موقع استثنائي بين المطرقة والسندان الجغرافيا ليست مجرد خريطة ثابتة، بل هي قدر متحرك يفرض معادلاته على من يسكن فوق ترابه، والمملكة الأردنية الهاشمية، التي تتوسط قلب الوطن العربي عند ملتقى آسيا وأفريقيا، تجسد هذا المعنى بأصدق صوره، فهي جسر بري بين المشرق والمغرب، وممر حيوي بين دول الخليج وبلاد الشام، وحدودها الممتدة على أكثر من ألف كيلومتر تلامس إسرائيل وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق والسعودية، هذا الموقع الفريد جعل منها نقطة التقاء للحضارات وملتقى للمصالح، لكنه في الوقت نفسه جعلها في صميم كل عاصفة إقليمية، فكل زلزال يهز الجوار يرتد مباشرة على أراضيها، وكل صراع يشتعِل في المنطقة يجد صدى له في عمان، ومع ذلك، استطاع الأردن، بقيادة هاشمية واعية، أن يحوّل هذا الموقع المرهق إلى مصدر نفوذ، ليصبح 'جزيرة استقرار' في بحر من الفوضى, ودولة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية تبحث عن حل.
تهديدات متعددة الجبهات ومأزق أمني غير مسبوق ما يجعل الوضع الأردني استثنائياً هو تعدد مصادر التهديد وتنوعها، بحيث أصبح الأردن اليوم في مواجهة أمنية متكاملة الأطراف لا تشبه أي مرحلة سابقة، فمن الغرب، يواجه مشروعاً إسرائيلياً منظماً يهدف إلى تفريغ السلطة الفلسطينية من مضمونها، وإعادة رسم الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، والنيل من الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، وسط سرديات خطيرة تعيد ترويج فكرة 'الأردن هو الوطن البديل'، ومن الشمال، تطل التهديدات من جنوب سوريا، حيث تحولت المنطقة إلى بؤرة للصراع والنشاط الإجرامي، مع شبكات تهريب مخدرات وأسلحة منظمة، ما دفع الأردن إلى تنفيذ ضربات جوية لحماية حدوده، وفي الوقت نفسه، تحولت البحر الأحمر وخليج العقبة إلى ساحات توتر، مع تداعيات أمنية مباشرة على الممرات المائية الأردنية، هذا التشابك الاستثنائي للتهديدات يجعل من أي خيار للانعزال أو الحياد غير مجدٍ عملياً، ويفرض على الدولة الأردنية إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي بوصفه كياناً متكاملاً لا حدود فاصلة بين أمنه الداخلي واستقرار محيطه الإقليمي.
مواقف جلالة الملك عبدالله الثاني: حكمة القائد وثبات المبادئ يبرز الدور القيادي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في خضم هذه العاصفة كعنوان للثبات والحكمة، حيث نجح في الموازنة بين الدفاع عن الثوابت الوطنية والقضية الفلسطينية من جهة، وإدارة علاقات دولية معقدة من جهة أخرى، فجلالته لم يتوانَ في الدفاع عن القدس ومقدساتها بصفته وصياً هاشمياً، مؤكداً أن
الدكتور خالد محمد السُليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية
الوصاية ليست ورقة سياسية قابلة للتفاوض، بل إرث تاريخي ووجداني راسخ، وفي كل المحافل الدولية، كان صوت الأردن واضحاً: لا سلام دون قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو وعاصمتها القدس الشرقية، ولا استقرار في المنطقة دون إنهاء الاحتلال، لقد أدرك جلالته أن الأمن الأردني مرتبط عضوياً بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وأن أي تهديد للاستقرار في المنطقة لا يخدم إلا قوى الصراع والتطرف، هذا المزيج الفريد من الثبات على المبادئ والانفتاح الدبلوماسي هو ما جعل من الأردن شريكاً محترماً في المعادلات الدولية، وصوتاً مسموعاً في عواصم القرار.
