أخبار اليوم – قالت النائب أروى الحجايا إن الأمانة تمثل الميزان الحقيقي لقيام الدول واستقرار المجتمعات، محذرة من أن اختلال هذا الميزان داخل المؤسسات يفتح الباب أمام تراجع الثقة العامة ويقوّض أسس الحكم الرشيد.
وأضافت الحجايا في مقال لها أن الدول لا تحرسها الخطط وحدها ولا يحميها السلاح فقط، وإنما يحرسها قبل ذلك ضمير يقظ ونفس تستشعر المسؤولية. وأوضحت أن استباحة الأمانة أو استسهال خيانة الوظيفة يمثل أول صدع في العلاقة بين المجتمع ومؤسساته، ويهدد منظومة القيم التي يقوم عليها الاستقرار العام.
وأشارت إلى أن ما يتردد في الآونة الأخيرة من وقائع تتعلق باستثمار المناصب أو إساءة استخدام السلطة يثير القلق من تحول بعض الممارسات الفردية إلى ظاهرة تتكرر دون مساءلة حقيقية، مؤكدة أن استمرار التجاوزات دون تحقيق واضح يضعف أدوات الرقابة ويجعل ما كان مرفوضاً في السابق أمراً مألوفاً مع مرور الوقت.
وبيّنت أن القرآن الكريم وضع معياراً واضحاً لاختيار القيادات حين قال تعالى:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، موضحة أن القوة دون أمانة تتحول إلى بطش، بينما الأمانة دون قدرة تتحول إلى عجز، وأن استقامة شؤون الناس تتحقق عندما يجتمع الضمير الحي مع القدرة على اتخاذ القرار.
ولفتت الحجايا إلى أن التاريخ يقدم نماذج مضيئة في النزاهة، مستشهدة بما روي عن الوالي الصالح عروة بن محمد بن عطية السعدي حين تولى ولاية اليمن وأعلن للناس أنه إن خرج من الولاية بأكثر مما دخل به فهو سارق، في إشارة إلى أن المنصب مسؤولية لا طريق للثراء.
وأكدت أن الأخلاق الحقيقية تظهر عند اختبار السلطة، وأن صلاح القادة يبدأ من صلاح نفوسهم، مستشهدة بقول الحكماء: “صلحوا فأصلحوا فَسادوا”، في دلالة على أن من يصلح نفسه يصلح غيره ويبلغ مكانة القيادة الحقيقية.
وفيما يلي نص المقال:
الأمانة… ميزان الأُُُمم حين يختل الميزان
ما من أمةٍ تُصاب في ضميرها أشدَّ من إصابتها في مواردها، ولا ما يُقوِّض بنيان الدول كاختلال ميزان الأمانة في نفوس القائمين على شؤونها. فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده، ولا تبنيها الخطط وحدها، بل يحرسها قبل ذلك ضميرٌ يقظ، ويدٌ أمينة، ونفسٌ تستحي من الله قبل أن تخشى رقابة الناس. فإذا استُبيحت الأمانة، واستُسهلت خيانة الوظيفة، كان ذلك أول صدعٍ في جدار الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
وفي خضم ما نشهده ونسمعه في الآونة الأخيرة من وقائع تتكاثر حتى تكاد تتحول إلى ظاهرة، يساور المرء خوفٌ مشروع من أن تنقلب الاستثناءات إلى عادات، وأن يصبح ما كان يُستقبح يومًا أمرًا مألوفًا لا يستوقف مساءلة ولا يوقظ ضميرًا.
فكثير من صور استثمار الوظيفة والمنصب والسلطة على اختلاف مستوياتها تمرّ مرورًا باردًا؛ لا تُفتح لها أبواب تحقيق جاد، ولا تُستدعى لها أدوات المساءلة، ولا يُبذل الحد الأدنى من التحقق. ومع مرور الوقت يألف السمع ما كان ينكره، ويعتاد البصر ما كان يستوقفه.
وفي مثل هذا المشهد ينهض من بين آيات القرآن ميزانٌ خالد، يختصر فلسفة القيادة الصالحة في كلمتين بليغتين:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
فالقوة بلا أمانة قد تنقلب بطشًا،
والأمانة بلا قوة قد تؤول عجزًا،
وإنما يستقيم أمر الناس حين تجتمع نزاهة الضمير مع اقتدار القرار، ويقترن سلطان المنصب برقابة القلب.
