أخبار اليوم - لم يعد المرض في قطاع غزة مجرد معاناة صحية يمكن احتواؤها داخل المستشفيات والمراكز الطبية التي تعرضت لتدمير إسرائيلي ممنهج خلال الحرب على القطاع، بل تحول إلى رحلة يومية من الانتظار القاسي بين الألم والموت، في ظل انهيار المنظومة الصحية وتعقيدات السفر للعلاج خارج القطاع.
آلاف المرضى والجرحى الذين أنهكتهم الحرب والأمراض المزمنة يجدون أنفسهم عالقين داخل مساحة محاصرة تفتقر إلى أبسط مقومات العلاج، فيما تتحول التحويلات الطبية إلى أمل معلق على قرارات أمنية إسرائيلية ومعابر لا تُفتح إلا بصورة محدودة للغاية.
في أروقة المستشفيات المزدحمة، وبين الأسرة التي تفتقر إلى الأدوية والأجهزة، يعيش مرضى السرطان والقلب والأعصاب والجرحى المصابون بإعاقات خطيرة حالة من القلق المستمر، بعدما أصبحت فرص سفرهم للعلاج في الخارج ضئيلة وبطيئة. كثيرون حصلوا على تحويلات طبية منذ أشهر طويلة، لكنهم ما زالوا ينتظرون دورهم في كشوفات السفر المحدودة، بينما تتدهور أوضاعهم الصحية يوماً بعد آخر.
وكانت وزارة الصحة بغزة أكدت مؤخراً خلال مؤتمر صحافي أن أزمة التحويلات الطبية باتت من أخطر الملفات الإنسانية في القطاع، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة المرضى وتقليص فرص السفر عبر المعابر.
وبحسب وزارة الصحة، بلغ عدد التحويلات الطبية الموثقة حتى 20 مايو/ أيار 2026 نحو 17 ألفاً و757 تحويلة طبية، بينما لم يتمكن من السفر سوى 3226 شخصاً فقط، بينهم 1204 مرضى، فيما كان الباقون من المرافقين. وتعكس هذه الأرقام فجوة هائلة بين أعداد المرضى المحتاجين للعلاج العاجل وبين القدرة الفعلية على مغادرة القطاع.
وأوضح وكيل وزارة الصحة المكلف ماهر شامية أن اختيار كشوفات السفر يتم وفق إجراءات طبية وفنية عبر لجان استشارية متخصصة تقوم بتقييم الحالات حسب خطورتها والحاجة الملحة للعلاج، مؤكداً أن دائرة خدمات المرضى تعمل بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية لترتيب الكشوفات ومتابعتها.
وترجع الوزارة تفاقم الأزمة إلى القيود الإسرائيلية المفروضة على المعابر، حيث باتت المغادرة عبر معبر رفح تقتصر على ثلاثة أيام أسبوعياً في أفضل الأحوال، بينما خُصص يوم واحد فقط للإجلاء الطبي عبر حاجز كرم أبو سالم، الأمر الذي تسبب بتكدس آلاف المرضى والجرحى وتأخير حصولهم على العلاج المنقذ للحياة.
ويحذر أطباء من أن التأخير المستمر في سفر المرضى يؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد تجعل بعض الحالات غير قابلة للعلاج مستقبلاً، خصوصاً مرضى السرطان والحالات العصبية والإصابات المعقدة الناتجة عن الحرب.
معركة طويلة من الانتظار
داخل غرفة ضيقة في منزل نزح إليه بمدينة غزة، يجلس المسن حافظ محسن (68 عاماً) منهكاً من الألم والإرهاق، بعدما تحولت رحلته مع سرطان المثانة إلى معركة طويلة من الانتظار والخوف. منذ أشهر طويلة يخضع الرجل لجلسات علاج كيماوي داخل غزة، لكن الأطباء أكدوا له أن حالته وصلت إلى مرحلة تتطلب علاجاً إشعاعياً عاجلاً غير متوفر في القطاع.
