أخبار اليوم – تالا الفقيه
في الحياة الجامعية، ثمة أماكن تؤدي وظيفتها كما صُممت لها، وثمة أماكن تتجاوز الجدران والمقاعد والمنصة لتصنع لنفسها وظيفة أخرى، وتكتسب مع الزمن شخصية وحضورًا وذاكرة. ومدرج الحاج عبدالله أبو خديجة في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة يبدو اليوم واحدًا من هذه الأماكن التي تجاوزت مفهوم القاعة الجامعية التقليدية، بعدما تحوّل عبر ما يستضيفه على مدار العام من مؤتمرات وندوات وحوارات إلى مساحة فكرية مفتوحة تلتقي فيها الجامعة بالمجتمع، والأكاديميا بالسياسة، والبحث العلمي بأسئلة الناس والدولة والمنطقة والعالم.
القيمة الحقيقية لأي جامعة لا تُقاس بعدد قاعاتها ومبانيها فقط، ولا بما تمنحه من شهادات أكاديمية، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وفتح أبواب النقاش حولها، وبمدى حضورها في القضايا التي تشغل مجتمعها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما يجري في مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة؛ فالفعاليات التي يحتضنها لم تتوقف عند موضوع واحد أو حقل معرفي محدد، وإنما امتدت إلى قضايا محلية وعربية ودولية، سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية، لتضع الجامعة وطلبتها في قلب النقاش العام.
وعلى مدار العام، يجلس على منصة المدرج أكاديميون وباحثون وخبراء ومختصون وسياسيون ورجالات دولة، ممن يتولون مواقع رسمية اليوم أو سبق لهم أن تولوا مسؤوليات عامة، إلى جانب خبراء ومشاركين عرب وأجانب قدموا من دول مختلفة، يحمل كل منهم تجربته ومعرفته وقراءته للقضايا المطروحة. هذا التنوع منح المكان بعدًا يتجاوز حدود الفعالية نفسها؛ إذ لم تعد المسألة محاضرًا يتحدث وجمهورًا يستمع، وإنما تعدد في الخبرات والمدارس ووجهات النظر أمام جمهور جامعي يستطيع أن يسمع ويناقش ويقارن ويكوّن موقفه.
هنا تحديدًا تظهر أهمية التجربة، فالجامعة التي تفتح أبوابها أمام الأفكار المختلفة تؤدي واحدة من أهم وظائفها. الطالب لا يحتاج إلى المعرفة التي يجدها في الكتاب وحده، فهذه المعرفة، على أهميتها، تحتاج إلى الاحتكاك بالحياة. يحتاج إلى أن يسمع السياسي وهو يشرح رؤيته، والاقتصادي وهو يفكك الأرقام، والباحث وهو يعرض نتائج دراسته، وصاحب التجربة وهو يتحدث عما عاشه في موقع المسؤولية، وأن يرى كيف يمكن للفكرة الواحدة أن تُقرأ من زوايا متعددة.
ولهذا فإن ما يحدث داخل مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة يمكن النظر إليه باعتباره امتدادًا آخر للعملية التعليمية، ولكنه تعليم لا تحكمه أسئلة الامتحانات ولا درجات المساقات. إنه تعليم يقوم على السؤال والنقاش والاستماع والاختلاف والقدرة على بناء الحجة ومراجعتها.
وهذه مسألة بالغة الأهمية في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة خلال ثوانٍ، بينما أصبحت القدرة على فهمها وتمييزها ووضعها في سياقها أكثر صعوبة.
الطالب اليوم يعيش وسط سيل هائل من الأخبار والآراء والمعلومات والتعليقات. ومن هنا تصبح الجامعة مطالبة بأكثر من نقل المعرفة؛ تصبح مطالبة بتعليم الطالب كيف يفكر فيها، وكيف يناقشها، وكيف يميز بين الرأي والمعلومة، وبين الخطاب القائم على المعرفة والخطاب القائم على الانفعال.
وحين يجلس الطالب في قاعة واحدة مع وزير أو مسؤول سابق أو حالي، أو مفكر أو باحث أو خبير عربي أو أجنبي، ويستمع إليه ثم يناقشه، تتغير طبيعة العلاقة بين الشباب والشأن العام. فالقضايا الكبرى التي كانت تصل إليه عبر الأخبار تصبح أمامه موضوعًا للنقاش المباشر، والشخصيات التي كان يراها من بعيد تصبح جزءًا من حوار يمكن أن يطرح فيه سؤاله ويسمع الإجابة ويختبرها بعقله، وهذا أحد أوجه القوة في التجربة التي أخذ المدرج بتكوينها.
فالسياسة، على سبيل المثال، عندما تبقى خارج أسوار الجامعات، يخسر الطالب مساحة أساسية لفهمها بطريقة هادئة ومنظمة. والاقتصاد عندما يُختصر في الأرقام والتصريحات، يصعب على الشباب إدراك علاقته بحياتهم وفرص عملهم ومستقبلهم. والقضايا الاجتماعية عندما تناقش بعيدًا عن الجامعات، يغيب عن الحوار صوت الفئة التي ستعيش نتائج التحولات المقبلة أكثر من غيرها.
أما عندما تدخل هذه الملفات إلى الجامعة من باب الندوة والمؤتمر والورقة البحثية والنقاش المفتوح، فإنها تتحول إلى معرفة قابلة للفحص والمساءلة، وهنا يستعيد الطالب الجامعي جزءًا مهمًا من دوره.
لقد عرفت الجامعات العربية والأردنية، في مراحل مختلفة، حياة طلابية شديدة الحيوية، كان الطالب فيها حاضرًا في النقاش السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. ومع التحولات التي أصابت المجتمعات والجامعات ووسائل الاتصال، تغيرت أشكال المشاركة، وأصبحت مساحة كبيرة من النقاش تنتقل إلى العالم الرقمي، حيث السرعة أعلى، لكن العمق في كثير من الأحيان أقل، لذلك تكتسب إعادة الطالب إلى قاعة الحوار أهمية مضاعفة.
فالاشتباك الإيجابي مع القضايا لا يعني رفع الصوت، وإنما القدرة على طرح السؤال والاستماع إلى الإجابة ومناقشتها. ولا يعني الاتفاق مع المتحدث، وإنما تعلم الاختلاف معه من داخل المعرفة والحجة. وهذه الثقافة لا تُكتسب بالمواعظ، وإنما بالممارسة.