غير أن المشهد في بعض جوانبه اليوم يكشف عن خللٍ متنامٍ في الأمانة الوظيفية؛ إذ تتوارى بعض التجاوزات خلف ستار العلاقات الشخصية، وتحرسها المصالح المتبادلة، بينما تخبو أذرع المساءلة، ويضعف صوت الرقابة. وقد يبلغ الأمر أن يتصدى بعضهم لكل من يطالب بتحقيق أو يثير شبهة فساد، كأن مساءلة الخطأ أصبحت خصومة، وكأن البحث عن النزاهة تهمة.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة بين سيرة الأسلاف وبعض مظاهر الحاضر.
فقد رُوي أن الوالي الصالح عروة بن محمد بن عطية السعدي لما وُلِّي اليمن وقف في الناس قائلاً:
«يا أهل اليمن، هذه راحلتي، فإن خرجتُ بأكثر منها فأنا سارق».
كان معه يوم قدم راحلته وسيفه ومصحفه، وهي كل ما يملك. ومضت الأعوام وهو في موقع الولاية، ثم خرج منها كما دخل، لم تزد يده على ما كان معه.
إنها ليست عبارة عابرة، بل وثيقة ضميرٍ حي أعلن فيها صاحبها أن المنصب أمانة لا مغنم، ومسؤولية لا طريق ثراء.
وقد عبّر الشعراء عن هذه الحقيقة الخالدة حين قال الحكيم:
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمُ
فالأخلاق الحقيقية لا تختبئ طويلًا؛ إذ يكشفها الامتحان، وتفضحها السلطة حين تقع في يد صاحبها.
وقال شاعر الحكمة:
إذا المرءُ لم يدنس من اللؤم عرضه
فكلُّ رداءٍ يرتديه جميلُ
إن صلاح النفس هو أول طريق الإصلاح،
ورقابة الضمير هي الحارس الحقيقي لكل منصب،
ومخافة الله هي السور الذي لا تنفذ منه أطماع النفوس.
فالقادة الذين يخلّدهم التاريخ لم يبلغوا السيادة بالمناصب وحدها، بل بلغوها بصلاحهم قبل سلطانهم. ولهذا قيل في حكمة موجزة بليغة:
صلحوا، فأصلحوا، فَسادوا
أي صلحوا في أنفسهم، فأصلحوا في غيرهم، فصار لهم بذلك السيادة والرفعة.
وما أجمل ما وصف الله به أهل التمكين الصادقين فقال:
﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
فهؤلاء لم يكن التمكين عندهم سلطةً فحسب، بل كان عبادةً ومسؤولية ورسالة.
إن الأمانة ليست خُلُقًا فرديًا عابرًا، بل هي عماد العمران، وميزان العدالة، وسور الدولة من التآكل الداخلي. وما ضعفت الأمم إلا حين صار المنصب باب منفعة لا باب مسؤولية، وحين غاب الضمير فحلّت مكانه حسابات المصالح.
إن الدول لا تنهار يوم يكثر الفساد فحسب،
بل يوم يعتاده الناس.
فإذا استيقظ الضمير استقام الميزان،
وإذا ضاعت الأمانة…
بدأ سقوط الأمم من حيث لا تشعر.
️ أروى الحجايا
14 آذار 2026
أخبار اليوم – قالت النائب أروى الحجايا إن الأمانة تمثل الميزان الحقيقي لقيام الدول واستقرار المجتمعات، محذرة من أن اختلال هذا الميزان داخل المؤسسات يفتح الباب أمام تراجع الثقة العامة ويقوّض أسس الحكم الرشيد.
وأضافت الحجايا في مقال لها أن الدول لا تحرسها الخطط وحدها ولا يحميها السلاح فقط، وإنما يحرسها قبل ذلك ضمير يقظ ونفس تستشعر المسؤولية. وأوضحت أن استباحة الأمانة أو استسهال خيانة الوظيفة يمثل أول صدع في العلاقة بين المجتمع ومؤسساته، ويهدد منظومة القيم التي يقوم عليها الاستقرار العام.
وأشارت إلى أن ما يتردد في الآونة الأخيرة من وقائع تتعلق باستثمار المناصب أو إساءة استخدام السلطة يثير القلق من تحول بعض الممارسات الفردية إلى ظاهرة تتكرر دون مساءلة حقيقية، مؤكدة أن استمرار التجاوزات دون تحقيق واضح يضعف أدوات الرقابة ويجعل ما كان مرفوضاً في السابق أمراً مألوفاً مع مرور الوقت.
وبيّنت أن القرآن الكريم وضع معياراً واضحاً لاختيار القيادات حين قال تعالى:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، موضحة أن القوة دون أمانة تتحول إلى بطش، بينما الأمانة دون قدرة تتحول إلى عجز، وأن استقامة شؤون الناس تتحقق عندما يجتمع الضمير الحي مع القدرة على اتخاذ القرار.