يحمل محسن ملفه الطبي الأخضر بعناية شديدة، ويتفقد هاتفه المحمول عشرات المرات يومياً على أمل أن يتلقى اتصالاً يخبره بموعد سفره إلى مصر لتلقي العلاج. حصل الرجل على تحويلة طبية منذ أكثر من ستة أشهر، كما تلقى اتصالاً من منظمة الصحة العالمية قبل شهرين أبلغوه خلاله بأن اسمه أصبح قريباً من كشوفات السفر، لكنه ما زال حتى اللحظة ينتظر.
يقول محسن لصحيفة 'فلسطين': 'كل يوم يمر أشعر أن المرض ينتشر أكثر داخل جسدي. الألم لم يعد يحتمل، والأطباء يقولون إن العلاج الإشعاعي يجب أن يبدأ فوراً، لكنني لا أستطيع فعل شيء سوى الانتظار'.
ويضيف: 'أصبحت أخاف من النوم لأنني أستيقظ كل ليلة على أوجاع حادة ونزيف متكرر. أحياناً أشعر أن الوقت يسرقني ببطء بينما المعبر مغلق أمامي'.
قبل إصابته بالسرطان، كان محسن يعمل في تجارة بسيطة تعيل أسرته، لكن المرض والحرب أنهكا كل شيء. باع جزءاً كبيراً من مقتنياته لتأمين تكاليف العلاج والفحوصات، فيما يعيش اليوم على مساعدات محدودة.
تجلس زوجته إلى جواره وهي تحمل أكياس الأدوية القليلة التي تمكنت من توفيرها، وتقول إن زوجها فقد الكثير من وزنه خلال الأشهر الأخيرة، وبات عاجزاً عن الحركة لمسافات طويلة. وتضيف: 'نحن لا نريد سوى فرصة للعلاج. كل ما نطلبه أن يسافر قبل أن يفوت الأوان'.
أما محسن فيعود للنظر إلى هاتفه مرة أخرى قبل أن يقول بحزن: 'حين اتصلوا بي قبل شهرين شعرت أنني اقتربت من النجاة، لكن الأيام مرت ولم يحدث شيء. أخشى أن أصل إلى مرحلة لا ينفع فيها العلاج حتى لو فُتح المعبر'.
خوف يومي
في أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، ترقد الطفلة فاطمة الشامي (9 أعوام) فوق فراش إسفنجي رقيق، بعدما فقدت القدرة على الحركة بسبب إصابتها بالتهابات حادة في الحبل الشوكي تسببت لها بشلل شبه كامل. الطفلة التي كانت تركض وتلعب قبل أشهر قليلة أصبحت اليوم عاجزة عن الوقوف أو تحريك قدميها، فيما يحذر الأطباء من أن تأخر علاجها قد يؤدي إلى فقدان دائم للحركة.
تعيش الشامي مع أسرتها ظروفاً قاسية داخل مركز الإيواء المكتظ، حيث تفتقر العائلة إلى الرعاية الصحية المناسبة والأدوية والعلاج التأهيلي اللازم. وتحاول والدتها يومياً مساعدتها على الجلوس أو تحريك أطرافها بصعوبة شديدة، بينما تقضي الطفلة معظم وقتها وهي تنظر بصمت إلى الأطفال الآخرين يلعبون خارج الخيمة.
تقول والدتها لصحيفة 'فلسطين': 'كانت فاطمة طفلة مليئة بالحياة، تحب المدرسة والرسم واللعب. فجأة بدأت تشكو من آلام شديدة في ظهرها ثم فقدت القدرة على المشي تدريجياً'.
وتضيف: 'الأطباء قالوا إن حالتها تحتاج إلى علاج متخصص وسريع خارج غزة، لأن استمرار الالتهابات قد يدمر الحبل الشوكي نهائياً. نحن نعيش كل يوم في خوف من أن نفقد آخر فرصة لعلاجها'.
