سهم محمد العبادي
أمس، وأنا أتابع المصريين وهم يحتفلون بنصر أكتوبر، شعرت أنني أمام شعب لا يستعيد ذكرى مضت، وإنما يستعيد نفسه. من القاهرة إلى الإسكندرية، ومن مدن القناة إلى الصعيد والدلتا، كانت الحكاية واحدة: مصر تتذكر اليوم الذي عبر فيه جنودها القناة، وأسقطوا وهم القوة التي لا تُقهر، وكتبوا بدمائهم واحدة من أعظم صفحات العسكرية العربية.
كان لافتًا أن أكتوبر جمع المصريين جميعًا. الكبير الذي عاش أيام الحرب، والشاب الذي عرفها من أبيه وجده، والطفل الذي يرفع العلم ويحفظ أسماء الأبطال. اختلافات الحياة اليومية بقيت خارج المشهد، لأن هناك أشياء عند المصريين «مفيهاش كلام»، ومصر واحدة منها، وجيشها واحد منها، وأكتوبر في مقدمتها.
أحببت في احتفالات الأمس أن المصريين لم يتعاملوا مع النصر باعتباره صورة قديمة معلقة على جدار التاريخ. كانوا يتحدثون عنه وكأنه حدث بالأمس، يروون حكايات الجنود، وينشرون صورهم، ويستعيدون أصوات المقاتلين ووجوه الأمهات وفرحة الناس. وكأن مصر تقول لكل من يقرأ تاريخها: إحنا فاكرين، وفاكرين كويس.
في أكتوبر لم ينتصر السلاح وحده. انتصر المصري الذي رفض أن تتحول هزيمة عابرة إلى قدر دائم. الفلاح والعامل والمهندس والطبيب والجندي والأم التي دفعت بابنها إلى الجبهة، وشعب كامل عاش سنوات الاستنزاف وانتظر ساعة العبور. ولهذا ظل النصر ملكًا لكل بيت مصري، وليس حكاية محفوظة في الكتب.
ومن يعرف المصريين يعرف أن خفة دمهم وضحكتهم وحبهم للحياة لا تعني أن أحدًا يستطيع الاقتراب من أرضهم. «وقت الجد كله بيبان»، وفي أكتوبر بان معدن هذا الشعب. وإذا فكر عدو يومًا في إعادة التجربة، فذاكرة المصريين تقول إن أبناء الذين عبروا عام 1973 موجودون، وإن مصر التي صنعت رجال أكتوبر قادرة على أن تصنع رجالًا يدافعون عنها كلما ناداهم الوطن.
أنا أردني، لكن لم أشعر يومًا أن أكتوبر انتصار يخص مصر وحدها. في تلك الحرب كان الدم العربي واحدًا، وكان للجندي الأردني والعربي موقعه في معركة الكرامة العربية. وحين أرى المصريين يحتفلون، أفرح بهم ومن أجلهم، لأن مصر بالنسبة لنا أكبر من حدود الجغرافيا؛ هي قلب عربي إذا فرح امتدت فرحته إلينا، وإذا انتصر شعرنا أن جزءًا منا هو الذي انتصر.
سلام على مصر، وعلى جيش مصر، وعلى كل أم مصرية ودعت ابنها وقالت له: ارجع بالنصر. سلام على الرجال الذين عبروا، وعلى الشهداء الذين بقيت أسماؤهم على الضفة الأخرى تحرس الحكاية.
وكل سنة وإنتِ طيبة يا مصر، قوية بأهلك، عزيزة بجيشك، ومحفوظة بشعب إذا قال «تحيا مصر» يعرف تمامًا كم دفع من أجل أن تبقى مصر حرة مرفوعة الرأس.
سهم محمد العبادي
أمس، وأنا أتابع المصريين وهم يحتفلون بنصر أكتوبر، شعرت أنني أمام شعب لا يستعيد ذكرى مضت، وإنما يستعيد نفسه. من القاهرة إلى الإسكندرية، ومن مدن القناة إلى الصعيد والدلتا، كانت الحكاية واحدة: مصر تتذكر اليوم الذي عبر فيه جنودها القناة، وأسقطوا وهم القوة التي لا تُقهر، وكتبوا بدمائهم واحدة من أعظم صفحات العسكرية العربية.
كان لافتًا أن أكتوبر جمع المصريين جميعًا. الكبير الذي عاش أيام الحرب، والشاب الذي عرفها من أبيه وجده، والطفل الذي يرفع العلم ويحفظ أسماء الأبطال. اختلافات الحياة اليومية بقيت خارج المشهد، لأن هناك أشياء عند المصريين «مفيهاش كلام»، ومصر واحدة منها، وجيشها واحد منها، وأكتوبر في مقدمتها.
أحببت في احتفالات الأمس أن المصريين لم يتعاملوا مع النصر باعتباره صورة قديمة معلقة على جدار التاريخ. كانوا يتحدثون عنه وكأنه حدث بالأمس، يروون حكايات الجنود، وينشرون صورهم، ويستعيدون أصوات المقاتلين ووجوه الأمهات وفرحة الناس. وكأن مصر تقول لكل من يقرأ تاريخها: إحنا فاكرين، وفاكرين كويس.
في أكتوبر لم ينتصر السلاح وحده. انتصر المصري الذي رفض أن تتحول هزيمة عابرة إلى قدر دائم. الفلاح والعامل والمهندس والطبيب والجندي والأم التي دفعت بابنها إلى الجبهة، وشعب كامل عاش سنوات الاستنزاف وانتظر ساعة العبور. ولهذا ظل النصر ملكًا لكل بيت مصري، وليس حكاية محفوظة في الكتب.