ولفتت الحجايا إلى أن التاريخ يقدم نماذج مضيئة في النزاهة، مستشهدة بما روي عن الوالي الصالح عروة بن محمد بن عطية السعدي حين تولى ولاية اليمن وأعلن للناس أنه إن خرج من الولاية بأكثر مما دخل به فهو سارق، في إشارة إلى أن المنصب مسؤولية لا طريق للثراء.
وأكدت أن الأخلاق الحقيقية تظهر عند اختبار السلطة، وأن صلاح القادة يبدأ من صلاح نفوسهم، مستشهدة بقول الحكماء: “صلحوا فأصلحوا فَسادوا”، في دلالة على أن من يصلح نفسه يصلح غيره ويبلغ مكانة القيادة الحقيقية.
وفيما يلي نص المقال:
الأمانة… ميزان الأُُُمم حين يختل الميزان
ما من أمةٍ تُصاب في ضميرها أشدَّ من إصابتها في مواردها، ولا ما يُقوِّض بنيان الدول كاختلال ميزان الأمانة في نفوس القائمين على شؤونها. فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده، ولا تبنيها الخطط وحدها، بل يحرسها قبل ذلك ضميرٌ يقظ، ويدٌ أمينة، ونفسٌ تستحي من الله قبل أن تخشى رقابة الناس. فإذا استُبيحت الأمانة، واستُسهلت خيانة الوظيفة، كان ذلك أول صدعٍ في جدار الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
وفي خضم ما نشهده ونسمعه في الآونة الأخيرة من وقائع تتكاثر حتى تكاد تتحول إلى ظاهرة، يساور المرء خوفٌ مشروع من أن تنقلب الاستثناءات إلى عادات، وأن يصبح ما كان يُستقبح يومًا أمرًا مألوفًا لا يستوقف مساءلة ولا يوقظ ضميرًا.
فكثير من صور استثمار الوظيفة والمنصب والسلطة على اختلاف مستوياتها تمرّ مرورًا باردًا؛ لا تُفتح لها أبواب تحقيق جاد، ولا تُستدعى لها أدوات المساءلة، ولا يُبذل الحد الأدنى من التحقق. ومع مرور الوقت يألف السمع ما كان ينكره، ويعتاد البصر ما كان يستوقفه.
وفي مثل هذا المشهد ينهض من بين آيات القرآن ميزانٌ خالد، يختصر فلسفة القيادة الصالحة في كلمتين بليغتين:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
فالقوة بلا أمانة قد تنقلب بطشًا،
والأمانة بلا قوة قد تؤول عجزًا،
وإنما يستقيم أمر الناس حين تجتمع نزاهة الضمير مع اقتدار القرار، ويقترن سلطان المنصب برقابة القلب.
غير أن المشهد في بعض جوانبه اليوم يكشف عن خللٍ متنامٍ في الأمانة الوظيفية؛ إذ تتوارى بعض التجاوزات خلف ستار العلاقات الشخصية، وتحرسها المصالح المتبادلة، بينما تخبو أذرع المساءلة، ويضعف صوت الرقابة. وقد يبلغ الأمر أن يتصدى بعضهم لكل من يطالب بتحقيق أو يثير شبهة فساد، كأن مساءلة الخطأ أصبحت خصومة، وكأن البحث عن النزاهة تهمة.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة بين سيرة الأسلاف وبعض مظاهر الحاضر.
فقد رُوي أن الوالي الصالح عروة بن محمد بن عطية السعدي لما وُلِّي اليمن وقف في الناس قائلاً:
«يا أهل اليمن، هذه راحلتي، فإن خرجتُ بأكثر منها فأنا سارق».
كان معه يوم قدم راحلته وسيفه ومصحفه، وهي كل ما يملك. ومضت الأعوام وهو في موقع الولاية، ثم خرج منها كما دخل، لم تزد يده على ما كان معه.
إنها ليست عبارة عابرة، بل وثيقة ضميرٍ حي أعلن فيها صاحبها أن المنصب أمانة لا مغنم، ومسؤولية لا طريق ثراء.
وقد عبّر الشعراء عن هذه الحقيقة الخالدة حين قال الحكيم:
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمُ
فالأخلاق الحقيقية لا تختبئ طويلًا؛ إذ يكشفها الامتحان، وتفضحها السلطة حين تقع في يد صاحبها.