ومن هذه الناحية، أعاد مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة للحياة الطلابية شيئًا من زخمها؛ إذ أصبح الطلبة جزءًا من لقاءات تتناول موضوعات تتصل مباشرة بحاضرهم ومستقبلهم، ويتابعون أوراقًا بحثية ونقاشات سياسية واقتصادية واجتماعية، ويشاهدون أمامهم نماذج متعددة من أصحاب الخبرة والقرار والمعرفة، الأهم أن هذا التفاعل يخرج الطالب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في السؤال، وهذه النقلة، مهما بدت بسيطة، هي جوهر الجامعة الحديثة.
فالجامعات الكبرى في العالم بنت جزءًا مهمًا من مكانتها على قدرتها على أن تكون منتديات للأفكار. فيها تُناقش السياسات العامة، وتُختبر التصورات الاقتصادية، وتُعرض الدراسات، وتتقابل الحجج، ويجلس أصحاب القرار إلى جانب الأكاديميين والطلبة. والجامعة في تاريخها مؤسسة للتعليم وإنتاج المعرفة، ومكان يسأل المجتمع فيه نفسه: إلى أين نذهب؟ وما الذي يحدث حولنا؟ وما الخيارات المتاحة أمامنا ؟ وعندما يقترب مدرج جامعي من أداء هذه الوظيفة، فإن الحديث عنه يتجاوز الحديث عن مباني، إنه حديث عن فكرة.
وفكرة مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة، كما تشكلت من خلال تراكم الفعاليات والوجوه والقضايا التي مرّت من على منصته، تتجه نحو نموذج المنتدى الفكري داخل الجامعة؛ منتدى أردني في جذوره واهتماماته، عربي في امتداد قضاياه ومشاركيه، وعالمي حين يستضيف خبرات وشخصيات من دول وثقافات وتجارب مختلفة.
وصفة 'المنتدى' هنا وصف صنعه التراكم. تصنعه الموضوعات التي تُطرح، ونوعية المتحدثين، واستمرار اللقاءات، وحضور الجمهور، وقدرته على أن يصبح عنوانًا معروفًا للنقاش. ومع مرور الوقت، تبدأ القاعة في تكوين ذاكرتها الخاصة: أسماء مرت من هنا، أفكار قيلت، أوراق قدمت، أسئلة طرحت، نقاشات احتدمت، ومواقف ربما تغيرت بعد حوار، وهكذا تتكون هوية المكان.
ولعل أكثر ما يستحق الانتباه في هذه التجربة أن المدرج جمع بين دوائر قلما تجتمع باستمرار في مساحة واحدة: الأكاديمي، وصاحب القرار، والخبير، والسياسي، والباحث، والطالب، كل واحد من هؤلاء يرى القضية من موقع مختلف.
الأكاديمي يمتلك أدوات البحث والتحليل، والسياسي يقرأ موازين الواقع، وصاحب المسؤولية يعرف تعقيدات القرار، والخبير يمتلك المعرفة المتخصصة، والطالب ينظر إلى المستقبل من زاوية الجيل الذي سيعيش هذا المستقبل. وحين تجتمع هذه الزوايا، يصبح النقاش أكثر ثراءً من أي خطاب أحادي.
وهنا تستطيع الجامعة أن تؤدي دور الوسيط المعرفي بين المجتمع والدولة، فالقرارات العامة تحتاج إلى المعرفة، والمعرفة تحتاج إلى فهم الواقع، والمجتمع يحتاج إلى فضاءات يستطيع فيها أن يسمع مختلف الآراء. والجامعات، بما تملكه من عقول بحثية وشباب، مؤهلة لأن تكون واحدة من أهم هذه الفضاءات.
ومن المهم كذلك النظر إلى الأوراق البحثية التي تقدم في مثل هذه اللقاءات بوصفها عنصرًا أساسيًا في بناء النقاش. فالفرق كبير بين ندوة تقوم على الانطباعات وندوة تدخل إليها الأرقام والدراسات والوقائع. وكلما ارتبط الحوار بالبحث، ارتفعت قيمته وأصبح أكثر قدرة على تقديم إجابات أو على الأقل صياغة الأسئلة الصحيحة، والمجتمعات تتقدم عندما تجد الإجابات، وتتقدم أيضًا عندما تتعلم كيف تسأل.
ربما لهذا السبب أصبح للمدرج حضور يتجاوز حدود الجامعة نفسها. فعندما تتكرر الندوات والمؤتمرات، وتتعدد القضايا، ويتنوع الضيوف بين أردنيين وعرب وأجانب، يتحول المكان تدريجيًا إلى نقطة لقاء بين الجامعة ومحيطها الأوسع.
ومن هنا يمكن القول إن مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة أخذ يشكل منتدى فكريًا أردنيًا عربيًا ذا نافذة عالمية، مع احتفاظه بهويته الجامعية.
ولا يمكن فصل ما يمثله مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة اليوم عن هوية جامعة العلوم التطبيقية الخاصة نفسها، التي عُرفت بأنها 'جامعة كل العرب'. وهذا الوصف مبدأ راسخ قامت عليه الجامعة منذ أن أسسها المرحوم الحاج عبدالله أبو خديجة، وتواصل مسيرتها اليوم بقيادة الدكتور هيثم أبو خديجة. فقد حمل المؤسس رسالة أردنية عربية إسلامية، آمنت بالعلم طريقًا لبناء الإنسان، وبالجامعة فضاءً يتجاوز حدود التعليم الأكاديمي إلى صناعة الشخصية الواعية والمنتمية والقادرة على خدمة وطنها وأمتها.
واليوم، تواصل جامعة العلوم التطبيقية الخاصة رفد الدولة الأردنية والعالم العربي بخريجين ومبتكرين ومتميزين في مختلف التخصصات، ممن امتد حضور عدد منهم إلى ميادين الحياة العامة والسياسة والاقتصاد والمجتمع، في انعكاس لفلسفة ترى في الطالب مشروع إنسان متكامل، يتجاوز حدود التخصص والشهادة الجامعية إلى فضاءات أرحب من العمل والتأثير وخدمة المجتمع.