الاقتصاد بين أعباء الجوار ورهانات المستقبل لا يقتصر تأثير الموقع الجيوسياسي على البعد الأمني، بل يمتد ليشمل البنية الاقتصادية برمتها، فالأردن، الذي يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية والاستثمار الأجنبي والسياحة، يجد نفسه في مرمى كل اضطراب إقليمي، فالحرب على غزة والتصعيد بين إيران وإسرائيل تسببا في تراجع النمو الاقتصادي إلى 2.5% عام 2024-2025، مع تعليق رحلات جوية واضطراب ثقة المستثمرين والمستهلكين، وقطاع السياحة، الذي شهد انتعاشاً قبل أكتوبر 2023، تراجع بشكل حاد ليعاود التعافي ببطء في مطلع 2025، لكن التحدي الأكبر يكمن في ملفي المياه والطاقة، حيث يعتمد الأردن على إسرائيل في جزء مهم من احتياجاته المائية والغازية، وهو ما يجعله عرضة للابتزاز في أي لحظة توتر، ورغم المشاريع الطموحة مثل الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، تبقى الحاجة ملحة لتنويع الشراكات الاقتصادية، والتوجه شرقاً نحو تكتلات البريكس وآسيا الوسطى، لتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية التقليدية، وتحويل الموقع الجغرافي من عبء إلى ميزة تنافسية في مجال الخدمات اللوجستية والتجارة العابرة للقارات.
الدبلوماسية الأردنية كأداة نفوذ تتجاوز الوزن المادي ما يميز التجربة الأردنية هو قدرتها على ترجمة موقعها الجغرافي الهش إلى نفوذ دبلوماسي يفوق إمكانياتها المادية، فالدبلوماسية الأردنية، بقيادة جلالة الملك، لم تسعَ يوماً إلى لعب دور 'القوة الكبرى'، بل أتقنت فن كونها 'الدولة التي لا يمكن تجاوزها'، هذا النهج القائم على إدارة المخاطر وبناء شبكة معقدة من العلاقات، مكّن الأردن من لعب دور الوسيط النزيه في كثير من الأزمات، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف حتى في أوقات القطيعة الإقليمية، وقد تجلى ذلك في رئاسة الأردن للدورة 163 لمجلس جامعة الدول العربية، حيث قاد جهوداً لتوحيد الموقف العربي الرافض للعدوان الإسرائيلي، ودعم استقرار لبنان وسوريا ورفض مخططات التقسيم، هذه المكانة الدبلوماسية الرفيعة جعلت من عمان مقصداً للقادة ولقاءات الدول الكبرى، حيث أن إنشاء مكتب اتصال للناتو في عمان يعكس الثقة الدولية بدور الأردن المحوري في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
في الختام ... فإن المملكة الأردنية الهاشمية تبقى في زمن تتهاوى فيه الخرائط وتتغير التحالفات وتعيد القوى الكبرى ترتيب أوراقها في الشرق الأوسط تبقى صامدة ليس بفضل موقعها الجغرافي وحده بل بإرادة قيادة هاشمية أدركت أن الجغرافيا ليست قدراً محتوماً بل أرضاً تُزرع بالأفعال، المملكة الأردنية الهاشمية، التي وقفت طويلاً عند مفترق الطرق بين الشرق والغرب، بين النزاعات والحلول، بين التحديات والفرص، تثبت اليوم أن الاستقرار ليس هبة بل قرار، وأن السيادة ليست كلمة في دساتير بل ممارسة يومية في مواجهة أطماع الجيران ومتغيرات العصر، في عالم يبحث عن بوصلته في خضم الفوضى، يظل الأردن صوت العقل المعتدل، وموئل الأمان، وشاهداً على حقيقة لا تقبل النسيان: أن هوية هذه الأمة العربية ليست رهناً بمشاريع التقسيم، وأن القدس ستبقى عربية، وأن الفلسطينيين سيبقون على أرضهم مهما طال الزمن، هذا هو الأردن، وهذه هي رسالته التي لا تتغير.