وقال شاعر الحكمة:
إذا المرءُ لم يدنس من اللؤم عرضه
فكلُّ رداءٍ يرتديه جميلُ
إن صلاح النفس هو أول طريق الإصلاح،
ورقابة الضمير هي الحارس الحقيقي لكل منصب،
ومخافة الله هي السور الذي لا تنفذ منه أطماع النفوس.
فالقادة الذين يخلّدهم التاريخ لم يبلغوا السيادة بالمناصب وحدها، بل بلغوها بصلاحهم قبل سلطانهم. ولهذا قيل في حكمة موجزة بليغة:
صلحوا، فأصلحوا، فَسادوا
أي صلحوا في أنفسهم، فأصلحوا في غيرهم، فصار لهم بذلك السيادة والرفعة.
وما أجمل ما وصف الله به أهل التمكين الصادقين فقال:
﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
فهؤلاء لم يكن التمكين عندهم سلطةً فحسب، بل كان عبادةً ومسؤولية ورسالة.
إن الأمانة ليست خُلُقًا فرديًا عابرًا، بل هي عماد العمران، وميزان العدالة، وسور الدولة من التآكل الداخلي. وما ضعفت الأمم إلا حين صار المنصب باب منفعة لا باب مسؤولية، وحين غاب الضمير فحلّت مكانه حسابات المصالح.
إن الدول لا تنهار يوم يكثر الفساد فحسب،
بل يوم يعتاده الناس.
فإذا استيقظ الضمير استقام الميزان،
وإذا ضاعت الأمانة…
بدأ سقوط الأمم من حيث لا تشعر.
️ أروى الحجايا
14 آذار 2026
أخبار اليوم – قالت النائب أروى الحجايا إن الأمانة تمثل الميزان الحقيقي لقيام الدول واستقرار المجتمعات، محذرة من أن اختلال هذا الميزان داخل المؤسسات يفتح الباب أمام تراجع الثقة العامة ويقوّض أسس الحكم الرشيد.
وأضافت الحجايا في مقال لها أن الدول لا تحرسها الخطط وحدها ولا يحميها السلاح فقط، وإنما يحرسها قبل ذلك ضمير يقظ ونفس تستشعر المسؤولية. وأوضحت أن استباحة الأمانة أو استسهال خيانة الوظيفة يمثل أول صدع في العلاقة بين المجتمع ومؤسساته، ويهدد منظومة القيم التي يقوم عليها الاستقرار العام.
وأشارت إلى أن ما يتردد في الآونة الأخيرة من وقائع تتعلق باستثمار المناصب أو إساءة استخدام السلطة يثير القلق من تحول بعض الممارسات الفردية إلى ظاهرة تتكرر دون مساءلة حقيقية، مؤكدة أن استمرار التجاوزات دون تحقيق واضح يضعف أدوات الرقابة ويجعل ما كان مرفوضاً في السابق أمراً مألوفاً مع مرور الوقت.
وبيّنت أن القرآن الكريم وضع معياراً واضحاً لاختيار القيادات حين قال تعالى:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، موضحة أن القوة دون أمانة تتحول إلى بطش، بينما الأمانة دون قدرة تتحول إلى عجز، وأن استقامة شؤون الناس تتحقق عندما يجتمع الضمير الحي مع القدرة على اتخاذ القرار.
ولفتت الحجايا إلى أن التاريخ يقدم نماذج مضيئة في النزاهة، مستشهدة بما روي عن الوالي الصالح عروة بن محمد بن عطية السعدي حين تولى ولاية اليمن وأعلن للناس أنه إن خرج من الولاية بأكثر مما دخل به فهو سارق، في إشارة إلى أن المنصب مسؤولية لا طريق للثراء.
وأكدت أن الأخلاق الحقيقية تظهر عند اختبار السلطة، وأن صلاح القادة يبدأ من صلاح نفوسهم، مستشهدة بقول الحكماء: “صلحوا فأصلحوا فَسادوا”، في دلالة على أن من يصلح نفسه يصلح غيره ويبلغ مكانة القيادة الحقيقية.
وفيما يلي نص المقال:
الأمانة… ميزان الأُُُمم حين يختل الميزان
ما من أمةٍ تُصاب في ضميرها أشدَّ من إصابتها في مواردها، ولا ما يُقوِّض بنيان الدول كاختلال ميزان الأمانة في نفوس القائمين على شؤونها. فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده، ولا تبنيها الخطط وحدها، بل يحرسها قبل ذلك ضميرٌ يقظ، ويدٌ أمينة، ونفسٌ تستحي من الله قبل أن تخشى رقابة الناس. فإذا استُبيحت الأمانة، واستُسهلت خيانة الوظيفة، كان ذلك أول صدعٍ في جدار الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
وفي خضم ما نشهده ونسمعه في الآونة الأخيرة من وقائع تتكاثر حتى تكاد تتحول إلى ظاهرة، يساور المرء خوفٌ مشروع من أن تنقلب الاستثناءات إلى عادات، وأن يصبح ما كان يُستقبح يومًا أمرًا مألوفًا لا يستوقف مساءلة ولا يوقظ ضميرًا.
