أخبار اليوم – إعداد خاص - «هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثر مما قدم ضباط الموساد مجتمعين»، عبارة نُسبت إلى رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير وهي تتحدث عن هبة سليم، بينما نُسب إلى الرئيس المصري أنور السادات قوله لرجال المخابرات: «مش عارف أدخل الحرب قبل ما تقبضوا على البت دي». وبين العبارتين تختصر واحدة من أخطر قصص التجسس التي سبقت حرب أكتوبر، بعدما تمكنت شابة مصرية من تجنيد ضابط في القوات المسلحة والوصول عبره إلى معلومات عسكرية بالغة الحساسية، قبل أن تنجح المخابرات المصرية في استدراجها من أوروبا وإعادتها إلى القاهرة.
ولدت هبة سليم في حي المهندسين بالقاهرة لأسرة ميسورة، وكان والدها يشغل منصب وكيل وزارة التربية والتعليم. أمضت جانباً من طفولتها وشبابها في نادي الجزيرة، وبعد حصولها على الثانوية العامة سافرت إلى فرنسا لاستكمال دراستها، وهناك بدأت الرحلة التي ستنقلها من حياة طالبة مصرية في باريس إلى العمل مع جهاز المخابرات الإسرائيلي.
تعرفت هبة في فرنسا إلى فتاة يهودية من أصول بولندية، وتوطدت علاقتهما حتى دعتها صديقتها إلى سهرة في منزلها حضرها عدد من الشباب اليهود. دار الحديث خلال اللقاء عن الصراع العربي الإسرائيلي، وأبدت هبة مواقف معادية للعرب والحرب، وهو ما أثار اهتمام الدائرة المحيطة بها وفتح الطريق أمام لقاءات أخرى انتهت باتصالها بالموساد.
وخلال لقاء مع ضابط إسرائيلي، دار الحديث عن إمكانية تعاونها مع إسرائيل. لم يحتج الأمر، وفق الروايات التي تناولت القضية، إلى إغراء مالي كبير، فقد أبدت هبة استعدادها للتعاون عن قناعة، ثم كشفت أمام ضابط الموساد ورقتها الأخطر: ضابط مصري برتبة مقدم يحبها بشدة ويمكنها التأثير عليه.
كان ذلك الضابط هو فاروق الفقي، مقدم مهندس في القوات المسلحة المصرية، يعمل في موقع حساس وقريب من دوائر عسكرية تتيح له الاطلاع على معلومات وعمليات لا تتاح إلا لعدد محدود من الضباط. أدرك الموساد سريعاً قيمة الرجل، وكلف هبة بمهمة الاقتراب منه وتجنيده.
عادت هبة إلى مصر، والتقت بالفقي الذي كان يحمل تجاهها مشاعر قوية. تغير موقفها منه بصورة مفاجئة، وأبدت موافقتها على الارتباط به، لتبدأ مرحلة جديدة انتقلت خلالها العلاقة من الجانب العاطفي إلى الحصول على المعلومات العسكرية.
بدأ الفقي يتحدث معها عن عمله، ثم اتسعت دائرة المعلومات التي يقدمها لها، خاصة ما يتعلق بالدفاعات المصرية ومواقع الصواريخ التي حصلت عليها مصر من الاتحاد السوفيتي. كانت هبة تنقل ما يصل إليها إلى الجانب الإسرائيلي، ومع الوقت أصبح الفقي جزءاً مباشراً من شبكة التجسس.
ووصلت القضية إلى أخطر مراحلها عندما تسربت معلومات وخرائط تتعلق بمواقع منصات صواريخ «سام 6» المضادة للطائرات، وهي من الأسلحة التي كانت مصر تعتمد عليها في بناء منظومة دفاع جوي قادرة على الحد من قدرة الطيران الإسرائيلي على العمل بحرية فوق الأراضي المصرية.