توصيات لصناع القرار الاستراتيجي في الدولة الأردنية 1. إعادة تعريف الأمن القومي كمنظومة متكاملة تُجاوز النظرة الأمنية التقليدية إلى مفهوم شامل يربط الأمن العسكري بالأمن المائي والغذائي والطاقي، مع وضع سيناريوهات استباقية للتعامل مع أي تصعيد إقليمي يؤثر على السيادة الوطنية. 2. فك الارتهان الاستراتيجي للمياه والطاقة والإسراع في تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وتنويع مصادر استيراد الغاز، لكسر أي إمكانية للابتزاز الإسرائيلي في هذين الملفين الحيويين. 3. تنويع الشراكات الدولية والتوجه شرقاً بالانخراط الفاعل في تكتلات البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وبناء شراكات اقتصادية مع الصين والهند ودول آسيا الوسطى، لتقليل الاعتماد على الغرب وفتح أسواق جديدة للصادرات الأردنية. 4. تعزيز الردع الدبلوماسي والقانوني بتفعيل التحركات القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية لحماية الوصاية الهاشمية على المقدسات، ومواجهة سرديات 'الأردن وطن بديل'، مع بناء تحالفات أوروبية وعربية لدعم حل الدولتين. 5. تطوير القدرات الدفاعية والاستخباراتية ومواصلة تحديث القوات المسلحة الأردنية وقدراتها الدفاعية، وتعزيز التنسيق الأمني مع الحلفاء لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، خاصة على الجبهة الشمالية مع سوريا، مع التركيز على حماية البنية التحتية الحيوية من أي تهديدات مستقبلية. 6. إطلاق حوار وطني استراتيجي حول مستقبل الأردن بتشكيل هيئة وطنية تضم خبراء وأكاديميين وصناع قرار، لوضع رؤية استراتيجية طويلة المدى للأردن حتى عام 2050، تستشرف المتغيرات الإقليمية والدولية وتحدد مسارات التنمية والأمن والسياسة الخارجية، لتكون الأردن دولة فاعلة لا متفاعلة فقط.
موقع استثنائي بين المطرقة والسندان الجغرافيا ليست مجرد خريطة ثابتة، بل هي قدر متحرك يفرض معادلاته على من يسكن فوق ترابه، والمملكة الأردنية الهاشمية، التي تتوسط قلب الوطن العربي عند ملتقى آسيا وأفريقيا، تجسد هذا المعنى بأصدق صوره، فهي جسر بري بين المشرق والمغرب، وممر حيوي بين دول الخليج وبلاد الشام، وحدودها الممتدة على أكثر من ألف كيلومتر تلامس إسرائيل وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق والسعودية، هذا الموقع الفريد جعل منها نقطة التقاء للحضارات وملتقى للمصالح، لكنه في الوقت نفسه جعلها في صميم كل عاصفة إقليمية، فكل زلزال يهز الجوار يرتد مباشرة على أراضيها، وكل صراع يشتعِل في المنطقة يجد صدى له في عمان، ومع ذلك، استطاع الأردن، بقيادة هاشمية واعية، أن يحوّل هذا الموقع المرهق إلى مصدر نفوذ، ليصبح 'جزيرة استقرار' في بحر من الفوضى, ودولة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية تبحث عن حل.
تهديدات متعددة الجبهات ومأزق أمني غير مسبوق ما يجعل الوضع الأردني استثنائياً هو تعدد مصادر التهديد وتنوعها، بحيث أصبح الأردن اليوم في مواجهة أمنية متكاملة الأطراف لا تشبه أي مرحلة سابقة، فمن الغرب، يواجه مشروعاً إسرائيلياً منظماً يهدف إلى تفريغ السلطة الفلسطينية من مضمونها، وإعادة رسم الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، والنيل من الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، وسط سرديات خطيرة تعيد ترويج فكرة 'الأردن هو الوطن البديل'، ومن الشمال، تطل التهديدات من جنوب سوريا، حيث تحولت المنطقة إلى بؤرة للصراع والنشاط الإجرامي، مع شبكات تهريب مخدرات وأسلحة منظمة، ما دفع الأردن إلى تنفيذ ضربات جوية لحماية حدوده، وفي الوقت نفسه، تحولت البحر الأحمر وخليج العقبة إلى ساحات توتر، مع تداعيات أمنية مباشرة على الممرات المائية الأردنية، هذا التشابك الاستثنائي للتهديدات يجعل من أي خيار للانعزال أو الحياد غير مجدٍ عملياً، ويفرض على الدولة الأردنية إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي بوصفه كياناً متكاملاً لا حدود فاصلة بين أمنه الداخلي واستقرار محيطه الإقليمي.
