاستقطاب المشاهدات، أو أن تُنشر صور المصابين والضحايا وتفاصيلهم الخاصة دون مراعاة لكرامتهم وخصوصية ذويهم. فخلف كل صورة إنسان وأسرة تعيش لحظات صعبة، ومن واجب الصحافة ألا تضاعف الألم تحت عنوان السبق الصحفي.

ومن أخطر الممارسات في أوقات الأزمات تداول الأخبار غير المؤكدة، ونشر مقاطع مصورة قديمة على أنها حديثة، أو اجتزاء التصريحات وإخراجها من سياقها، أو اعتماد منشورات مجهولة المصدر باعتبارها معلومات موثوقة. فالمعلومة غير الدقيقة لا تبقى مجرد خطأ تحريري، بل قد تتحول إلى مصدر للذعر، وتؤثر في قرارات المواطنين، وتربك جهود الجهات المختصة في التعامل مع الحدث.

كما أن العناوين المضللة والمبالغ فيها تمثل شكلاً من أشكال الإخلال بالمسؤولية الإعلامية، خصوصاً عندما تُستخدم كلمات مثيرة لا تعكس حقيقة مضمون الخبر، أو تُبنى على استنتاجات لم تثبتها الوقائع. فالصحافة المهنية لا تصنع الخوف، ولا تستثمر في القلق، ولا تقدم الاحتمالات على أنها حقائق، بل تميز بوضوح بين المعلومة المؤكدة والرواية الأولية والتحليل والتوقع.

ولا تعني المسؤولية الإعلامية الامتناع عن النقد أو تجنب مساءلة الجهات المعنية، بل على العكس، فإن الصحافة في أوقات الأزمات مطالبة بممارسة دورها الرقابي، وطرح الأسئلة الصعبة، ونقل شكاوى المواطنين، وكشف أوجه القصور، لكن وفق الأدلة والتحقق، مع منح الأطراف المعنية حق الرد، بعيداً عن الاتهامات غير المستندة إلى معلومات موثوقة.

وتبرز أهمية التوازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأفراد في الخصوصية، فلا ينبغي نشر أسماء الضحايا أو بياناتهم الشخصية أو صورهم إلا وفق اعتبارات مهنية وقانونية واضحة، كما يجب التعامل بحساسية مع الأطفال والنساء والأشخاص الذين تعرضوا للصدمات، وتجنب أي محتوى قد يعرضهم للأذى أو الاستغلال.

أما منصات التواصل الاجتماعي، فقد جعلت مسؤولية التحقق أكثر إلحاحاً، إذ يستطيع أي مستخدم نشر معلومة خلال ثوانٍ، بينما تحتاج المؤسسات الصحفية إلى التأكد من مصدرها وتاريخها وسياقها قبل اعتمادها. وهنا لا تقع المسؤولية على الصحفي وحده، بل تمتد إلى كل من يعيد نشر الأخبار أو يشارك الصور والمقاطع دون التثبت من صحتها.

إن أخلاقيات الصحافة لا تظهر في الظروف الطبيعية وحدها، بل يُختبر الالتزام الحقيقي بها عندما تتسارع الأحداث وتزداد الضغوط ويصبح الجمهور أكثر حاجة إلى المعلومة. وفي تلك اللحظات تحديداً، يجب أن تكون المهنية حاضرة في اختيار الكلمات، ودقة التفاصيل، واحترام الإنسان، والابتعاد عن كل ما من شأنه تأجيج الخوف أو الكراهية أو الانقسام.

فالصحفي ليس مجرد ناقل لما يحدث، بل هو شريك في تشكيل وعي المجتمع، والكلمة التي ينشرها قد تسهم في تهدئة النفوس وتوضيح الحقائق، أو تزيد المشهد تعقيداً إذا غابت عنها الدقة والحكمة. ومن هنا، فإن الالتزام بأخلاقيات المهنة ليس قيداً على حرية الصحافة، بل ضمانة لحماية مصداقيتها وثقة الجمهور بها.