وعندما أراد الإسرائيليون مكافأة هبة على ما قدمته، تذكر الروايات المرتبطة بالقضية أنها رفضت الحصول على المال، مؤكدة أنها تعمل معهم عن اقتناع. وكانت تلك القناعة بالنسبة إلى الموساد عاملاً يزيد من أهميتها، لأنها منحت الجهاز عميلاً يتحرك بدافع يتجاوز المقابل المالي.
في المقابل، كانت القيادة المصرية تراقب أمراً بالغ الخطورة. مواقع تابعة لحائط الصواريخ تتعرض للقصف الإسرائيلي بسرعة غير طبيعية، وبعض المواقع كانت تُستهدف بعد وقت قصير جداً من تجهيزها. أصبح احتمال وجود تسريب من داخل المؤسسة العسكرية فرضية تتعامل معها أجهزة المخابرات بجدية كبيرة.
بدأ البحث عن المصدر، واتسعت دائرة الاشتباه لتشمل كل من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات الخاصة بالمواقع والتحركات العسكرية. وفي إحدى الروايات الأشهر عن كشف الشبكة، لفتت رسالة عاطفية مرسلة إلى هبة في باريس أنظار الجهات المختصة بسبب عبارة تتحدث عن تركيب «إريال الراديو».
كانت كلمة «الإريال» مفتاحاً مهماً، إذ أثارت احتمال وجود جهاز اتصال للإرسال والاستقبال. بدأت عملية التتبع حتى وصلت الأجهزة المصرية إلى شقة فاروق الفقي في منطقة الدقي، وهناك اكتملت أجزاء مهمة من الصورة.
ألقي القبض على الفقي وبدأ التحقيق معه، وانكشفت علاقته بهبة وحجم المعلومات العسكرية التي خرجت من خلاله. صدر بحقه حكم بالإعدام، لكن القضية لم تنته عند الضابط المصري، فقد كان الهدف الأهم هو الوصول إلى هبة الموجودة خارج البلاد وتحت حماية ومتابعة إسرائيلية.
دخل الفريق محمد رفعت جبريل، أحد أبرز رجال المخابرات العامة المصرية، إلى قلب العملية، وبدأت خطة استدراج هبة إلى مكان يمكن القبض عليها فيه. كان والدها موجوداً في ليبيا، فأصبحت هذه النقطة المدخل المناسب لبناء عملية خداع استخبارية دقيقة.
تواصل ضباط مصريون مع والد هبة وأقنعوه باستدعاء ابنته بعد إبلاغها بتعرضه لأزمة صحية خطيرة. أرسل الأب إلى ابنته طالباً منها الحضور إلى ليبيا، لكنها اقترحت نقله إلى باريس للعلاج في أحد المستشفيات الكبرى. أبلغها بأن حالته الصحية لا تسمح له بالسفر.
أبلغت هبة الإسرائيليين بما حدث، فتحركوا للتحقق من حقيقة مرض والدها قبل السماح لها بالسفر. وكانت المخابرات المصرية قد توقعت هذه الخطوة ونسقت مع الجانب الليبي، فجرى إعداد غرفة داخل مستشفى في طرابلس باسم والدها وترتيب التفاصيل التي تؤكد وجوده للعلاج.
تحقق الجانب الإسرائيلي من القصة واطمأن إلى سفرها، وغادرت هبة باريس باتجاه ليبيا وهي تعتقد أنها ذاهبة لرؤية والدها المريض، بينما كان رجال المخابرات المصرية ينتظرون وصولها.
وما إن وصلت حتى أُلقي القبض عليها، لتنتهي عملية الاستدراج بنجاح، ثم أعيدت إلى مصر حيث خضعت للتحقيق والمحاكمة، وصدر بحقها حكم بالإعدام.
هنا خرجت القضية من الغرف الاستخبارية إلى المستوى السياسي. وتقول الروايات المصرية التي تناولت الملف إن جولدا مائير تأثرت بشدة عند معرفتها بالحكم، وسعت إسرائيل إلى إنقاذ هبة، فيما دخل وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر على خط الوساطة لدى الرئيس أنور السادات من أجل تخفيف الحكم.