ومن هنا، يبدو مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة امتدادًا حيًا لرسالة الرجل الذي يحمل اسمه؛ فقد وفر، بما يحتضنه من لقاءات وحوارات ومؤتمرات، منتدى دائمًا يترك أثرًا إيجابيًا في الأردن على وجه الخصوص، ويفتح أمام الشباب أبواب النقاش والمعرفة والاشتباك الإيجابي مع قضايا وطنهم وأمتهم. كما يسهم في إعداد جيل يتفاعل مع الشأن العام بوعي ومسؤولية، بما يتواءم مع الرؤى الملكية في الإيمان بالشباب المنتج، المعتز بوطنه ومليكه وشعبه وأرضه، والمنتمي إلى قضايا أمته، والقادر على خدمة وطنه بإيجابية ومعرفة.
ولعل القيمة الأعمق في كل ذلك هي بناء جيل يدرك أن الانتماء يتسع للسؤال، وأن الاختلاف مساحة للتعلم، وأن قوة الإنسان في قدرته على الاستماع كما هي في قدرته على التعبير؛ جيل يؤمن بالرأي والرأي الآخر، ويحترم ذاته ويحترم الآخرين، ويعرف أن الحوار المسؤول والمعرفة والانفتاح على الأفكار أدوات لبناء الدولة والمجتمع.
وبهذا المعنى، فإن إرث الحاج عبدالله أبو خديجة يتجاوز جامعة أسسها ومدرجًا يحمل اسمه، ليستمر في كل مساحة للعلم والحوار، وفي كل طالب يغادر هذه الجامعة أكثر معرفة ووعيًا وانتماءً، وتبقى قيمة هذه التجربة مرتبطة بقدرتها على الاستمرار والتطور.
فالنجاح الحقيقي لأي فضاء فكري لا يكمن في عدد الفعاليات وحده، وإنما في أثرها. هل خرج الطالب من الندوة بسؤال جديد؟ هل تغيرت لديه زاوية النظر إلى قضية ما؟ هل وجد الباحث مساحة لعرض فكرته؟ هل استمع المسؤول إلى ملاحظة لم تكن تصل إليه عبر التقارير الرسمية؟ هل استطاعت ورقة بحثية أن تنتقل من رفوف المكتبات إلى نقاش عام؟ وهل أصبح الاختلاف داخل الجامعة أكثر معرفة وأقل توترًا؟
هذه هي الأسئلة التي تقيس القيمة الحقيقية لأي منتدى فكري، وإذا استطاع مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة أن يواصل بناء هذه المساحة، فإن أهم ما سيتركه يتجاوز أرشيف المؤتمرات والصور وأسماء المتحدثين إلى أجيال من الطلبة تعلمت أن الجامعة مكان للسؤال كما هي مكان للإجابة، وأن السياسة والاقتصاد والمجتمع موضوعات تتصل بتخصصاتهم وحياتهم، وأن الاختلاف يمكن أن يكون طريقًا إلى المعرفة، وأن الحوار الجاد جزء من بناء الإنسان.
فالمباني الجامعية تُشيّد بالحجر، أما حضورها في الذاكرة فيُشيّد بما يحدث داخلها، وقد تكون أجمل وظيفة لمدرج جامعي أن يغادره الطالب وهو يحمل فكرة لم تكن لديه عندما دخله، أو سؤالًا لم يكن يفكر فيه، أو قدرة أكبر على فهم عالم يزداد تعقيدًا كل يوم.
عندها يتجاوز مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة كونه مكانًا تستضيف فيه جامعة العلوم التطبيقية الخاصة فعالياتها، ليصبح جزءًا من الحياة الفكرية للجامعة والمجتمع، ومساحة يلتقي فيها العلم بالسياسة، والخبرة بالشباب، والأردن بمحيطه العربي والعالم.
وهكذا، من ندوة إلى أخرى، ومن مؤتمر إلى آخر، ومن ورقة بحثية إلى سؤال طالب، تتشكل حكاية مكان بدأ مدرجًا، ثم اتسعت وظيفته حتى غدا منتدى كبيرًا للفكر والحوار.
أخبار اليوم – تالا الفقيه
في الحياة الجامعية، ثمة أماكن تؤدي وظيفتها كما صُممت لها، وثمة أماكن تتجاوز الجدران والمقاعد والمنصة لتصنع لنفسها وظيفة أخرى، وتكتسب مع الزمن شخصية وحضورًا وذاكرة. ومدرج الحاج عبدالله أبو خديجة في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة يبدو اليوم واحدًا من هذه الأماكن التي تجاوزت مفهوم القاعة الجامعية التقليدية، بعدما تحوّل عبر ما يستضيفه على مدار العام من مؤتمرات وندوات وحوارات إلى مساحة فكرية مفتوحة تلتقي فيها الجامعة بالمجتمع، والأكاديميا بالسياسة، والبحث العلمي بأسئلة الناس والدولة والمنطقة والعالم.
القيمة الحقيقية لأي جامعة لا تُقاس بعدد قاعاتها ومبانيها فقط، ولا بما تمنحه من شهادات أكاديمية، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وفتح أبواب النقاش حولها، وبمدى حضورها في القضايا التي تشغل مجتمعها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما يجري في مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة؛ فالفعاليات التي يحتضنها لم تتوقف عند موضوع واحد أو حقل معرفي محدد، وإنما امتدت إلى قضايا محلية وعربية ودولية، سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية، لتضع الجامعة وطلبتها في قلب النقاش العام.
وعلى مدار العام، يجلس على منصة المدرج أكاديميون وباحثون وخبراء ومختصون وسياسيون ورجالات دولة، ممن يتولون مواقع رسمية اليوم أو سبق لهم أن تولوا مسؤوليات عامة، إلى جانب خبراء ومشاركين عرب وأجانب قدموا من دول مختلفة، يحمل كل منهم تجربته ومعرفته وقراءته للقضايا المطروحة. هذا التنوع منح المكان بعدًا يتجاوز حدود الفعالية نفسها؛ إذ لم تعد المسألة محاضرًا يتحدث وجمهورًا يستمع، وإنما تعدد في الخبرات والمدارس ووجهات النظر أمام جمهور جامعي يستطيع أن يسمع ويناقش ويقارن ويكوّن موقفه.
