ابراهيم مصطفى خريسات
في الذكرى التي تحضر فيها سيرة وصفي التل، لا يعود الحديث مجرّد استرجاعٍ لحدثٍ سياسي أو واقعة اغتيال، بل استدعاءٌ لشخصية ظلّت – رغم مرور العقود – إحدى أكثر الشخصيات الأردنية حضورًا في الوعي العام، لما تركته من أثر مركّب يجمع بين الصرامة والدولة والقيم والخيال الوطني.
وصفي التل… مزيج نادر من الصلابة والرؤية
ولد وصفي في بيئةٍ ريفية قاسية شكّلت مبكرًا حِسَّه تجاه العمل، والانضباط، وارتباط الإنسان بالأرض. هذه الخشونة الأولى سترافقه لاحقًا في كل موقعٍ تسلّمه، ليظهر كرجل دولة لا يعرف المساومة على ما اعتبره مبادئ أساسية: سيادة الدولة، نزاهة الإدارة، وحقّ الناس في الأمن والطمأنينة.
لم يكن التل صاحب خطابات مطوّلة بقدر ما كان صاحب مشروع، ولا صاحب وعود بقدر ما كان صاحب نتائج. لذلك بقي حضوره في الذاكرة مرتبطًا بفكرة “رجل المرحلة الصعبة” الذي كان يرى في الوظيفة العامّة تكليفًا لا ترفًا سياسيًا.
بين السياسة والهوية… علاقة معقّدة وصريحة
شكّلت سنوات ما بعد 1967 تحديًا قاسيًا للأردن، سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا. وفي قلب هذا التوتر ظهر وصفي التل بموقفٍ واضح: دولةٌ يجب أن تبقى متماسكة مهما بلغ الثمن، ومجتمع يجب ألا يُترك رهينةً للفوضى. لذلك نُظر إليه من البعض كمصلحٍ صلب، ورآه آخرون كرجل لا يتردد في اتخاذ قرارات صادمة.
لكن ما يجمع عليه أغلب من تناول تجربته أنّ الرجل كان يرى الهوية العربية، والقضية الفلسطينية تحديدا، جزءًا من البنية الأخلاقية للدولة الأردنية وليس ملفًا سياسيًا يعالج بالخطابات. كانت رؤيته صارمة، ومن هنا جاء الجدل حوله، ومن هنا أيضًا جاء احترام غير قليلين له.
اغتياله لم ينهِ الحكاية
في تلك اللحظة الدامية من نوفمبر 1971، كان الهدف بالنسبة لخصومه إيقاف الرجل، لكن ما حدث عمليًا كان أقرب لولادة رمز. اغتيال وصفي لم يقطع أسئلته التي ظلّت مفتوحة:
كيف تُحمى الدولة الصغيرة في محيط مضطرب؟
كيف تُدار السلطة بنزاهة دون أن تُخدع بالمظاهر؟
وكيف يمكن لرجل واحد أن يترك هذا القدر من الأثر من دون أن يسعى لصورة أو مجد؟
هذه الأسئلة ما تزال تُطرح حتى اليوم، وتُعيد وصفي التل من الماضي إلى الحاضر في كل ذكرى رحيله، وكأن التاريخ يلوّح لنا بأن بعض الشخصيات لا تُطوى بالغياب.
إرثٌ يتجاوز السياسة
لم يبقَ من وصفي التل فقط أنه كان رئيسًا للوزراء، بل بقيت صورة الأردني الذي لم يفصل حياته الخاصة عن مسؤوليته العامة؛ الرجل الذي كان يمشي بين الناس ويعرف تفاصيل القرى والدروب، ويؤمن أنّ الدولة تبدأ من احترام تعب الناس ولقمة عيشهم.
وبقي أيضًا أثره في الذاكرة الثقافية الأردنية: ومفكّرٌ انشغل بالفلاحين والبادية، وكاتبٌ يرى الوطنية فعلًا يوميًا قبل أن تكون شعارًا.
في ذكرى رحيل وصفي التل، لا نرثي رجلًا مضى فحسب، بل نستحضر نموذجًا صعب التكرار: رجل دولةٍ آمن بأن كرامة البلاد ليست مادة للتفاوض، وأن النزاهة ليست فضيلة ثانوية، وأن على المسؤول أن يكون صلبًا بقدر ما يكون حقيقيًا.