أما فاطمة فتقول بصوت خافت بينما تحاول تحريك قدميها دون جدوى: 'أريد أن أمشي مثل باقي الأطفال. أريد أن أعود إلى مدرستي وألعب مع صديقاتي'.
وتوضح والدتها أن العائلة حصلت بالفعل على تحويلة طبية منذ أشهر، لكنها لم تتلق حتى الآن أي موعد فعلي للسفر، مضيفة: 'كلما سألنا يقولون انتظروا الكشوفات القادمة. لكن حالة ابنتي لا تحتمل الانتظار'.
ويخشى الأطباء من أن يؤدي استمرار التأخير إلى ضمور دائم في الأعصاب والعضلات، ما قد يجعل فرص العلاج محدودة للغاية حتى في حال سفرها لاحقاً.
تقول والدة فاطمة وهي تضم ابنتها إلى صدرها: 'نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد أن تحصل ابنتي على فرصة للحياة قبل أن يصبح علاجها مستحيلاً'.
ومع استمرار تكدس آلاف الملفات الطبية على قوائم الانتظار، تتحول حياة المرضى والجرحى في غزة إلى سباق يومي مع الوقت، فيما يبقى العلاج خارج القطاع حلماً مؤجلاً لكثيرين قد لا يملكون رفاهية الانتظار الطويل.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - لم يعد المرض في قطاع غزة مجرد معاناة صحية يمكن احتواؤها داخل المستشفيات والمراكز الطبية التي تعرضت لتدمير إسرائيلي ممنهج خلال الحرب على القطاع، بل تحول إلى رحلة يومية من الانتظار القاسي بين الألم والموت، في ظل انهيار المنظومة الصحية وتعقيدات السفر للعلاج خارج القطاع.
آلاف المرضى والجرحى الذين أنهكتهم الحرب والأمراض المزمنة يجدون أنفسهم عالقين داخل مساحة محاصرة تفتقر إلى أبسط مقومات العلاج، فيما تتحول التحويلات الطبية إلى أمل معلق على قرارات أمنية إسرائيلية ومعابر لا تُفتح إلا بصورة محدودة للغاية.
في أروقة المستشفيات المزدحمة، وبين الأسرة التي تفتقر إلى الأدوية والأجهزة، يعيش مرضى السرطان والقلب والأعصاب والجرحى المصابون بإعاقات خطيرة حالة من القلق المستمر، بعدما أصبحت فرص سفرهم للعلاج في الخارج ضئيلة وبطيئة. كثيرون حصلوا على تحويلات طبية منذ أشهر طويلة، لكنهم ما زالوا ينتظرون دورهم في كشوفات السفر المحدودة، بينما تتدهور أوضاعهم الصحية يوماً بعد آخر.
وكانت وزارة الصحة بغزة أكدت مؤخراً خلال مؤتمر صحافي أن أزمة التحويلات الطبية باتت من أخطر الملفات الإنسانية في القطاع، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة المرضى وتقليص فرص السفر عبر المعابر.
وبحسب وزارة الصحة، بلغ عدد التحويلات الطبية الموثقة حتى 20 مايو/ أيار 2026 نحو 17 ألفاً و757 تحويلة طبية، بينما لم يتمكن من السفر سوى 3226 شخصاً فقط، بينهم 1204 مرضى، فيما كان الباقون من المرافقين. وتعكس هذه الأرقام فجوة هائلة بين أعداد المرضى المحتاجين للعلاج العاجل وبين القدرة الفعلية على مغادرة القطاع.
وأوضح وكيل وزارة الصحة المكلف ماهر شامية أن اختيار كشوفات السفر يتم وفق إجراءات طبية وفنية عبر لجان استشارية متخصصة تقوم بتقييم الحالات حسب خطورتها والحاجة الملحة للعلاج، مؤكداً أن دائرة خدمات المرضى تعمل بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية لترتيب الكشوفات ومتابعتها.