هنا تحديدًا تظهر أهمية التجربة، فالجامعة التي تفتح أبوابها أمام الأفكار المختلفة تؤدي واحدة من أهم وظائفها. الطالب لا يحتاج إلى المعرفة التي يجدها في الكتاب وحده، فهذه المعرفة، على أهميتها، تحتاج إلى الاحتكاك بالحياة. يحتاج إلى أن يسمع السياسي وهو يشرح رؤيته، والاقتصادي وهو يفكك الأرقام، والباحث وهو يعرض نتائج دراسته، وصاحب التجربة وهو يتحدث عما عاشه في موقع المسؤولية، وأن يرى كيف يمكن للفكرة الواحدة أن تُقرأ من زوايا متعددة.
ولهذا فإن ما يحدث داخل مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة يمكن النظر إليه باعتباره امتدادًا آخر للعملية التعليمية، ولكنه تعليم لا تحكمه أسئلة الامتحانات ولا درجات المساقات. إنه تعليم يقوم على السؤال والنقاش والاستماع والاختلاف والقدرة على بناء الحجة ومراجعتها.
وهذه مسألة بالغة الأهمية في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة خلال ثوانٍ، بينما أصبحت القدرة على فهمها وتمييزها ووضعها في سياقها أكثر صعوبة.
الطالب اليوم يعيش وسط سيل هائل من الأخبار والآراء والمعلومات والتعليقات. ومن هنا تصبح الجامعة مطالبة بأكثر من نقل المعرفة؛ تصبح مطالبة بتعليم الطالب كيف يفكر فيها، وكيف يناقشها، وكيف يميز بين الرأي والمعلومة، وبين الخطاب القائم على المعرفة والخطاب القائم على الانفعال.
وحين يجلس الطالب في قاعة واحدة مع وزير أو مسؤول سابق أو حالي، أو مفكر أو باحث أو خبير عربي أو أجنبي، ويستمع إليه ثم يناقشه، تتغير طبيعة العلاقة بين الشباب والشأن العام. فالقضايا الكبرى التي كانت تصل إليه عبر الأخبار تصبح أمامه موضوعًا للنقاش المباشر، والشخصيات التي كان يراها من بعيد تصبح جزءًا من حوار يمكن أن يطرح فيه سؤاله ويسمع الإجابة ويختبرها بعقله، وهذا أحد أوجه القوة في التجربة التي أخذ المدرج بتكوينها.
فالسياسة، على سبيل المثال، عندما تبقى خارج أسوار الجامعات، يخسر الطالب مساحة أساسية لفهمها بطريقة هادئة ومنظمة. والاقتصاد عندما يُختصر في الأرقام والتصريحات، يصعب على الشباب إدراك علاقته بحياتهم وفرص عملهم ومستقبلهم. والقضايا الاجتماعية عندما تناقش بعيدًا عن الجامعات، يغيب عن الحوار صوت الفئة التي ستعيش نتائج التحولات المقبلة أكثر من غيرها.
أما عندما تدخل هذه الملفات إلى الجامعة من باب الندوة والمؤتمر والورقة البحثية والنقاش المفتوح، فإنها تتحول إلى معرفة قابلة للفحص والمساءلة، وهنا يستعيد الطالب الجامعي جزءًا مهمًا من دوره.
لقد عرفت الجامعات العربية والأردنية، في مراحل مختلفة، حياة طلابية شديدة الحيوية، كان الطالب فيها حاضرًا في النقاش السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. ومع التحولات التي أصابت المجتمعات والجامعات ووسائل الاتصال، تغيرت أشكال المشاركة، وأصبحت مساحة كبيرة من النقاش تنتقل إلى العالم الرقمي، حيث السرعة أعلى، لكن العمق في كثير من الأحيان أقل، لذلك تكتسب إعادة الطالب إلى قاعة الحوار أهمية مضاعفة.
فالاشتباك الإيجابي مع القضايا لا يعني رفع الصوت، وإنما القدرة على طرح السؤال والاستماع إلى الإجابة ومناقشتها. ولا يعني الاتفاق مع المتحدث، وإنما تعلم الاختلاف معه من داخل المعرفة والحجة. وهذه الثقافة لا تُكتسب بالمواعظ، وإنما بالممارسة.
ومن هذه الناحية، أعاد مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة للحياة الطلابية شيئًا من زخمها؛ إذ أصبح الطلبة جزءًا من لقاءات تتناول موضوعات تتصل مباشرة بحاضرهم ومستقبلهم، ويتابعون أوراقًا بحثية ونقاشات سياسية واقتصادية واجتماعية، ويشاهدون أمامهم نماذج متعددة من أصحاب الخبرة والقرار والمعرفة، الأهم أن هذا التفاعل يخرج الطالب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في السؤال، وهذه النقلة، مهما بدت بسيطة، هي جوهر الجامعة الحديثة.
فالجامعات الكبرى في العالم بنت جزءًا مهمًا من مكانتها على قدرتها على أن تكون منتديات للأفكار. فيها تُناقش السياسات العامة، وتُختبر التصورات الاقتصادية، وتُعرض الدراسات، وتتقابل الحجج، ويجلس أصحاب القرار إلى جانب الأكاديميين والطلبة. والجامعة في تاريخها مؤسسة للتعليم وإنتاج المعرفة، ومكان يسأل المجتمع فيه نفسه: إلى أين نذهب؟ وما الذي يحدث حولنا؟ وما الخيارات المتاحة أمامنا ؟ وعندما يقترب مدرج جامعي من أداء هذه الوظيفة، فإن الحديث عنه يتجاوز الحديث عن مباني، إنه حديث عن فكرة.
وفكرة مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة، كما تشكلت من خلال تراكم الفعاليات والوجوه والقضايا التي مرّت من على منصته، تتجه نحو نموذج المنتدى الفكري داخل الجامعة؛ منتدى أردني في جذوره واهتماماته، عربي في امتداد قضاياه ومشاركيه، وعالمي حين يستضيف خبرات وشخصيات من دول وثقافات وتجارب مختلفة.