مواقف جلالة الملك عبدالله الثاني: حكمة القائد وثبات المبادئ يبرز الدور القيادي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في خضم هذه العاصفة كعنوان للثبات والحكمة، حيث نجح في الموازنة بين الدفاع عن الثوابت الوطنية والقضية الفلسطينية من جهة، وإدارة علاقات دولية معقدة من جهة أخرى، فجلالته لم يتوانَ في الدفاع عن القدس ومقدساتها بصفته وصياً هاشمياً، مؤكداً أن
الدكتور خالد محمد السُليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية
الوصاية ليست ورقة سياسية قابلة للتفاوض، بل إرث تاريخي ووجداني راسخ، وفي كل المحافل الدولية، كان صوت الأردن واضحاً: لا سلام دون قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو وعاصمتها القدس الشرقية، ولا استقرار في المنطقة دون إنهاء الاحتلال، لقد أدرك جلالته أن الأمن الأردني مرتبط عضوياً بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وأن أي تهديد للاستقرار في المنطقة لا يخدم إلا قوى الصراع والتطرف، هذا المزيج الفريد من الثبات على المبادئ والانفتاح الدبلوماسي هو ما جعل من الأردن شريكاً محترماً في المعادلات الدولية، وصوتاً مسموعاً في عواصم القرار.
الاقتصاد بين أعباء الجوار ورهانات المستقبل لا يقتصر تأثير الموقع الجيوسياسي على البعد الأمني، بل يمتد ليشمل البنية الاقتصادية برمتها، فالأردن، الذي يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية والاستثمار الأجنبي والسياحة، يجد نفسه في مرمى كل اضطراب إقليمي، فالحرب على غزة والتصعيد بين إيران وإسرائيل تسببا في تراجع النمو الاقتصادي إلى 2.5% عام 2024-2025، مع تعليق رحلات جوية واضطراب ثقة المستثمرين والمستهلكين، وقطاع السياحة، الذي شهد انتعاشاً قبل أكتوبر 2023، تراجع بشكل حاد ليعاود التعافي ببطء في مطلع 2025، لكن التحدي الأكبر يكمن في ملفي المياه والطاقة، حيث يعتمد الأردن على إسرائيل في جزء مهم من احتياجاته المائية والغازية، وهو ما يجعله عرضة للابتزاز في أي لحظة توتر، ورغم المشاريع الطموحة مثل الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، تبقى الحاجة ملحة لتنويع الشراكات الاقتصادية، والتوجه شرقاً نحو تكتلات البريكس وآسيا الوسطى، لتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية التقليدية، وتحويل الموقع الجغرافي من عبء إلى ميزة تنافسية في مجال الخدمات اللوجستية والتجارة العابرة للقارات.
الدبلوماسية الأردنية كأداة نفوذ تتجاوز الوزن المادي ما يميز التجربة الأردنية هو قدرتها على ترجمة موقعها الجغرافي الهش إلى نفوذ دبلوماسي يفوق إمكانياتها المادية، فالدبلوماسية الأردنية، بقيادة جلالة الملك، لم تسعَ يوماً إلى لعب دور 'القوة الكبرى'، بل أتقنت فن كونها 'الدولة التي لا يمكن تجاوزها'، هذا النهج القائم على إدارة المخاطر وبناء شبكة معقدة من العلاقات، مكّن الأردن من لعب دور الوسيط النزيه في كثير من الأزمات، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف حتى في أوقات القطيعة الإقليمية، وقد تجلى ذلك في رئاسة الأردن للدورة 163 لمجلس جامعة الدول العربية، حيث قاد جهوداً لتوحيد الموقف العربي الرافض للعدوان الإسرائيلي، ودعم استقرار لبنان وسوريا ورفض مخططات التقسيم، هذه المكانة الدبلوماسية الرفيعة جعلت من عمان مقصداً للقادة ولقاءات الدول الكبرى، حيث أن إنشاء مكتب اتصال للناتو في عمان يعكس الثقة الدولية بدور الأردن المحوري في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
في الختام ... فإن المملكة الأردنية الهاشمية تبقى في زمن تتهاوى فيه الخرائط وتتغير التحالفات وتعيد القوى الكبرى ترتيب أوراقها في الشرق الأوسط تبقى صامدة ليس بفضل موقعها الجغرافي وحده بل بإرادة قيادة هاشمية أدركت أن الجغرافيا ليست قدراً محتوماً بل أرضاً تُزرع بالأفعال، المملكة الأردنية الهاشمية، التي وقفت طويلاً عند مفترق الطرق بين الشرق والغرب، بين النزاعات والحلول، بين التحديات والفرص، تثبت اليوم أن الاستقرار ليس هبة بل قرار، وأن السيادة ليست كلمة في دساتير بل ممارسة يومية في مواجهة أطماع الجيران ومتغيرات العصر، في عالم يبحث عن بوصلته في خضم الفوضى، يظل الأردن صوت العقل المعتدل، وموئل الأمان، وشاهداً على حقيقة لا تقبل النسيان: أن هوية هذه الأمة العربية ليست رهناً بمشاريع التقسيم، وأن القدس ستبقى عربية، وأن الفلسطينيين سيبقون على أرضهم مهما طال الزمن، هذا هو الأردن، وهذه هي رسالته التي لا تتغير.