وربما لهذا السبب بالتحديد، يظلّ اسمه حاضرًا، لا في السياسة وحدها، بل في ذاكرة الناس، في حديثهم العابر، وفي حنين لا يخلو من سؤال:
هل يمكن أن يتكرر مثل هذا النوع من الرجال؟
ابراهيم مصطفى خريسات
في الذكرى التي تحضر فيها سيرة وصفي التل، لا يعود الحديث مجرّد استرجاعٍ لحدثٍ سياسي أو واقعة اغتيال، بل استدعاءٌ لشخصية ظلّت – رغم مرور العقود – إحدى أكثر الشخصيات الأردنية حضورًا في الوعي العام، لما تركته من أثر مركّب يجمع بين الصرامة والدولة والقيم والخيال الوطني.
وصفي التل… مزيج نادر من الصلابة والرؤية
ولد وصفي في بيئةٍ ريفية قاسية شكّلت مبكرًا حِسَّه تجاه العمل، والانضباط، وارتباط الإنسان بالأرض. هذه الخشونة الأولى سترافقه لاحقًا في كل موقعٍ تسلّمه، ليظهر كرجل دولة لا يعرف المساومة على ما اعتبره مبادئ أساسية: سيادة الدولة، نزاهة الإدارة، وحقّ الناس في الأمن والطمأنينة.
لم يكن التل صاحب خطابات مطوّلة بقدر ما كان صاحب مشروع، ولا صاحب وعود بقدر ما كان صاحب نتائج. لذلك بقي حضوره في الذاكرة مرتبطًا بفكرة “رجل المرحلة الصعبة” الذي كان يرى في الوظيفة العامّة تكليفًا لا ترفًا سياسيًا.
بين السياسة والهوية… علاقة معقّدة وصريحة
شكّلت سنوات ما بعد 1967 تحديًا قاسيًا للأردن، سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا. وفي قلب هذا التوتر ظهر وصفي التل بموقفٍ واضح: دولةٌ يجب أن تبقى متماسكة مهما بلغ الثمن، ومجتمع يجب ألا يُترك رهينةً للفوضى. لذلك نُظر إليه من البعض كمصلحٍ صلب، ورآه آخرون كرجل لا يتردد في اتخاذ قرارات صادمة.
لكن ما يجمع عليه أغلب من تناول تجربته أنّ الرجل كان يرى الهوية العربية، والقضية الفلسطينية تحديدا، جزءًا من البنية الأخلاقية للدولة الأردنية وليس ملفًا سياسيًا يعالج بالخطابات. كانت رؤيته صارمة، ومن هنا جاء الجدل حوله، ومن هنا أيضًا جاء احترام غير قليلين له.
اغتياله لم ينهِ الحكاية
في تلك اللحظة الدامية من نوفمبر 1971، كان الهدف بالنسبة لخصومه إيقاف الرجل، لكن ما حدث عمليًا كان أقرب لولادة رمز. اغتيال وصفي لم يقطع أسئلته التي ظلّت مفتوحة:
كيف تُحمى الدولة الصغيرة في محيط مضطرب؟
كيف تُدار السلطة بنزاهة دون أن تُخدع بالمظاهر؟
وكيف يمكن لرجل واحد أن يترك هذا القدر من الأثر من دون أن يسعى لصورة أو مجد؟
هذه الأسئلة ما تزال تُطرح حتى اليوم، وتُعيد وصفي التل من الماضي إلى الحاضر في كل ذكرى رحيله، وكأن التاريخ يلوّح لنا بأن بعض الشخصيات لا تُطوى بالغياب.
إرثٌ يتجاوز السياسة
لم يبقَ من وصفي التل فقط أنه كان رئيسًا للوزراء، بل بقيت صورة الأردني الذي لم يفصل حياته الخاصة عن مسؤوليته العامة؛ الرجل الذي كان يمشي بين الناس ويعرف تفاصيل القرى والدروب، ويؤمن أنّ الدولة تبدأ من احترام تعب الناس ولقمة عيشهم.
وبقي أيضًا أثره في الذاكرة الثقافية الأردنية: ومفكّرٌ انشغل بالفلاحين والبادية، وكاتبٌ يرى الوطنية فعلًا يوميًا قبل أن تكون شعارًا.
في ذكرى رحيل وصفي التل، لا نرثي رجلًا مضى فحسب، بل نستحضر نموذجًا صعب التكرار: رجل دولةٍ آمن بأن كرامة البلاد ليست مادة للتفاوض، وأن النزاهة ليست فضيلة ثانوية، وأن على المسؤول أن يكون صلبًا بقدر ما يكون حقيقيًا.