وصفة 'المنتدى' هنا وصف صنعه التراكم. تصنعه الموضوعات التي تُطرح، ونوعية المتحدثين، واستمرار اللقاءات، وحضور الجمهور، وقدرته على أن يصبح عنوانًا معروفًا للنقاش. ومع مرور الوقت، تبدأ القاعة في تكوين ذاكرتها الخاصة: أسماء مرت من هنا، أفكار قيلت، أوراق قدمت، أسئلة طرحت، نقاشات احتدمت، ومواقف ربما تغيرت بعد حوار، وهكذا تتكون هوية المكان.
ولعل أكثر ما يستحق الانتباه في هذه التجربة أن المدرج جمع بين دوائر قلما تجتمع باستمرار في مساحة واحدة: الأكاديمي، وصاحب القرار، والخبير، والسياسي، والباحث، والطالب، كل واحد من هؤلاء يرى القضية من موقع مختلف.
الأكاديمي يمتلك أدوات البحث والتحليل، والسياسي يقرأ موازين الواقع، وصاحب المسؤولية يعرف تعقيدات القرار، والخبير يمتلك المعرفة المتخصصة، والطالب ينظر إلى المستقبل من زاوية الجيل الذي سيعيش هذا المستقبل. وحين تجتمع هذه الزوايا، يصبح النقاش أكثر ثراءً من أي خطاب أحادي.
وهنا تستطيع الجامعة أن تؤدي دور الوسيط المعرفي بين المجتمع والدولة، فالقرارات العامة تحتاج إلى المعرفة، والمعرفة تحتاج إلى فهم الواقع، والمجتمع يحتاج إلى فضاءات يستطيع فيها أن يسمع مختلف الآراء. والجامعات، بما تملكه من عقول بحثية وشباب، مؤهلة لأن تكون واحدة من أهم هذه الفضاءات.
ومن المهم كذلك النظر إلى الأوراق البحثية التي تقدم في مثل هذه اللقاءات بوصفها عنصرًا أساسيًا في بناء النقاش. فالفرق كبير بين ندوة تقوم على الانطباعات وندوة تدخل إليها الأرقام والدراسات والوقائع. وكلما ارتبط الحوار بالبحث، ارتفعت قيمته وأصبح أكثر قدرة على تقديم إجابات أو على الأقل صياغة الأسئلة الصحيحة، والمجتمعات تتقدم عندما تجد الإجابات، وتتقدم أيضًا عندما تتعلم كيف تسأل.
ربما لهذا السبب أصبح للمدرج حضور يتجاوز حدود الجامعة نفسها. فعندما تتكرر الندوات والمؤتمرات، وتتعدد القضايا، ويتنوع الضيوف بين أردنيين وعرب وأجانب، يتحول المكان تدريجيًا إلى نقطة لقاء بين الجامعة ومحيطها الأوسع.
ومن هنا يمكن القول إن مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة أخذ يشكل منتدى فكريًا أردنيًا عربيًا ذا نافذة عالمية، مع احتفاظه بهويته الجامعية.
ولا يمكن فصل ما يمثله مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة اليوم عن هوية جامعة العلوم التطبيقية الخاصة نفسها، التي عُرفت بأنها 'جامعة كل العرب'. وهذا الوصف مبدأ راسخ قامت عليه الجامعة منذ أن أسسها المرحوم الحاج عبدالله أبو خديجة، وتواصل مسيرتها اليوم بقيادة الدكتور هيثم أبو خديجة. فقد حمل المؤسس رسالة أردنية عربية إسلامية، آمنت بالعلم طريقًا لبناء الإنسان، وبالجامعة فضاءً يتجاوز حدود التعليم الأكاديمي إلى صناعة الشخصية الواعية والمنتمية والقادرة على خدمة وطنها وأمتها.
واليوم، تواصل جامعة العلوم التطبيقية الخاصة رفد الدولة الأردنية والعالم العربي بخريجين ومبتكرين ومتميزين في مختلف التخصصات، ممن امتد حضور عدد منهم إلى ميادين الحياة العامة والسياسة والاقتصاد والمجتمع، في انعكاس لفلسفة ترى في الطالب مشروع إنسان متكامل، يتجاوز حدود التخصص والشهادة الجامعية إلى فضاءات أرحب من العمل والتأثير وخدمة المجتمع.
ومن هنا، يبدو مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة امتدادًا حيًا لرسالة الرجل الذي يحمل اسمه؛ فقد وفر، بما يحتضنه من لقاءات وحوارات ومؤتمرات، منتدى دائمًا يترك أثرًا إيجابيًا في الأردن على وجه الخصوص، ويفتح أمام الشباب أبواب النقاش والمعرفة والاشتباك الإيجابي مع قضايا وطنهم وأمتهم. كما يسهم في إعداد جيل يتفاعل مع الشأن العام بوعي ومسؤولية، بما يتواءم مع الرؤى الملكية في الإيمان بالشباب المنتج، المعتز بوطنه ومليكه وشعبه وأرضه، والمنتمي إلى قضايا أمته، والقادر على خدمة وطنه بإيجابية ومعرفة.
ولعل القيمة الأعمق في كل ذلك هي بناء جيل يدرك أن الانتماء يتسع للسؤال، وأن الاختلاف مساحة للتعلم، وأن قوة الإنسان في قدرته على الاستماع كما هي في قدرته على التعبير؛ جيل يؤمن بالرأي والرأي الآخر، ويحترم ذاته ويحترم الآخرين، ويعرف أن الحوار المسؤول والمعرفة والانفتاح على الأفكار أدوات لبناء الدولة والمجتمع.
وبهذا المعنى، فإن إرث الحاج عبدالله أبو خديجة يتجاوز جامعة أسسها ومدرجًا يحمل اسمه، ليستمر في كل مساحة للعلم والحوار، وفي كل طالب يغادر هذه الجامعة أكثر معرفة ووعيًا وانتماءً، وتبقى قيمة هذه التجربة مرتبطة بقدرتها على الاستمرار والتطور.