توصيات لصناع القرار الاستراتيجي في الدولة الأردنية 1. إعادة تعريف الأمن القومي كمنظومة متكاملة تُجاوز النظرة الأمنية التقليدية إلى مفهوم شامل يربط الأمن العسكري بالأمن المائي والغذائي والطاقي، مع وضع سيناريوهات استباقية للتعامل مع أي تصعيد إقليمي يؤثر على السيادة الوطنية. 2. فك الارتهان الاستراتيجي للمياه والطاقة والإسراع في تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وتنويع مصادر استيراد الغاز، لكسر أي إمكانية للابتزاز الإسرائيلي في هذين الملفين الحيويين. 3. تنويع الشراكات الدولية والتوجه شرقاً بالانخراط الفاعل في تكتلات البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وبناء شراكات اقتصادية مع الصين والهند ودول آسيا الوسطى، لتقليل الاعتماد على الغرب وفتح أسواق جديدة للصادرات الأردنية. 4. تعزيز الردع الدبلوماسي والقانوني بتفعيل التحركات القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية لحماية الوصاية الهاشمية على المقدسات، ومواجهة سرديات 'الأردن وطن بديل'، مع بناء تحالفات أوروبية وعربية لدعم حل الدولتين. 5. تطوير القدرات الدفاعية والاستخباراتية ومواصلة تحديث القوات المسلحة الأردنية وقدراتها الدفاعية، وتعزيز التنسيق الأمني مع الحلفاء لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، خاصة على الجبهة الشمالية مع سوريا، مع التركيز على حماية البنية التحتية الحيوية من أي تهديدات مستقبلية. 6. إطلاق حوار وطني استراتيجي حول مستقبل الأردن بتشكيل هيئة وطنية تضم خبراء وأكاديميين وصناع قرار، لوضع رؤية استراتيجية طويلة المدى للأردن حتى عام 2050، تستشرف المتغيرات الإقليمية والدولية وتحدد مسارات التنمية والأمن والسياسة الخارجية، لتكون الأردن دولة فاعلة لا متفاعلة فقط.
موقع استثنائي بين المطرقة والسندان الجغرافيا ليست مجرد خريطة ثابتة، بل هي قدر متحرك يفرض معادلاته على من يسكن فوق ترابه، والمملكة الأردنية الهاشمية، التي تتوسط قلب الوطن العربي عند ملتقى آسيا وأفريقيا، تجسد هذا المعنى بأصدق صوره، فهي جسر بري بين المشرق والمغرب، وممر حيوي بين دول الخليج وبلاد الشام، وحدودها الممتدة على أكثر من ألف كيلومتر تلامس إسرائيل وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق والسعودية، هذا الموقع الفريد جعل منها نقطة التقاء للحضارات وملتقى للمصالح، لكنه في الوقت نفسه جعلها في صميم كل عاصفة إقليمية، فكل زلزال يهز الجوار يرتد مباشرة على أراضيها، وكل صراع يشتعِل في المنطقة يجد صدى له في عمان، ومع ذلك، استطاع الأردن، بقيادة هاشمية واعية، أن يحوّل هذا الموقع المرهق إلى مصدر نفوذ، ليصبح 'جزيرة استقرار' في بحر من الفوضى, ودولة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية تبحث عن حل.