وتروي القصة الأشهر أن كيسنجر التقى السادات في أسوان وطرح قضية هبة سليم، فجاء رد الرئيس المصري حاسماً بإبلاغه أن الحكم نُفذ، رغم أن التنفيذ لم يكن قد جرى في تلك اللحظة، في خطوة أغلقت باب أي محاولة جديدة للتدخل لإنقاذها.
أما سبب إصرار السادات على إنهاء ملفها قبل الحرب، فارتبط بخطورة الموقع الذي كان يشغله فاروق الفقي وقدرته على الوصول إلى معلومات يمكن أن تكشف جانباً من التحضيرات العسكرية المصرية. وتذكر الروايات المرتبطة بالفريق محمد رفعت جبريل أن استمرار الشبكة كان يمكن أن يمنح إسرائيل معلومات شديدة الخطورة مع اقتراب ساعة الصفر لحرب أكتوبر.
كان الفقي قريباً من غرفة العمليات ومن الدوائر التي يمكن أن تصل إليها معلومات عن توقيت الحرب، كما ارتبط اسمه بمهام فنية حساسة متعلقة بخطط التعامل مع التحصينات الإسرائيلية على خط بارليف. ومع بقاء هبة حرة واستمرار قناة الاتصال، كان احتمال وصول مثل هذه المعلومات إلى إسرائيل يمثل خطراً مباشراً على عنصر المفاجأة الذي قامت عليه الخطة المصرية.
انتهت قصة هبة سليم بحكم الإعدام، لكن اسمها بقي مرتبطاً بواحدة من أشهر معارك المخابرات المصرية مع الموساد. شابة بدأت رحلتها من القاهرة إلى باريس، ثم دخلت عالم التجسس وجندت ضابطاً داخل القوات المسلحة، ووصلت إلى أسرار عسكرية حاولت إسرائيل استثمارها، قبل أن يقلب رجال المخابرات المصرية المشهد ويستدرجوها عبر عملية بدأت بمرض أب مصطنع في طرابلس وانتهت بعودتها إلى القاهرة.
قصة هبة سليم لم تكن مجرد مطاردة جاسوسة، فقد جرت في مرحلة كانت مصر تخفي فيها استعداداتها لمعركة ستغير مسار الصراع في المنطقة. ولهذا بقيت العبارة المنسوبة إلى السادات عن ضرورة القبض عليها قبل دخول الحرب مفتاحاً لفهم حجم الخطر الذي مثله استمرار وجودها خارج قبضة المخابرات المصرية.
أخبار اليوم – إعداد خاص - «هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثر مما قدم ضباط الموساد مجتمعين»، عبارة نُسبت إلى رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير وهي تتحدث عن هبة سليم، بينما نُسب إلى الرئيس المصري أنور السادات قوله لرجال المخابرات: «مش عارف أدخل الحرب قبل ما تقبضوا على البت دي». وبين العبارتين تختصر واحدة من أخطر قصص التجسس التي سبقت حرب أكتوبر، بعدما تمكنت شابة مصرية من تجنيد ضابط في القوات المسلحة والوصول عبره إلى معلومات عسكرية بالغة الحساسية، قبل أن تنجح المخابرات المصرية في استدراجها من أوروبا وإعادتها إلى القاهرة.
ولدت هبة سليم في حي المهندسين بالقاهرة لأسرة ميسورة، وكان والدها يشغل منصب وكيل وزارة التربية والتعليم. أمضت جانباً من طفولتها وشبابها في نادي الجزيرة، وبعد حصولها على الثانوية العامة سافرت إلى فرنسا لاستكمال دراستها، وهناك بدأت الرحلة التي ستنقلها من حياة طالبة مصرية في باريس إلى العمل مع جهاز المخابرات الإسرائيلي.