فالنجاح الحقيقي لأي فضاء فكري لا يكمن في عدد الفعاليات وحده، وإنما في أثرها. هل خرج الطالب من الندوة بسؤال جديد؟ هل تغيرت لديه زاوية النظر إلى قضية ما؟ هل وجد الباحث مساحة لعرض فكرته؟ هل استمع المسؤول إلى ملاحظة لم تكن تصل إليه عبر التقارير الرسمية؟ هل استطاعت ورقة بحثية أن تنتقل من رفوف المكتبات إلى نقاش عام؟ وهل أصبح الاختلاف داخل الجامعة أكثر معرفة وأقل توترًا؟
هذه هي الأسئلة التي تقيس القيمة الحقيقية لأي منتدى فكري، وإذا استطاع مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة أن يواصل بناء هذه المساحة، فإن أهم ما سيتركه يتجاوز أرشيف المؤتمرات والصور وأسماء المتحدثين إلى أجيال من الطلبة تعلمت أن الجامعة مكان للسؤال كما هي مكان للإجابة، وأن السياسة والاقتصاد والمجتمع موضوعات تتصل بتخصصاتهم وحياتهم، وأن الاختلاف يمكن أن يكون طريقًا إلى المعرفة، وأن الحوار الجاد جزء من بناء الإنسان.
فالمباني الجامعية تُشيّد بالحجر، أما حضورها في الذاكرة فيُشيّد بما يحدث داخلها، وقد تكون أجمل وظيفة لمدرج جامعي أن يغادره الطالب وهو يحمل فكرة لم تكن لديه عندما دخله، أو سؤالًا لم يكن يفكر فيه، أو قدرة أكبر على فهم عالم يزداد تعقيدًا كل يوم.
عندها يتجاوز مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة كونه مكانًا تستضيف فيه جامعة العلوم التطبيقية الخاصة فعالياتها، ليصبح جزءًا من الحياة الفكرية للجامعة والمجتمع، ومساحة يلتقي فيها العلم بالسياسة، والخبرة بالشباب، والأردن بمحيطه العربي والعالم.
وهكذا، من ندوة إلى أخرى، ومن مؤتمر إلى آخر، ومن ورقة بحثية إلى سؤال طالب، تتشكل حكاية مكان بدأ مدرجًا، ثم اتسعت وظيفته حتى غدا منتدى كبيرًا للفكر والحوار.
أخبار اليوم – تالا الفقيه
في الحياة الجامعية، ثمة أماكن تؤدي وظيفتها كما صُممت لها، وثمة أماكن تتجاوز الجدران والمقاعد والمنصة لتصنع لنفسها وظيفة أخرى، وتكتسب مع الزمن شخصية وحضورًا وذاكرة. ومدرج الحاج عبدالله أبو خديجة في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة يبدو اليوم واحدًا من هذه الأماكن التي تجاوزت مفهوم القاعة الجامعية التقليدية، بعدما تحوّل عبر ما يستضيفه على مدار العام من مؤتمرات وندوات وحوارات إلى مساحة فكرية مفتوحة تلتقي فيها الجامعة بالمجتمع، والأكاديميا بالسياسة، والبحث العلمي بأسئلة الناس والدولة والمنطقة والعالم.
القيمة الحقيقية لأي جامعة لا تُقاس بعدد قاعاتها ومبانيها فقط، ولا بما تمنحه من شهادات أكاديمية، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وفتح أبواب النقاش حولها، وبمدى حضورها في القضايا التي تشغل مجتمعها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما يجري في مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة؛ فالفعاليات التي يحتضنها لم تتوقف عند موضوع واحد أو حقل معرفي محدد، وإنما امتدت إلى قضايا محلية وعربية ودولية، سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية، لتضع الجامعة وطلبتها في قلب النقاش العام.
وعلى مدار العام، يجلس على منصة المدرج أكاديميون وباحثون وخبراء ومختصون وسياسيون ورجالات دولة، ممن يتولون مواقع رسمية اليوم أو سبق لهم أن تولوا مسؤوليات عامة، إلى جانب خبراء ومشاركين عرب وأجانب قدموا من دول مختلفة، يحمل كل منهم تجربته ومعرفته وقراءته للقضايا المطروحة. هذا التنوع منح المكان بعدًا يتجاوز حدود الفعالية نفسها؛ إذ لم تعد المسألة محاضرًا يتحدث وجمهورًا يستمع، وإنما تعدد في الخبرات والمدارس ووجهات النظر أمام جمهور جامعي يستطيع أن يسمع ويناقش ويقارن ويكوّن موقفه.
هنا تحديدًا تظهر أهمية التجربة، فالجامعة التي تفتح أبوابها أمام الأفكار المختلفة تؤدي واحدة من أهم وظائفها. الطالب لا يحتاج إلى المعرفة التي يجدها في الكتاب وحده، فهذه المعرفة، على أهميتها، تحتاج إلى الاحتكاك بالحياة. يحتاج إلى أن يسمع السياسي وهو يشرح رؤيته، والاقتصادي وهو يفكك الأرقام، والباحث وهو يعرض نتائج دراسته، وصاحب التجربة وهو يتحدث عما عاشه في موقع المسؤولية، وأن يرى كيف يمكن للفكرة الواحدة أن تُقرأ من زوايا متعددة.
ولهذا فإن ما يحدث داخل مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة يمكن النظر إليه باعتباره امتدادًا آخر للعملية التعليمية، ولكنه تعليم لا تحكمه أسئلة الامتحانات ولا درجات المساقات. إنه تعليم يقوم على السؤال والنقاش والاستماع والاختلاف والقدرة على بناء الحجة ومراجعتها.
وهذه مسألة بالغة الأهمية في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة خلال ثوانٍ، بينما أصبحت القدرة على فهمها وتمييزها ووضعها في سياقها أكثر صعوبة.
الطالب اليوم يعيش وسط سيل هائل من الأخبار والآراء والمعلومات والتعليقات. ومن هنا تصبح الجامعة مطالبة بأكثر من نقل المعرفة؛ تصبح مطالبة بتعليم الطالب كيف يفكر فيها، وكيف يناقشها، وكيف يميز بين الرأي والمعلومة، وبين الخطاب القائم على المعرفة والخطاب القائم على الانفعال.