تهديدات متعددة الجبهات ومأزق أمني غير مسبوق ما يجعل الوضع الأردني استثنائياً هو تعدد مصادر التهديد وتنوعها، بحيث أصبح الأردن اليوم في مواجهة أمنية متكاملة الأطراف لا تشبه أي مرحلة سابقة، فمن الغرب، يواجه مشروعاً إسرائيلياً منظماً يهدف إلى تفريغ السلطة الفلسطينية من مضمونها، وإعادة رسم الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، والنيل من الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، وسط سرديات خطيرة تعيد ترويج فكرة 'الأردن هو الوطن البديل'، ومن الشمال، تطل التهديدات من جنوب سوريا، حيث تحولت المنطقة إلى بؤرة للصراع والنشاط الإجرامي، مع شبكات تهريب مخدرات وأسلحة منظمة، ما دفع الأردن إلى تنفيذ ضربات جوية لحماية حدوده، وفي الوقت نفسه، تحولت البحر الأحمر وخليج العقبة إلى ساحات توتر، مع تداعيات أمنية مباشرة على الممرات المائية الأردنية، هذا التشابك الاستثنائي للتهديدات يجعل من أي خيار للانعزال أو الحياد غير مجدٍ عملياً، ويفرض على الدولة الأردنية إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي بوصفه كياناً متكاملاً لا حدود فاصلة بين أمنه الداخلي واستقرار محيطه الإقليمي.
مواقف جلالة الملك عبدالله الثاني: حكمة القائد وثبات المبادئ يبرز الدور القيادي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في خضم هذه العاصفة كعنوان للثبات والحكمة، حيث نجح في الموازنة بين الدفاع عن الثوابت الوطنية والقضية الفلسطينية من جهة، وإدارة علاقات دولية معقدة من جهة أخرى، فجلالته لم يتوانَ في الدفاع عن القدس ومقدساتها بصفته وصياً هاشمياً، مؤكداً أن
الدكتور خالد محمد السُليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية
الوصاية ليست ورقة سياسية قابلة للتفاوض، بل إرث تاريخي ووجداني راسخ، وفي كل المحافل الدولية، كان صوت الأردن واضحاً: لا سلام دون قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو وعاصمتها القدس الشرقية، ولا استقرار في المنطقة دون إنهاء الاحتلال، لقد أدرك جلالته أن الأمن الأردني مرتبط عضوياً بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وأن أي تهديد للاستقرار في المنطقة لا يخدم إلا قوى الصراع والتطرف، هذا المزيج الفريد من الثبات على المبادئ والانفتاح الدبلوماسي هو ما جعل من الأردن شريكاً محترماً في المعادلات الدولية، وصوتاً مسموعاً في عواصم القرار.
الاقتصاد بين أعباء الجوار ورهانات المستقبل لا يقتصر تأثير الموقع الجيوسياسي على البعد الأمني، بل يمتد ليشمل البنية الاقتصادية برمتها، فالأردن، الذي يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية والاستثمار الأجنبي والسياحة، يجد نفسه في مرمى كل اضطراب إقليمي، فالحرب على غزة والتصعيد بين إيران وإسرائيل تسببا في تراجع النمو الاقتصادي إلى 2.5% عام 2024-2025، مع تعليق رحلات جوية واضطراب ثقة المستثمرين والمستهلكين، وقطاع السياحة، الذي شهد انتعاشاً قبل أكتوبر 2023، تراجع بشكل حاد ليعاود التعافي ببطء في مطلع 2025، لكن التحدي الأكبر يكمن في ملفي المياه والطاقة، حيث يعتمد الأردن على إسرائيل في جزء مهم من احتياجاته المائية والغازية، وهو ما يجعله عرضة للابتزاز في أي لحظة توتر، ورغم المشاريع الطموحة مثل الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، تبقى الحاجة ملحة لتنويع الشراكات الاقتصادية، والتوجه شرقاً نحو تكتلات البريكس وآسيا الوسطى، لتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية التقليدية، وتحويل الموقع الجغرافي من عبء إلى ميزة تنافسية في مجال الخدمات اللوجستية والتجارة العابرة للقارات.