تعرفت هبة في فرنسا إلى فتاة يهودية من أصول بولندية، وتوطدت علاقتهما حتى دعتها صديقتها إلى سهرة في منزلها حضرها عدد من الشباب اليهود. دار الحديث خلال اللقاء عن الصراع العربي الإسرائيلي، وأبدت هبة مواقف معادية للعرب والحرب، وهو ما أثار اهتمام الدائرة المحيطة بها وفتح الطريق أمام لقاءات أخرى انتهت باتصالها بالموساد.
وخلال لقاء مع ضابط إسرائيلي، دار الحديث عن إمكانية تعاونها مع إسرائيل. لم يحتج الأمر، وفق الروايات التي تناولت القضية، إلى إغراء مالي كبير، فقد أبدت هبة استعدادها للتعاون عن قناعة، ثم كشفت أمام ضابط الموساد ورقتها الأخطر: ضابط مصري برتبة مقدم يحبها بشدة ويمكنها التأثير عليه.
كان ذلك الضابط هو فاروق الفقي، مقدم مهندس في القوات المسلحة المصرية، يعمل في موقع حساس وقريب من دوائر عسكرية تتيح له الاطلاع على معلومات وعمليات لا تتاح إلا لعدد محدود من الضباط. أدرك الموساد سريعاً قيمة الرجل، وكلف هبة بمهمة الاقتراب منه وتجنيده.
عادت هبة إلى مصر، والتقت بالفقي الذي كان يحمل تجاهها مشاعر قوية. تغير موقفها منه بصورة مفاجئة، وأبدت موافقتها على الارتباط به، لتبدأ مرحلة جديدة انتقلت خلالها العلاقة من الجانب العاطفي إلى الحصول على المعلومات العسكرية.
بدأ الفقي يتحدث معها عن عمله، ثم اتسعت دائرة المعلومات التي يقدمها لها، خاصة ما يتعلق بالدفاعات المصرية ومواقع الصواريخ التي حصلت عليها مصر من الاتحاد السوفيتي. كانت هبة تنقل ما يصل إليها إلى الجانب الإسرائيلي، ومع الوقت أصبح الفقي جزءاً مباشراً من شبكة التجسس.
ووصلت القضية إلى أخطر مراحلها عندما تسربت معلومات وخرائط تتعلق بمواقع منصات صواريخ «سام 6» المضادة للطائرات، وهي من الأسلحة التي كانت مصر تعتمد عليها في بناء منظومة دفاع جوي قادرة على الحد من قدرة الطيران الإسرائيلي على العمل بحرية فوق الأراضي المصرية.
وعندما أراد الإسرائيليون مكافأة هبة على ما قدمته، تذكر الروايات المرتبطة بالقضية أنها رفضت الحصول على المال، مؤكدة أنها تعمل معهم عن اقتناع. وكانت تلك القناعة بالنسبة إلى الموساد عاملاً يزيد من أهميتها، لأنها منحت الجهاز عميلاً يتحرك بدافع يتجاوز المقابل المالي.
في المقابل، كانت القيادة المصرية تراقب أمراً بالغ الخطورة. مواقع تابعة لحائط الصواريخ تتعرض للقصف الإسرائيلي بسرعة غير طبيعية، وبعض المواقع كانت تُستهدف بعد وقت قصير جداً من تجهيزها. أصبح احتمال وجود تسريب من داخل المؤسسة العسكرية فرضية تتعامل معها أجهزة المخابرات بجدية كبيرة.
بدأ البحث عن المصدر، واتسعت دائرة الاشتباه لتشمل كل من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات الخاصة بالمواقع والتحركات العسكرية. وفي إحدى الروايات الأشهر عن كشف الشبكة، لفتت رسالة عاطفية مرسلة إلى هبة في باريس أنظار الجهات المختصة بسبب عبارة تتحدث عن تركيب «إريال الراديو».