فكثير من صور استثمار الوظيفة والمنصب والسلطة على اختلاف مستوياتها تمرّ مرورًا باردًا؛ لا تُفتح لها أبواب تحقيق جاد، ولا تُستدعى لها أدوات المساءلة، ولا يُبذل الحد الأدنى من التحقق. ومع مرور الوقت يألف السمع ما كان ينكره، ويعتاد البصر ما كان يستوقفه.
وفي مثل هذا المشهد ينهض من بين آيات القرآن ميزانٌ خالد، يختصر فلسفة القيادة الصالحة في كلمتين بليغتين:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
فالقوة بلا أمانة قد تنقلب بطشًا،
والأمانة بلا قوة قد تؤول عجزًا،
وإنما يستقيم أمر الناس حين تجتمع نزاهة الضمير مع اقتدار القرار، ويقترن سلطان المنصب برقابة القلب.
غير أن المشهد في بعض جوانبه اليوم يكشف عن خللٍ متنامٍ في الأمانة الوظيفية؛ إذ تتوارى بعض التجاوزات خلف ستار العلاقات الشخصية، وتحرسها المصالح المتبادلة، بينما تخبو أذرع المساءلة، ويضعف صوت الرقابة. وقد يبلغ الأمر أن يتصدى بعضهم لكل من يطالب بتحقيق أو يثير شبهة فساد، كأن مساءلة الخطأ أصبحت خصومة، وكأن البحث عن النزاهة تهمة.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة بين سيرة الأسلاف وبعض مظاهر الحاضر.
فقد رُوي أن الوالي الصالح عروة بن محمد بن عطية السعدي لما وُلِّي اليمن وقف في الناس قائلاً:
«يا أهل اليمن، هذه راحلتي، فإن خرجتُ بأكثر منها فأنا سارق».
كان معه يوم قدم راحلته وسيفه ومصحفه، وهي كل ما يملك. ومضت الأعوام وهو في موقع الولاية، ثم خرج منها كما دخل، لم تزد يده على ما كان معه.
إنها ليست عبارة عابرة، بل وثيقة ضميرٍ حي أعلن فيها صاحبها أن المنصب أمانة لا مغنم، ومسؤولية لا طريق ثراء.
وقد عبّر الشعراء عن هذه الحقيقة الخالدة حين قال الحكيم:
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمُ
فالأخلاق الحقيقية لا تختبئ طويلًا؛ إذ يكشفها الامتحان، وتفضحها السلطة حين تقع في يد صاحبها.
وقال شاعر الحكمة:
إذا المرءُ لم يدنس من اللؤم عرضه
فكلُّ رداءٍ يرتديه جميلُ
إن صلاح النفس هو أول طريق الإصلاح،
ورقابة الضمير هي الحارس الحقيقي لكل منصب،
ومخافة الله هي السور الذي لا تنفذ منه أطماع النفوس.
فالقادة الذين يخلّدهم التاريخ لم يبلغوا السيادة بالمناصب وحدها، بل بلغوها بصلاحهم قبل سلطانهم. ولهذا قيل في حكمة موجزة بليغة:
صلحوا، فأصلحوا، فَسادوا
أي صلحوا في أنفسهم، فأصلحوا في غيرهم، فصار لهم بذلك السيادة والرفعة.
وما أجمل ما وصف الله به أهل التمكين الصادقين فقال:
﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
فهؤلاء لم يكن التمكين عندهم سلطةً فحسب، بل كان عبادةً ومسؤولية ورسالة.
إن الأمانة ليست خُلُقًا فرديًا عابرًا، بل هي عماد العمران، وميزان العدالة، وسور الدولة من التآكل الداخلي. وما ضعفت الأمم إلا حين صار المنصب باب منفعة لا باب مسؤولية، وحين غاب الضمير فحلّت مكانه حسابات المصالح.
إن الدول لا تنهار يوم يكثر الفساد فحسب،
بل يوم يعتاده الناس.
فإذا استيقظ الضمير استقام الميزان،
وإذا ضاعت الأمانة…
بدأ سقوط الأمم من حيث لا تشعر.
️ أروى الحجايا
14 آذار 2026
التعليقات