الدبلوماسية الأردنية كأداة نفوذ تتجاوز الوزن المادي ما يميز التجربة الأردنية هو قدرتها على ترجمة موقعها الجغرافي الهش إلى نفوذ دبلوماسي يفوق إمكانياتها المادية، فالدبلوماسية الأردنية، بقيادة جلالة الملك، لم تسعَ يوماً إلى لعب دور 'القوة الكبرى'، بل أتقنت فن كونها 'الدولة التي لا يمكن تجاوزها'، هذا النهج القائم على إدارة المخاطر وبناء شبكة معقدة من العلاقات، مكّن الأردن من لعب دور الوسيط النزيه في كثير من الأزمات، والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف حتى في أوقات القطيعة الإقليمية، وقد تجلى ذلك في رئاسة الأردن للدورة 163 لمجلس جامعة الدول العربية، حيث قاد جهوداً لتوحيد الموقف العربي الرافض للعدوان الإسرائيلي، ودعم استقرار لبنان وسوريا ورفض مخططات التقسيم، هذه المكانة الدبلوماسية الرفيعة جعلت من عمان مقصداً للقادة ولقاءات الدول الكبرى، حيث أن إنشاء مكتب اتصال للناتو في عمان يعكس الثقة الدولية بدور الأردن المحوري في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
في الختام ... فإن المملكة الأردنية الهاشمية تبقى في زمن تتهاوى فيه الخرائط وتتغير التحالفات وتعيد القوى الكبرى ترتيب أوراقها في الشرق الأوسط تبقى صامدة ليس بفضل موقعها الجغرافي وحده بل بإرادة قيادة هاشمية أدركت أن الجغرافيا ليست قدراً محتوماً بل أرضاً تُزرع بالأفعال، المملكة الأردنية الهاشمية، التي وقفت طويلاً عند مفترق الطرق بين الشرق والغرب، بين النزاعات والحلول، بين التحديات والفرص، تثبت اليوم أن الاستقرار ليس هبة بل قرار، وأن السيادة ليست كلمة في دساتير بل ممارسة يومية في مواجهة أطماع الجيران ومتغيرات العصر، في عالم يبحث عن بوصلته في خضم الفوضى، يظل الأردن صوت العقل المعتدل، وموئل الأمان، وشاهداً على حقيقة لا تقبل النسيان: أن هوية هذه الأمة العربية ليست رهناً بمشاريع التقسيم، وأن القدس ستبقى عربية، وأن الفلسطينيين سيبقون على أرضهم مهما طال الزمن، هذا هو الأردن، وهذه هي رسالته التي لا تتغير.
توصيات لصناع القرار الاستراتيجي في الدولة الأردنية 1. إعادة تعريف الأمن القومي كمنظومة متكاملة تُجاوز النظرة الأمنية التقليدية إلى مفهوم شامل يربط الأمن العسكري بالأمن المائي والغذائي والطاقي، مع وضع سيناريوهات استباقية للتعامل مع أي تصعيد إقليمي يؤثر على السيادة الوطنية. 2. فك الارتهان الاستراتيجي للمياه والطاقة والإسراع في تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، والاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وتنويع مصادر استيراد الغاز، لكسر أي إمكانية للابتزاز الإسرائيلي في هذين الملفين الحيويين. 3. تنويع الشراكات الدولية والتوجه شرقاً بالانخراط الفاعل في تكتلات البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وبناء شراكات اقتصادية مع الصين والهند ودول آسيا الوسطى، لتقليل الاعتماد على الغرب وفتح أسواق جديدة للصادرات الأردنية. 4. تعزيز الردع الدبلوماسي والقانوني بتفعيل التحركات القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية لحماية الوصاية الهاشمية على المقدسات، ومواجهة سرديات 'الأردن وطن بديل'، مع بناء تحالفات أوروبية وعربية لدعم حل الدولتين. 5. تطوير القدرات الدفاعية والاستخباراتية ومواصلة تحديث القوات المسلحة الأردنية وقدراتها الدفاعية، وتعزيز التنسيق الأمني مع الحلفاء لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، خاصة على الجبهة الشمالية مع سوريا، مع التركيز على حماية البنية التحتية الحيوية من أي تهديدات مستقبلية. 6. إطلاق حوار وطني استراتيجي حول مستقبل الأردن بتشكيل هيئة وطنية تضم خبراء وأكاديميين وصناع قرار، لوضع رؤية استراتيجية طويلة المدى للأردن حتى عام 2050، تستشرف المتغيرات الإقليمية والدولية وتحدد مسارات التنمية والأمن والسياسة الخارجية، لتكون الأردن دولة فاعلة لا متفاعلة فقط.
التعليقات
المملكة الأردنية الهاشمية .. موقعها الجيوسياسي وتأثرها بالتطورات الإقليمية والدولية
 
طريقة العرض :
كامل
الصورة الرئيسية فقط
بدون صور
اظهار التعليقات
التعليقات