كانت كلمة «الإريال» مفتاحاً مهماً، إذ أثارت احتمال وجود جهاز اتصال للإرسال والاستقبال. بدأت عملية التتبع حتى وصلت الأجهزة المصرية إلى شقة فاروق الفقي في منطقة الدقي، وهناك اكتملت أجزاء مهمة من الصورة.
ألقي القبض على الفقي وبدأ التحقيق معه، وانكشفت علاقته بهبة وحجم المعلومات العسكرية التي خرجت من خلاله. صدر بحقه حكم بالإعدام، لكن القضية لم تنته عند الضابط المصري، فقد كان الهدف الأهم هو الوصول إلى هبة الموجودة خارج البلاد وتحت حماية ومتابعة إسرائيلية.
دخل الفريق محمد رفعت جبريل، أحد أبرز رجال المخابرات العامة المصرية، إلى قلب العملية، وبدأت خطة استدراج هبة إلى مكان يمكن القبض عليها فيه. كان والدها موجوداً في ليبيا، فأصبحت هذه النقطة المدخل المناسب لبناء عملية خداع استخبارية دقيقة.
تواصل ضباط مصريون مع والد هبة وأقنعوه باستدعاء ابنته بعد إبلاغها بتعرضه لأزمة صحية خطيرة. أرسل الأب إلى ابنته طالباً منها الحضور إلى ليبيا، لكنها اقترحت نقله إلى باريس للعلاج في أحد المستشفيات الكبرى. أبلغها بأن حالته الصحية لا تسمح له بالسفر.
أبلغت هبة الإسرائيليين بما حدث، فتحركوا للتحقق من حقيقة مرض والدها قبل السماح لها بالسفر. وكانت المخابرات المصرية قد توقعت هذه الخطوة ونسقت مع الجانب الليبي، فجرى إعداد غرفة داخل مستشفى في طرابلس باسم والدها وترتيب التفاصيل التي تؤكد وجوده للعلاج.
تحقق الجانب الإسرائيلي من القصة واطمأن إلى سفرها، وغادرت هبة باريس باتجاه ليبيا وهي تعتقد أنها ذاهبة لرؤية والدها المريض، بينما كان رجال المخابرات المصرية ينتظرون وصولها.
وما إن وصلت حتى أُلقي القبض عليها، لتنتهي عملية الاستدراج بنجاح، ثم أعيدت إلى مصر حيث خضعت للتحقيق والمحاكمة، وصدر بحقها حكم بالإعدام.
هنا خرجت القضية من الغرف الاستخبارية إلى المستوى السياسي. وتقول الروايات المصرية التي تناولت الملف إن جولدا مائير تأثرت بشدة عند معرفتها بالحكم، وسعت إسرائيل إلى إنقاذ هبة، فيما دخل وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر على خط الوساطة لدى الرئيس أنور السادات من أجل تخفيف الحكم.
وتروي القصة الأشهر أن كيسنجر التقى السادات في أسوان وطرح قضية هبة سليم، فجاء رد الرئيس المصري حاسماً بإبلاغه أن الحكم نُفذ، رغم أن التنفيذ لم يكن قد جرى في تلك اللحظة، في خطوة أغلقت باب أي محاولة جديدة للتدخل لإنقاذها.
أما سبب إصرار السادات على إنهاء ملفها قبل الحرب، فارتبط بخطورة الموقع الذي كان يشغله فاروق الفقي وقدرته على الوصول إلى معلومات يمكن أن تكشف جانباً من التحضيرات العسكرية المصرية. وتذكر الروايات المرتبطة بالفريق محمد رفعت جبريل أن استمرار الشبكة كان يمكن أن يمنح إسرائيل معلومات شديدة الخطورة مع اقتراب ساعة الصفر لحرب أكتوبر.
كان الفقي قريباً من غرفة العمليات ومن الدوائر التي يمكن أن تصل إليها معلومات عن توقيت الحرب، كما ارتبط اسمه بمهام فنية حساسة متعلقة بخطط التعامل مع التحصينات الإسرائيلية على خط بارليف. ومع بقاء هبة حرة واستمرار قناة الاتصال، كان احتمال وصول مثل هذه المعلومات إلى إسرائيل يمثل خطراً مباشراً على عنصر المفاجأة الذي قامت عليه الخطة المصرية.