وحين يجلس الطالب في قاعة واحدة مع وزير أو مسؤول سابق أو حالي، أو مفكر أو باحث أو خبير عربي أو أجنبي، ويستمع إليه ثم يناقشه، تتغير طبيعة العلاقة بين الشباب والشأن العام. فالقضايا الكبرى التي كانت تصل إليه عبر الأخبار تصبح أمامه موضوعًا للنقاش المباشر، والشخصيات التي كان يراها من بعيد تصبح جزءًا من حوار يمكن أن يطرح فيه سؤاله ويسمع الإجابة ويختبرها بعقله، وهذا أحد أوجه القوة في التجربة التي أخذ المدرج بتكوينها.
فالسياسة، على سبيل المثال، عندما تبقى خارج أسوار الجامعات، يخسر الطالب مساحة أساسية لفهمها بطريقة هادئة ومنظمة. والاقتصاد عندما يُختصر في الأرقام والتصريحات، يصعب على الشباب إدراك علاقته بحياتهم وفرص عملهم ومستقبلهم. والقضايا الاجتماعية عندما تناقش بعيدًا عن الجامعات، يغيب عن الحوار صوت الفئة التي ستعيش نتائج التحولات المقبلة أكثر من غيرها.
أما عندما تدخل هذه الملفات إلى الجامعة من باب الندوة والمؤتمر والورقة البحثية والنقاش المفتوح، فإنها تتحول إلى معرفة قابلة للفحص والمساءلة، وهنا يستعيد الطالب الجامعي جزءًا مهمًا من دوره.
لقد عرفت الجامعات العربية والأردنية، في مراحل مختلفة، حياة طلابية شديدة الحيوية، كان الطالب فيها حاضرًا في النقاش السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. ومع التحولات التي أصابت المجتمعات والجامعات ووسائل الاتصال، تغيرت أشكال المشاركة، وأصبحت مساحة كبيرة من النقاش تنتقل إلى العالم الرقمي، حيث السرعة أعلى، لكن العمق في كثير من الأحيان أقل، لذلك تكتسب إعادة الطالب إلى قاعة الحوار أهمية مضاعفة.
فالاشتباك الإيجابي مع القضايا لا يعني رفع الصوت، وإنما القدرة على طرح السؤال والاستماع إلى الإجابة ومناقشتها. ولا يعني الاتفاق مع المتحدث، وإنما تعلم الاختلاف معه من داخل المعرفة والحجة. وهذه الثقافة لا تُكتسب بالمواعظ، وإنما بالممارسة.
ومن هذه الناحية، أعاد مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة للحياة الطلابية شيئًا من زخمها؛ إذ أصبح الطلبة جزءًا من لقاءات تتناول موضوعات تتصل مباشرة بحاضرهم ومستقبلهم، ويتابعون أوراقًا بحثية ونقاشات سياسية واقتصادية واجتماعية، ويشاهدون أمامهم نماذج متعددة من أصحاب الخبرة والقرار والمعرفة، الأهم أن هذا التفاعل يخرج الطالب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في السؤال، وهذه النقلة، مهما بدت بسيطة، هي جوهر الجامعة الحديثة.
فالجامعات الكبرى في العالم بنت جزءًا مهمًا من مكانتها على قدرتها على أن تكون منتديات للأفكار. فيها تُناقش السياسات العامة، وتُختبر التصورات الاقتصادية، وتُعرض الدراسات، وتتقابل الحجج، ويجلس أصحاب القرار إلى جانب الأكاديميين والطلبة. والجامعة في تاريخها مؤسسة للتعليم وإنتاج المعرفة، ومكان يسأل المجتمع فيه نفسه: إلى أين نذهب؟ وما الذي يحدث حولنا؟ وما الخيارات المتاحة أمامنا ؟ وعندما يقترب مدرج جامعي من أداء هذه الوظيفة، فإن الحديث عنه يتجاوز الحديث عن مباني، إنه حديث عن فكرة.
وفكرة مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة، كما تشكلت من خلال تراكم الفعاليات والوجوه والقضايا التي مرّت من على منصته، تتجه نحو نموذج المنتدى الفكري داخل الجامعة؛ منتدى أردني في جذوره واهتماماته، عربي في امتداد قضاياه ومشاركيه، وعالمي حين يستضيف خبرات وشخصيات من دول وثقافات وتجارب مختلفة.
وصفة 'المنتدى' هنا وصف صنعه التراكم. تصنعه الموضوعات التي تُطرح، ونوعية المتحدثين، واستمرار اللقاءات، وحضور الجمهور، وقدرته على أن يصبح عنوانًا معروفًا للنقاش. ومع مرور الوقت، تبدأ القاعة في تكوين ذاكرتها الخاصة: أسماء مرت من هنا، أفكار قيلت، أوراق قدمت، أسئلة طرحت، نقاشات احتدمت، ومواقف ربما تغيرت بعد حوار، وهكذا تتكون هوية المكان.
ولعل أكثر ما يستحق الانتباه في هذه التجربة أن المدرج جمع بين دوائر قلما تجتمع باستمرار في مساحة واحدة: الأكاديمي، وصاحب القرار، والخبير، والسياسي، والباحث، والطالب، كل واحد من هؤلاء يرى القضية من موقع مختلف.
الأكاديمي يمتلك أدوات البحث والتحليل، والسياسي يقرأ موازين الواقع، وصاحب المسؤولية يعرف تعقيدات القرار، والخبير يمتلك المعرفة المتخصصة، والطالب ينظر إلى المستقبل من زاوية الجيل الذي سيعيش هذا المستقبل. وحين تجتمع هذه الزوايا، يصبح النقاش أكثر ثراءً من أي خطاب أحادي.
وهنا تستطيع الجامعة أن تؤدي دور الوسيط المعرفي بين المجتمع والدولة، فالقرارات العامة تحتاج إلى المعرفة، والمعرفة تحتاج إلى فهم الواقع، والمجتمع يحتاج إلى فضاءات يستطيع فيها أن يسمع مختلف الآراء. والجامعات، بما تملكه من عقول بحثية وشباب، مؤهلة لأن تكون واحدة من أهم هذه الفضاءات.
ومن المهم كذلك النظر إلى الأوراق البحثية التي تقدم في مثل هذه اللقاءات بوصفها عنصرًا أساسيًا في بناء النقاش. فالفرق كبير بين ندوة تقوم على الانطباعات وندوة تدخل إليها الأرقام والدراسات والوقائع. وكلما ارتبط الحوار بالبحث، ارتفعت قيمته وأصبح أكثر قدرة على تقديم إجابات أو على الأقل صياغة الأسئلة الصحيحة، والمجتمعات تتقدم عندما تجد الإجابات، وتتقدم أيضًا عندما تتعلم كيف تسأل.