وربما لهذا السبب بالتحديد، يظلّ اسمه حاضرًا، لا في السياسة وحدها، بل في ذاكرة الناس، في حديثهم العابر، وفي حنين لا يخلو من سؤال:
هل يمكن أن يتكرر مثل هذا النوع من الرجال؟
ابراهيم مصطفى خريسات
في الذكرى التي تحضر فيها سيرة وصفي التل، لا يعود الحديث مجرّد استرجاعٍ لحدثٍ سياسي أو واقعة اغتيال، بل استدعاءٌ لشخصية ظلّت – رغم مرور العقود – إحدى أكثر الشخصيات الأردنية حضورًا في الوعي العام، لما تركته من أثر مركّب يجمع بين الصرامة والدولة والقيم والخيال الوطني.
وصفي التل… مزيج نادر من الصلابة والرؤية
ولد وصفي في بيئةٍ ريفية قاسية شكّلت مبكرًا حِسَّه تجاه العمل، والانضباط، وارتباط الإنسان بالأرض. هذه الخشونة الأولى سترافقه لاحقًا في كل موقعٍ تسلّمه، ليظهر كرجل دولة لا يعرف المساومة على ما اعتبره مبادئ أساسية: سيادة الدولة، نزاهة الإدارة، وحقّ الناس في الأمن والطمأنينة.
لم يكن التل صاحب خطابات مطوّلة بقدر ما كان صاحب مشروع، ولا صاحب وعود بقدر ما كان صاحب نتائج. لذلك بقي حضوره في الذاكرة مرتبطًا بفكرة “رجل المرحلة الصعبة” الذي كان يرى في الوظيفة العامّة تكليفًا لا ترفًا سياسيًا.
بين السياسة والهوية… علاقة معقّدة وصريحة
شكّلت سنوات ما بعد 1967 تحديًا قاسيًا للأردن، سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا. وفي قلب هذا التوتر ظهر وصفي التل بموقفٍ واضح: دولةٌ يجب أن تبقى متماسكة مهما بلغ الثمن، ومجتمع يجب ألا يُترك رهينةً للفوضى. لذلك نُظر إليه من البعض كمصلحٍ صلب، ورآه آخرون كرجل لا يتردد في اتخاذ قرارات صادمة.
لكن ما يجمع عليه أغلب من تناول تجربته أنّ الرجل كان يرى الهوية العربية، والقضية الفلسطينية تحديدا، جزءًا من البنية الأخلاقية للدولة الأردنية وليس ملفًا سياسيًا يعالج بالخطابات. كانت رؤيته صارمة، ومن هنا جاء الجدل حوله، ومن هنا أيضًا جاء احترام غير قليلين له.
اغتياله لم ينهِ الحكاية
في تلك اللحظة الدامية من نوفمبر 1971، كان الهدف بالنسبة لخصومه إيقاف الرجل، لكن ما حدث عمليًا كان أقرب لولادة رمز. اغتيال وصفي لم يقطع أسئلته التي ظلّت مفتوحة:
كيف تُحمى الدولة الصغيرة في محيط مضطرب؟
كيف تُدار السلطة بنزاهة دون أن تُخدع بالمظاهر؟
وكيف يمكن لرجل واحد أن يترك هذا القدر من الأثر من دون أن يسعى لصورة أو مجد؟
هذه الأسئلة ما تزال تُطرح حتى اليوم، وتُعيد وصفي التل من الماضي إلى الحاضر في كل ذكرى رحيله، وكأن التاريخ يلوّح لنا بأن بعض الشخصيات لا تُطوى بالغياب.
إرثٌ يتجاوز السياسة
لم يبقَ من وصفي التل فقط أنه كان رئيسًا للوزراء، بل بقيت صورة الأردني الذي لم يفصل حياته الخاصة عن مسؤوليته العامة؛ الرجل الذي كان يمشي بين الناس ويعرف تفاصيل القرى والدروب، ويؤمن أنّ الدولة تبدأ من احترام تعب الناس ولقمة عيشهم.
وبقي أيضًا أثره في الذاكرة الثقافية الأردنية: ومفكّرٌ انشغل بالفلاحين والبادية، وكاتبٌ يرى الوطنية فعلًا يوميًا قبل أن تكون شعارًا.
في ذكرى رحيل وصفي التل، لا نرثي رجلًا مضى فحسب، بل نستحضر نموذجًا صعب التكرار: رجل دولةٍ آمن بأن كرامة البلاد ليست مادة للتفاوض، وأن النزاهة ليست فضيلة ثانوية، وأن على المسؤول أن يكون صلبًا بقدر ما يكون حقيقيًا.
وربما لهذا السبب بالتحديد، يظلّ اسمه حاضرًا، لا في السياسة وحدها، بل في ذاكرة الناس، في حديثهم العابر، وفي حنين لا يخلو من سؤال:
هل يمكن أن يتكرر مثل هذا النوع من الرجال؟
التعليقات