انتهت قصة هبة سليم بحكم الإعدام، لكن اسمها بقي مرتبطاً بواحدة من أشهر معارك المخابرات المصرية مع الموساد. شابة بدأت رحلتها من القاهرة إلى باريس، ثم دخلت عالم التجسس وجندت ضابطاً داخل القوات المسلحة، ووصلت إلى أسرار عسكرية حاولت إسرائيل استثمارها، قبل أن يقلب رجال المخابرات المصرية المشهد ويستدرجوها عبر عملية بدأت بمرض أب مصطنع في طرابلس وانتهت بعودتها إلى القاهرة.
قصة هبة سليم لم تكن مجرد مطاردة جاسوسة، فقد جرت في مرحلة كانت مصر تخفي فيها استعداداتها لمعركة ستغير مسار الصراع في المنطقة. ولهذا بقيت العبارة المنسوبة إلى السادات عن ضرورة القبض عليها قبل دخول الحرب مفتاحاً لفهم حجم الخطر الذي مثله استمرار وجودها خارج قبضة المخابرات المصرية.
أخبار اليوم – إعداد خاص - «هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثر مما قدم ضباط الموساد مجتمعين»، عبارة نُسبت إلى رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير وهي تتحدث عن هبة سليم، بينما نُسب إلى الرئيس المصري أنور السادات قوله لرجال المخابرات: «مش عارف أدخل الحرب قبل ما تقبضوا على البت دي». وبين العبارتين تختصر واحدة من أخطر قصص التجسس التي سبقت حرب أكتوبر، بعدما تمكنت شابة مصرية من تجنيد ضابط في القوات المسلحة والوصول عبره إلى معلومات عسكرية بالغة الحساسية، قبل أن تنجح المخابرات المصرية في استدراجها من أوروبا وإعادتها إلى القاهرة.
ولدت هبة سليم في حي المهندسين بالقاهرة لأسرة ميسورة، وكان والدها يشغل منصب وكيل وزارة التربية والتعليم. أمضت جانباً من طفولتها وشبابها في نادي الجزيرة، وبعد حصولها على الثانوية العامة سافرت إلى فرنسا لاستكمال دراستها، وهناك بدأت الرحلة التي ستنقلها من حياة طالبة مصرية في باريس إلى العمل مع جهاز المخابرات الإسرائيلي.
تعرفت هبة في فرنسا إلى فتاة يهودية من أصول بولندية، وتوطدت علاقتهما حتى دعتها صديقتها إلى سهرة في منزلها حضرها عدد من الشباب اليهود. دار الحديث خلال اللقاء عن الصراع العربي الإسرائيلي، وأبدت هبة مواقف معادية للعرب والحرب، وهو ما أثار اهتمام الدائرة المحيطة بها وفتح الطريق أمام لقاءات أخرى انتهت باتصالها بالموساد.
وخلال لقاء مع ضابط إسرائيلي، دار الحديث عن إمكانية تعاونها مع إسرائيل. لم يحتج الأمر، وفق الروايات التي تناولت القضية، إلى إغراء مالي كبير، فقد أبدت هبة استعدادها للتعاون عن قناعة، ثم كشفت أمام ضابط الموساد ورقتها الأخطر: ضابط مصري برتبة مقدم يحبها بشدة ويمكنها التأثير عليه.
كان ذلك الضابط هو فاروق الفقي، مقدم مهندس في القوات المسلحة المصرية، يعمل في موقع حساس وقريب من دوائر عسكرية تتيح له الاطلاع على معلومات وعمليات لا تتاح إلا لعدد محدود من الضباط. أدرك الموساد سريعاً قيمة الرجل، وكلف هبة بمهمة الاقتراب منه وتجنيده.