ربما لهذا السبب أصبح للمدرج حضور يتجاوز حدود الجامعة نفسها. فعندما تتكرر الندوات والمؤتمرات، وتتعدد القضايا، ويتنوع الضيوف بين أردنيين وعرب وأجانب، يتحول المكان تدريجيًا إلى نقطة لقاء بين الجامعة ومحيطها الأوسع.
ومن هنا يمكن القول إن مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة أخذ يشكل منتدى فكريًا أردنيًا عربيًا ذا نافذة عالمية، مع احتفاظه بهويته الجامعية.
ولا يمكن فصل ما يمثله مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة اليوم عن هوية جامعة العلوم التطبيقية الخاصة نفسها، التي عُرفت بأنها 'جامعة كل العرب'. وهذا الوصف مبدأ راسخ قامت عليه الجامعة منذ أن أسسها المرحوم الحاج عبدالله أبو خديجة، وتواصل مسيرتها اليوم بقيادة الدكتور هيثم أبو خديجة. فقد حمل المؤسس رسالة أردنية عربية إسلامية، آمنت بالعلم طريقًا لبناء الإنسان، وبالجامعة فضاءً يتجاوز حدود التعليم الأكاديمي إلى صناعة الشخصية الواعية والمنتمية والقادرة على خدمة وطنها وأمتها.
واليوم، تواصل جامعة العلوم التطبيقية الخاصة رفد الدولة الأردنية والعالم العربي بخريجين ومبتكرين ومتميزين في مختلف التخصصات، ممن امتد حضور عدد منهم إلى ميادين الحياة العامة والسياسة والاقتصاد والمجتمع، في انعكاس لفلسفة ترى في الطالب مشروع إنسان متكامل، يتجاوز حدود التخصص والشهادة الجامعية إلى فضاءات أرحب من العمل والتأثير وخدمة المجتمع.
ومن هنا، يبدو مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة امتدادًا حيًا لرسالة الرجل الذي يحمل اسمه؛ فقد وفر، بما يحتضنه من لقاءات وحوارات ومؤتمرات، منتدى دائمًا يترك أثرًا إيجابيًا في الأردن على وجه الخصوص، ويفتح أمام الشباب أبواب النقاش والمعرفة والاشتباك الإيجابي مع قضايا وطنهم وأمتهم. كما يسهم في إعداد جيل يتفاعل مع الشأن العام بوعي ومسؤولية، بما يتواءم مع الرؤى الملكية في الإيمان بالشباب المنتج، المعتز بوطنه ومليكه وشعبه وأرضه، والمنتمي إلى قضايا أمته، والقادر على خدمة وطنه بإيجابية ومعرفة.
ولعل القيمة الأعمق في كل ذلك هي بناء جيل يدرك أن الانتماء يتسع للسؤال، وأن الاختلاف مساحة للتعلم، وأن قوة الإنسان في قدرته على الاستماع كما هي في قدرته على التعبير؛ جيل يؤمن بالرأي والرأي الآخر، ويحترم ذاته ويحترم الآخرين، ويعرف أن الحوار المسؤول والمعرفة والانفتاح على الأفكار أدوات لبناء الدولة والمجتمع.
وبهذا المعنى، فإن إرث الحاج عبدالله أبو خديجة يتجاوز جامعة أسسها ومدرجًا يحمل اسمه، ليستمر في كل مساحة للعلم والحوار، وفي كل طالب يغادر هذه الجامعة أكثر معرفة ووعيًا وانتماءً، وتبقى قيمة هذه التجربة مرتبطة بقدرتها على الاستمرار والتطور.
فالنجاح الحقيقي لأي فضاء فكري لا يكمن في عدد الفعاليات وحده، وإنما في أثرها. هل خرج الطالب من الندوة بسؤال جديد؟ هل تغيرت لديه زاوية النظر إلى قضية ما؟ هل وجد الباحث مساحة لعرض فكرته؟ هل استمع المسؤول إلى ملاحظة لم تكن تصل إليه عبر التقارير الرسمية؟ هل استطاعت ورقة بحثية أن تنتقل من رفوف المكتبات إلى نقاش عام؟ وهل أصبح الاختلاف داخل الجامعة أكثر معرفة وأقل توترًا؟
هذه هي الأسئلة التي تقيس القيمة الحقيقية لأي منتدى فكري، وإذا استطاع مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة أن يواصل بناء هذه المساحة، فإن أهم ما سيتركه يتجاوز أرشيف المؤتمرات والصور وأسماء المتحدثين إلى أجيال من الطلبة تعلمت أن الجامعة مكان للسؤال كما هي مكان للإجابة، وأن السياسة والاقتصاد والمجتمع موضوعات تتصل بتخصصاتهم وحياتهم، وأن الاختلاف يمكن أن يكون طريقًا إلى المعرفة، وأن الحوار الجاد جزء من بناء الإنسان.
فالمباني الجامعية تُشيّد بالحجر، أما حضورها في الذاكرة فيُشيّد بما يحدث داخلها، وقد تكون أجمل وظيفة لمدرج جامعي أن يغادره الطالب وهو يحمل فكرة لم تكن لديه عندما دخله، أو سؤالًا لم يكن يفكر فيه، أو قدرة أكبر على فهم عالم يزداد تعقيدًا كل يوم.
عندها يتجاوز مدرج الحاج عبدالله أبو خديجة كونه مكانًا تستضيف فيه جامعة العلوم التطبيقية الخاصة فعالياتها، ليصبح جزءًا من الحياة الفكرية للجامعة والمجتمع، ومساحة يلتقي فيها العلم بالسياسة، والخبرة بالشباب، والأردن بمحيطه العربي والعالم.
وهكذا، من ندوة إلى أخرى، ومن مؤتمر إلى آخر، ومن ورقة بحثية إلى سؤال طالب، تتشكل حكاية مكان بدأ مدرجًا، ثم اتسعت وظيفته حتى غدا منتدى كبيرًا للفكر والحوار.
التعليقات