ومن يعرف المصريين يعرف أن خفة دمهم وضحكتهم وحبهم للحياة لا تعني أن أحدًا يستطيع الاقتراب من أرضهم. «وقت الجد كله بيبان»، وفي أكتوبر بان معدن هذا الشعب. وإذا فكر عدو يومًا في إعادة التجربة، فذاكرة المصريين تقول إن أبناء الذين عبروا عام 1973 موجودون، وإن مصر التي صنعت رجال أكتوبر قادرة على أن تصنع رجالًا يدافعون عنها كلما ناداهم الوطن.
أنا أردني، لكن لم أشعر يومًا أن أكتوبر انتصار يخص مصر وحدها. في تلك الحرب كان الدم العربي واحدًا، وكان للجندي الأردني والعربي موقعه في معركة الكرامة العربية. وحين أرى المصريين يحتفلون، أفرح بهم ومن أجلهم، لأن مصر بالنسبة لنا أكبر من حدود الجغرافيا؛ هي قلب عربي إذا فرح امتدت فرحته إلينا، وإذا انتصر شعرنا أن جزءًا منا هو الذي انتصر.
سلام على مصر، وعلى جيش مصر، وعلى كل أم مصرية ودعت ابنها وقالت له: ارجع بالنصر. سلام على الرجال الذين عبروا، وعلى الشهداء الذين بقيت أسماؤهم على الضفة الأخرى تحرس الحكاية.
وكل سنة وإنتِ طيبة يا مصر، قوية بأهلك، عزيزة بجيشك، ومحفوظة بشعب إذا قال «تحيا مصر» يعرف تمامًا كم دفع من أجل أن تبقى مصر حرة مرفوعة الرأس.
سهم محمد العبادي
أمس، وأنا أتابع المصريين وهم يحتفلون بنصر أكتوبر، شعرت أنني أمام شعب لا يستعيد ذكرى مضت، وإنما يستعيد نفسه. من القاهرة إلى الإسكندرية، ومن مدن القناة إلى الصعيد والدلتا، كانت الحكاية واحدة: مصر تتذكر اليوم الذي عبر فيه جنودها القناة، وأسقطوا وهم القوة التي لا تُقهر، وكتبوا بدمائهم واحدة من أعظم صفحات العسكرية العربية.
كان لافتًا أن أكتوبر جمع المصريين جميعًا. الكبير الذي عاش أيام الحرب، والشاب الذي عرفها من أبيه وجده، والطفل الذي يرفع العلم ويحفظ أسماء الأبطال. اختلافات الحياة اليومية بقيت خارج المشهد، لأن هناك أشياء عند المصريين «مفيهاش كلام»، ومصر واحدة منها، وجيشها واحد منها، وأكتوبر في مقدمتها.
أحببت في احتفالات الأمس أن المصريين لم يتعاملوا مع النصر باعتباره صورة قديمة معلقة على جدار التاريخ. كانوا يتحدثون عنه وكأنه حدث بالأمس، يروون حكايات الجنود، وينشرون صورهم، ويستعيدون أصوات المقاتلين ووجوه الأمهات وفرحة الناس. وكأن مصر تقول لكل من يقرأ تاريخها: إحنا فاكرين، وفاكرين كويس.
في أكتوبر لم ينتصر السلاح وحده. انتصر المصري الذي رفض أن تتحول هزيمة عابرة إلى قدر دائم. الفلاح والعامل والمهندس والطبيب والجندي والأم التي دفعت بابنها إلى الجبهة، وشعب كامل عاش سنوات الاستنزاف وانتظر ساعة العبور. ولهذا ظل النصر ملكًا لكل بيت مصري، وليس حكاية محفوظة في الكتب.
ومن يعرف المصريين يعرف أن خفة دمهم وضحكتهم وحبهم للحياة لا تعني أن أحدًا يستطيع الاقتراب من أرضهم. «وقت الجد كله بيبان»، وفي أكتوبر بان معدن هذا الشعب. وإذا فكر عدو يومًا في إعادة التجربة، فذاكرة المصريين تقول إن أبناء الذين عبروا عام 1973 موجودون، وإن مصر التي صنعت رجال أكتوبر قادرة على أن تصنع رجالًا يدافعون عنها كلما ناداهم الوطن.
أنا أردني، لكن لم أشعر يومًا أن أكتوبر انتصار يخص مصر وحدها. في تلك الحرب كان الدم العربي واحدًا، وكان للجندي الأردني والعربي موقعه في معركة الكرامة العربية. وحين أرى المصريين يحتفلون، أفرح بهم ومن أجلهم، لأن مصر بالنسبة لنا أكبر من حدود الجغرافيا؛ هي قلب عربي إذا فرح امتدت فرحته إلينا، وإذا انتصر شعرنا أن جزءًا منا هو الذي انتصر.
سلام على مصر، وعلى جيش مصر، وعلى كل أم مصرية ودعت ابنها وقالت له: ارجع بالنصر. سلام على الرجال الذين عبروا، وعلى الشهداء الذين بقيت أسماؤهم على الضفة الأخرى تحرس الحكاية.
وكل سنة وإنتِ طيبة يا مصر، قوية بأهلك، عزيزة بجيشك، ومحفوظة بشعب إذا قال «تحيا مصر» يعرف تمامًا كم دفع من أجل أن تبقى مصر حرة مرفوعة الرأس.
التعليقات