عادت هبة إلى مصر، والتقت بالفقي الذي كان يحمل تجاهها مشاعر قوية. تغير موقفها منه بصورة مفاجئة، وأبدت موافقتها على الارتباط به، لتبدأ مرحلة جديدة انتقلت خلالها العلاقة من الجانب العاطفي إلى الحصول على المعلومات العسكرية.
بدأ الفقي يتحدث معها عن عمله، ثم اتسعت دائرة المعلومات التي يقدمها لها، خاصة ما يتعلق بالدفاعات المصرية ومواقع الصواريخ التي حصلت عليها مصر من الاتحاد السوفيتي. كانت هبة تنقل ما يصل إليها إلى الجانب الإسرائيلي، ومع الوقت أصبح الفقي جزءاً مباشراً من شبكة التجسس.
ووصلت القضية إلى أخطر مراحلها عندما تسربت معلومات وخرائط تتعلق بمواقع منصات صواريخ «سام 6» المضادة للطائرات، وهي من الأسلحة التي كانت مصر تعتمد عليها في بناء منظومة دفاع جوي قادرة على الحد من قدرة الطيران الإسرائيلي على العمل بحرية فوق الأراضي المصرية.
وعندما أراد الإسرائيليون مكافأة هبة على ما قدمته، تذكر الروايات المرتبطة بالقضية أنها رفضت الحصول على المال، مؤكدة أنها تعمل معهم عن اقتناع. وكانت تلك القناعة بالنسبة إلى الموساد عاملاً يزيد من أهميتها، لأنها منحت الجهاز عميلاً يتحرك بدافع يتجاوز المقابل المالي.
في المقابل، كانت القيادة المصرية تراقب أمراً بالغ الخطورة. مواقع تابعة لحائط الصواريخ تتعرض للقصف الإسرائيلي بسرعة غير طبيعية، وبعض المواقع كانت تُستهدف بعد وقت قصير جداً من تجهيزها. أصبح احتمال وجود تسريب من داخل المؤسسة العسكرية فرضية تتعامل معها أجهزة المخابرات بجدية كبيرة.
بدأ البحث عن المصدر، واتسعت دائرة الاشتباه لتشمل كل من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات الخاصة بالمواقع والتحركات العسكرية. وفي إحدى الروايات الأشهر عن كشف الشبكة، لفتت رسالة عاطفية مرسلة إلى هبة في باريس أنظار الجهات المختصة بسبب عبارة تتحدث عن تركيب «إريال الراديو».
كانت كلمة «الإريال» مفتاحاً مهماً، إذ أثارت احتمال وجود جهاز اتصال للإرسال والاستقبال. بدأت عملية التتبع حتى وصلت الأجهزة المصرية إلى شقة فاروق الفقي في منطقة الدقي، وهناك اكتملت أجزاء مهمة من الصورة.
ألقي القبض على الفقي وبدأ التحقيق معه، وانكشفت علاقته بهبة وحجم المعلومات العسكرية التي خرجت من خلاله. صدر بحقه حكم بالإعدام، لكن القضية لم تنته عند الضابط المصري، فقد كان الهدف الأهم هو الوصول إلى هبة الموجودة خارج البلاد وتحت حماية ومتابعة إسرائيلية.
دخل الفريق محمد رفعت جبريل، أحد أبرز رجال المخابرات العامة المصرية، إلى قلب العملية، وبدأت خطة استدراج هبة إلى مكان يمكن القبض عليها فيه. كان والدها موجوداً في ليبيا، فأصبحت هذه النقطة المدخل المناسب لبناء عملية خداع استخبارية دقيقة.
تواصل ضباط مصريون مع والد هبة وأقنعوه باستدعاء ابنته بعد إبلاغها بتعرضه لأزمة صحية خطيرة. أرسل الأب إلى ابنته طالباً منها الحضور إلى ليبيا، لكنها اقترحت نقله إلى باريس للعلاج في أحد المستشفيات الكبرى. أبلغها بأن حالته الصحية لا تسمح له بالسفر.