وترجع الوزارة تفاقم الأزمة إلى القيود الإسرائيلية المفروضة على المعابر، حيث باتت المغادرة عبر معبر رفح تقتصر على ثلاثة أيام أسبوعياً في أفضل الأحوال، بينما خُصص يوم واحد فقط للإجلاء الطبي عبر حاجز كرم أبو سالم، الأمر الذي تسبب بتكدس آلاف المرضى والجرحى وتأخير حصولهم على العلاج المنقذ للحياة.
ويحذر أطباء من أن التأخير المستمر في سفر المرضى يؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد تجعل بعض الحالات غير قابلة للعلاج مستقبلاً، خصوصاً مرضى السرطان والحالات العصبية والإصابات المعقدة الناتجة عن الحرب.
معركة طويلة من الانتظار
داخل غرفة ضيقة في منزل نزح إليه بمدينة غزة، يجلس المسن حافظ محسن (68 عاماً) منهكاً من الألم والإرهاق، بعدما تحولت رحلته مع سرطان المثانة إلى معركة طويلة من الانتظار والخوف. منذ أشهر طويلة يخضع الرجل لجلسات علاج كيماوي داخل غزة، لكن الأطباء أكدوا له أن حالته وصلت إلى مرحلة تتطلب علاجاً إشعاعياً عاجلاً غير متوفر في القطاع.
يحمل محسن ملفه الطبي الأخضر بعناية شديدة، ويتفقد هاتفه المحمول عشرات المرات يومياً على أمل أن يتلقى اتصالاً يخبره بموعد سفره إلى مصر لتلقي العلاج. حصل الرجل على تحويلة طبية منذ أكثر من ستة أشهر، كما تلقى اتصالاً من منظمة الصحة العالمية قبل شهرين أبلغوه خلاله بأن اسمه أصبح قريباً من كشوفات السفر، لكنه ما زال حتى اللحظة ينتظر.
يقول محسن لصحيفة 'فلسطين': 'كل يوم يمر أشعر أن المرض ينتشر أكثر داخل جسدي. الألم لم يعد يحتمل، والأطباء يقولون إن العلاج الإشعاعي يجب أن يبدأ فوراً، لكنني لا أستطيع فعل شيء سوى الانتظار'.
ويضيف: 'أصبحت أخاف من النوم لأنني أستيقظ كل ليلة على أوجاع حادة ونزيف متكرر. أحياناً أشعر أن الوقت يسرقني ببطء بينما المعبر مغلق أمامي'.
قبل إصابته بالسرطان، كان محسن يعمل في تجارة بسيطة تعيل أسرته، لكن المرض والحرب أنهكا كل شيء. باع جزءاً كبيراً من مقتنياته لتأمين تكاليف العلاج والفحوصات، فيما يعيش اليوم على مساعدات محدودة.
تجلس زوجته إلى جواره وهي تحمل أكياس الأدوية القليلة التي تمكنت من توفيرها، وتقول إن زوجها فقد الكثير من وزنه خلال الأشهر الأخيرة، وبات عاجزاً عن الحركة لمسافات طويلة. وتضيف: 'نحن لا نريد سوى فرصة للعلاج. كل ما نطلبه أن يسافر قبل أن يفوت الأوان'.
أما محسن فيعود للنظر إلى هاتفه مرة أخرى قبل أن يقول بحزن: 'حين اتصلوا بي قبل شهرين شعرت أنني اقتربت من النجاة، لكن الأيام مرت ولم يحدث شيء. أخشى أن أصل إلى مرحلة لا ينفع فيها العلاج حتى لو فُتح المعبر'.
خوف يومي
في أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، ترقد الطفلة فاطمة الشامي (9 أعوام) فوق فراش إسفنجي رقيق، بعدما فقدت القدرة على الحركة بسبب إصابتها بالتهابات حادة في الحبل الشوكي تسببت لها بشلل شبه كامل. الطفلة التي كانت تركض وتلعب قبل أشهر قليلة أصبحت اليوم عاجزة عن الوقوف أو تحريك قدميها، فيما يحذر الأطباء من أن تأخر علاجها قد يؤدي إلى فقدان دائم للحركة.