أبلغت هبة الإسرائيليين بما حدث، فتحركوا للتحقق من حقيقة مرض والدها قبل السماح لها بالسفر. وكانت المخابرات المصرية قد توقعت هذه الخطوة ونسقت مع الجانب الليبي، فجرى إعداد غرفة داخل مستشفى في طرابلس باسم والدها وترتيب التفاصيل التي تؤكد وجوده للعلاج.
تحقق الجانب الإسرائيلي من القصة واطمأن إلى سفرها، وغادرت هبة باريس باتجاه ليبيا وهي تعتقد أنها ذاهبة لرؤية والدها المريض، بينما كان رجال المخابرات المصرية ينتظرون وصولها.
وما إن وصلت حتى أُلقي القبض عليها، لتنتهي عملية الاستدراج بنجاح، ثم أعيدت إلى مصر حيث خضعت للتحقيق والمحاكمة، وصدر بحقها حكم بالإعدام.
هنا خرجت القضية من الغرف الاستخبارية إلى المستوى السياسي. وتقول الروايات المصرية التي تناولت الملف إن جولدا مائير تأثرت بشدة عند معرفتها بالحكم، وسعت إسرائيل إلى إنقاذ هبة، فيما دخل وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر على خط الوساطة لدى الرئيس أنور السادات من أجل تخفيف الحكم.
وتروي القصة الأشهر أن كيسنجر التقى السادات في أسوان وطرح قضية هبة سليم، فجاء رد الرئيس المصري حاسماً بإبلاغه أن الحكم نُفذ، رغم أن التنفيذ لم يكن قد جرى في تلك اللحظة، في خطوة أغلقت باب أي محاولة جديدة للتدخل لإنقاذها.
أما سبب إصرار السادات على إنهاء ملفها قبل الحرب، فارتبط بخطورة الموقع الذي كان يشغله فاروق الفقي وقدرته على الوصول إلى معلومات يمكن أن تكشف جانباً من التحضيرات العسكرية المصرية. وتذكر الروايات المرتبطة بالفريق محمد رفعت جبريل أن استمرار الشبكة كان يمكن أن يمنح إسرائيل معلومات شديدة الخطورة مع اقتراب ساعة الصفر لحرب أكتوبر.
كان الفقي قريباً من غرفة العمليات ومن الدوائر التي يمكن أن تصل إليها معلومات عن توقيت الحرب، كما ارتبط اسمه بمهام فنية حساسة متعلقة بخطط التعامل مع التحصينات الإسرائيلية على خط بارليف. ومع بقاء هبة حرة واستمرار قناة الاتصال، كان احتمال وصول مثل هذه المعلومات إلى إسرائيل يمثل خطراً مباشراً على عنصر المفاجأة الذي قامت عليه الخطة المصرية.
انتهت قصة هبة سليم بحكم الإعدام، لكن اسمها بقي مرتبطاً بواحدة من أشهر معارك المخابرات المصرية مع الموساد. شابة بدأت رحلتها من القاهرة إلى باريس، ثم دخلت عالم التجسس وجندت ضابطاً داخل القوات المسلحة، ووصلت إلى أسرار عسكرية حاولت إسرائيل استثمارها، قبل أن يقلب رجال المخابرات المصرية المشهد ويستدرجوها عبر عملية بدأت بمرض أب مصطنع في طرابلس وانتهت بعودتها إلى القاهرة.
قصة هبة سليم لم تكن مجرد مطاردة جاسوسة، فقد جرت في مرحلة كانت مصر تخفي فيها استعداداتها لمعركة ستغير مسار الصراع في المنطقة. ولهذا بقيت العبارة المنسوبة إلى السادات عن ضرورة القبض عليها قبل دخول الحرب مفتاحاً لفهم حجم الخطر الذي مثله استمرار وجودها خارج قبضة المخابرات المصرية.
التعليقات