تعيش الشامي مع أسرتها ظروفاً قاسية داخل مركز الإيواء المكتظ، حيث تفتقر العائلة إلى الرعاية الصحية المناسبة والأدوية والعلاج التأهيلي اللازم. وتحاول والدتها يومياً مساعدتها على الجلوس أو تحريك أطرافها بصعوبة شديدة، بينما تقضي الطفلة معظم وقتها وهي تنظر بصمت إلى الأطفال الآخرين يلعبون خارج الخيمة.
تقول والدتها لصحيفة 'فلسطين': 'كانت فاطمة طفلة مليئة بالحياة، تحب المدرسة والرسم واللعب. فجأة بدأت تشكو من آلام شديدة في ظهرها ثم فقدت القدرة على المشي تدريجياً'.
وتضيف: 'الأطباء قالوا إن حالتها تحتاج إلى علاج متخصص وسريع خارج غزة، لأن استمرار الالتهابات قد يدمر الحبل الشوكي نهائياً. نحن نعيش كل يوم في خوف من أن نفقد آخر فرصة لعلاجها'.
أما فاطمة فتقول بصوت خافت بينما تحاول تحريك قدميها دون جدوى: 'أريد أن أمشي مثل باقي الأطفال. أريد أن أعود إلى مدرستي وألعب مع صديقاتي'.
وتوضح والدتها أن العائلة حصلت بالفعل على تحويلة طبية منذ أشهر، لكنها لم تتلق حتى الآن أي موعد فعلي للسفر، مضيفة: 'كلما سألنا يقولون انتظروا الكشوفات القادمة. لكن حالة ابنتي لا تحتمل الانتظار'.
ويخشى الأطباء من أن يؤدي استمرار التأخير إلى ضمور دائم في الأعصاب والعضلات، ما قد يجعل فرص العلاج محدودة للغاية حتى في حال سفرها لاحقاً.
تقول والدة فاطمة وهي تضم ابنتها إلى صدرها: 'نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد أن تحصل ابنتي على فرصة للحياة قبل أن يصبح علاجها مستحيلاً'.
ومع استمرار تكدس آلاف الملفات الطبية على قوائم الانتظار، تتحول حياة المرضى والجرحى في غزة إلى سباق يومي مع الوقت، فيما يبقى العلاج خارج القطاع حلماً مؤجلاً لكثيرين قد لا يملكون رفاهية الانتظار الطويل.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - لم يعد المرض في قطاع غزة مجرد معاناة صحية يمكن احتواؤها داخل المستشفيات والمراكز الطبية التي تعرضت لتدمير إسرائيلي ممنهج خلال الحرب على القطاع، بل تحول إلى رحلة يومية من الانتظار القاسي بين الألم والموت، في ظل انهيار المنظومة الصحية وتعقيدات السفر للعلاج خارج القطاع.
آلاف المرضى والجرحى الذين أنهكتهم الحرب والأمراض المزمنة يجدون أنفسهم عالقين داخل مساحة محاصرة تفتقر إلى أبسط مقومات العلاج، فيما تتحول التحويلات الطبية إلى أمل معلق على قرارات أمنية إسرائيلية ومعابر لا تُفتح إلا بصورة محدودة للغاية.
في أروقة المستشفيات المزدحمة، وبين الأسرة التي تفتقر إلى الأدوية والأجهزة، يعيش مرضى السرطان والقلب والأعصاب والجرحى المصابون بإعاقات خطيرة حالة من القلق المستمر، بعدما أصبحت فرص سفرهم للعلاج في الخارج ضئيلة وبطيئة. كثيرون حصلوا على تحويلات طبية منذ أشهر طويلة، لكنهم ما زالوا ينتظرون دورهم في كشوفات السفر المحدودة، بينما تتدهور أوضاعهم الصحية يوماً بعد آخر.
وكانت وزارة الصحة بغزة أكدت مؤخراً خلال مؤتمر صحافي أن أزمة التحويلات الطبية باتت من أخطر الملفات الإنسانية في القطاع، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على حركة المرضى وتقليص فرص السفر عبر المعابر.
وبحسب وزارة الصحة، بلغ عدد التحويلات الطبية الموثقة حتى 20 مايو/ أيار 2026 نحو 17 ألفاً و757 تحويلة طبية، بينما لم يتمكن من السفر سوى 3226 شخصاً فقط، بينهم 1204 مرضى، فيما كان الباقون من المرافقين. وتعكس هذه الأرقام فجوة هائلة بين أعداد المرضى المحتاجين للعلاج العاجل وبين القدرة الفعلية على مغادرة القطاع.
وأوضح وكيل وزارة الصحة المكلف ماهر شامية أن اختيار كشوفات السفر يتم وفق إجراءات طبية وفنية عبر لجان استشارية متخصصة تقوم بتقييم الحالات حسب خطورتها والحاجة الملحة للعلاج، مؤكداً أن دائرة خدمات المرضى تعمل بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية لترتيب الكشوفات ومتابعتها.
وترجع الوزارة تفاقم الأزمة إلى القيود الإسرائيلية المفروضة على المعابر، حيث باتت المغادرة عبر معبر رفح تقتصر على ثلاثة أيام أسبوعياً في أفضل الأحوال، بينما خُصص يوم واحد فقط للإجلاء الطبي عبر حاجز كرم أبو سالم، الأمر الذي تسبب بتكدس آلاف المرضى والجرحى وتأخير حصولهم على العلاج المنقذ للحياة.
ويحذر أطباء من أن التأخير المستمر في سفر المرضى يؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد تجعل بعض الحالات غير قابلة للعلاج مستقبلاً، خصوصاً مرضى السرطان والحالات العصبية والإصابات المعقدة الناتجة عن الحرب.
معركة طويلة من الانتظار
داخل غرفة ضيقة في منزل نزح إليه بمدينة غزة، يجلس المسن حافظ محسن (68 عاماً) منهكاً من الألم والإرهاق، بعدما تحولت رحلته مع سرطان المثانة إلى معركة طويلة من الانتظار والخوف. منذ أشهر طويلة يخضع الرجل لجلسات علاج كيماوي داخل غزة، لكن الأطباء أكدوا له أن حالته وصلت إلى مرحلة تتطلب علاجاً إشعاعياً عاجلاً غير متوفر في القطاع.
يحمل محسن ملفه الطبي الأخضر بعناية شديدة، ويتفقد هاتفه المحمول عشرات المرات يومياً على أمل أن يتلقى اتصالاً يخبره بموعد سفره إلى مصر لتلقي العلاج. حصل الرجل على تحويلة طبية منذ أكثر من ستة أشهر، كما تلقى اتصالاً من منظمة الصحة العالمية قبل شهرين أبلغوه خلاله بأن اسمه أصبح قريباً من كشوفات السفر، لكنه ما زال حتى اللحظة ينتظر.
يقول محسن لصحيفة 'فلسطين': 'كل يوم يمر أشعر أن المرض ينتشر أكثر داخل جسدي. الألم لم يعد يحتمل، والأطباء يقولون إن العلاج الإشعاعي يجب أن يبدأ فوراً، لكنني لا أستطيع فعل شيء سوى الانتظار'.
ويضيف: 'أصبحت أخاف من النوم لأنني أستيقظ كل ليلة على أوجاع حادة ونزيف متكرر. أحياناً أشعر أن الوقت يسرقني ببطء بينما المعبر مغلق أمامي'.
قبل إصابته بالسرطان، كان محسن يعمل في تجارة بسيطة تعيل أسرته، لكن المرض والحرب أنهكا كل شيء. باع جزءاً كبيراً من مقتنياته لتأمين تكاليف العلاج والفحوصات، فيما يعيش اليوم على مساعدات محدودة.
تجلس زوجته إلى جواره وهي تحمل أكياس الأدوية القليلة التي تمكنت من توفيرها، وتقول إن زوجها فقد الكثير من وزنه خلال الأشهر الأخيرة، وبات عاجزاً عن الحركة لمسافات طويلة. وتضيف: 'نحن لا نريد سوى فرصة للعلاج. كل ما نطلبه أن يسافر قبل أن يفوت الأوان'.
أما محسن فيعود للنظر إلى هاتفه مرة أخرى قبل أن يقول بحزن: 'حين اتصلوا بي قبل شهرين شعرت أنني اقتربت من النجاة، لكن الأيام مرت ولم يحدث شيء. أخشى أن أصل إلى مرحلة لا ينفع فيها العلاج حتى لو فُتح المعبر'.
خوف يومي
في أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، ترقد الطفلة فاطمة الشامي (9 أعوام) فوق فراش إسفنجي رقيق، بعدما فقدت القدرة على الحركة بسبب إصابتها بالتهابات حادة في الحبل الشوكي تسببت لها بشلل شبه كامل. الطفلة التي كانت تركض وتلعب قبل أشهر قليلة أصبحت اليوم عاجزة عن الوقوف أو تحريك قدميها، فيما يحذر الأطباء من أن تأخر علاجها قد يؤدي إلى فقدان دائم للحركة.
تعيش الشامي مع أسرتها ظروفاً قاسية داخل مركز الإيواء المكتظ، حيث تفتقر العائلة إلى الرعاية الصحية المناسبة والأدوية والعلاج التأهيلي اللازم. وتحاول والدتها يومياً مساعدتها على الجلوس أو تحريك أطرافها بصعوبة شديدة، بينما تقضي الطفلة معظم وقتها وهي تنظر بصمت إلى الأطفال الآخرين يلعبون خارج الخيمة.
تقول والدتها لصحيفة 'فلسطين': 'كانت فاطمة طفلة مليئة بالحياة، تحب المدرسة والرسم واللعب. فجأة بدأت تشكو من آلام شديدة في ظهرها ثم فقدت القدرة على المشي تدريجياً'.
وتضيف: 'الأطباء قالوا إن حالتها تحتاج إلى علاج متخصص وسريع خارج غزة، لأن استمرار الالتهابات قد يدمر الحبل الشوكي نهائياً. نحن نعيش كل يوم في خوف من أن نفقد آخر فرصة لعلاجها'.
أما فاطمة فتقول بصوت خافت بينما تحاول تحريك قدميها دون جدوى: 'أريد أن أمشي مثل باقي الأطفال. أريد أن أعود إلى مدرستي وألعب مع صديقاتي'.
وتوضح والدتها أن العائلة حصلت بالفعل على تحويلة طبية منذ أشهر، لكنها لم تتلق حتى الآن أي موعد فعلي للسفر، مضيفة: 'كلما سألنا يقولون انتظروا الكشوفات القادمة. لكن حالة ابنتي لا تحتمل الانتظار'.
ويخشى الأطباء من أن يؤدي استمرار التأخير إلى ضمور دائم في الأعصاب والعضلات، ما قد يجعل فرص العلاج محدودة للغاية حتى في حال سفرها لاحقاً.
تقول والدة فاطمة وهي تضم ابنتها إلى صدرها: 'نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد أن تحصل ابنتي على فرصة للحياة قبل أن يصبح علاجها مستحيلاً'.
ومع استمرار تكدس آلاف الملفات الطبية على قوائم الانتظار، تتحول حياة المرضى والجرحى في غزة إلى سباق يومي مع الوقت، فيما يبقى العلاج خارج القطاع حلماً مؤجلاً لكثيرين قد لا يملكون رفاهية الانتظار الطويل.
فلسطين أون لاين
التعليقات