سهم محمد العبادي
كلما نزلتُ من عيرا ويرقا إلى الغور، خُيّل إليّ أن الطريق يعيدني إلى صباح الحادي والعشرين من آذار 1968. هذه الشونة، وتلك الكرامة، وهناك الكفرين والسويمة، وفي ذاكرة الغور أيضًا داميا والعارضة ونواحيها. أسماءٌ نمرّ بها اليوم في طريقنا إلى أهلٍ أو عمل، ونمرّ بها في ذاكرة آبائنا فنسمع هدير الدبابات ودويّ المدافع. وللجبال المطلة على الغور نصيبها من الحكاية أيضًا. يكفي أن تقف على واحدٍ من تلك المرتفعات وتنظر إلى النهر حتى تفهم شيئًا من معنى أن ترى جيشًا يعبر نحو أرضك، وأن يكون ردّه مسؤوليتك. كان مشهور حديثة الجازي يومها قائد معركة الكرامة، وكانت تلك الأرض في عهدته.
وأنا ابن عيرا ويرقا، حين أكتب عن الكرامة، أكتب عن شيء من ذاكرة قريتي أيضًا. المدفعية السادسة في عيرا ويرقا لها مكانها في هذه الذاكرة. وحين أسمع اسمها، أفكّر في الرجال الذين خدموا فيها، في نداء البوريّة الذي يعرفه أهل المعسكر، وفي المدفع الذي يكون وراء الجندي حين يقترب منه الخطر. لهذا أقرأ معركة الكرامة من جهتين. أراها من الغور حيث وقف مشهور بين جنوده، وأراها من عيرا ويرقا، حيث يبدأ حديثي أنا عن الجيش العربي. ومن يعرف الطريق بين قرانا والغور يعرف كم يبدو قريبًا ذلك التاريخ حين ينظر من الجبل إلى النهر.
وقبل أن يصير قائدًا، كان مشهور طفلًا في مضارب الحويطات جنوبي الأردن، ينشأ في كنف جدّه ويتعلّم القراءة في المجالس. وحين التحق بقوة البادية عام 1943، كان في نحو الخامسة عشرة. أحبّ أن أتوقّف عند هذا الفتى قليلًا. فالرجل الذي سنراه بعد ربع قرن يدير قتال فرقة كاملة بدأ من الطرف الآخر للأمر العسكري، من مكان الجندي الذي يسمع نداء البوريّة، ويحمل بندقيته، ويذهب إلى الموقع الذي كُلّف به. وفي تلك البداية شيء يفسّر مشهورًا القائد. فقد عرف، قبل أن يصير صاحب الأمر، وزن الأمر على كتف الرجل الذي سينفّذه.
ومن الجنوب مضى إلى فلسطين. وهناك عرفته البندقية قبل أن يعرفه الناس قائدًا للكرامة. في ذاكرتي عنه شماغٌ تفوح منه رائحة البارود، وشعارُ الجيش العربي على زيّ ضابطٍ قاتل هناك، واستشهد خاله على تلك الأرض. وعرف مشهور القدس من ضواحيها حيث خدم، ومن بيته حين تزوّج المقدسية يسرى العوضي. وحين أستعيد القدس والخليل ومدن الضفّة في ذاكرة الجيش العربي، أرى كم كان لفلسطين من مكان في حياته. فيها عرف القتال، وفيها فقد خاله، ومنها دخلت القدس بيته. ومن هنا أفهم شيئًا من ثقل المهمة التي حملها حين أُسندت إليه قيادة الفرقة الأولى بعد حرب حزيران 1967. كان عليه أن يعيد تنظيم رجالٍ عادوا من الضفّة، وأن يهيّئهم للقاء الجيش نفسه على الضفّة الشرقية.
تلك، في تقديري، أشقّ لحظة في سيرة مشهور حديثة الجازي. فقبل أن يراه الناس فوق دبابة إسرائيلية إلى جانب الملك الحسين، والتي اشاهدها في مكتب إبنه الدكتور المحامي عمر معلقة على جدار أقرب إلى متحف يروي سيرة وطن وكرامة وأب، كان عليه أن يرى في الرجال العائدين من حزيران جيشًا قادرًا على القتال من جديد. وكان يعرف المدرّعات معرفة من قاد كتيبتها الملكية الثانية عند تعريب قيادة الجيش، ثم شكّل اللواء المدرّع الأربعين وقاده. وفي الغور صار لهذه الخبرة أثرٌ يُرى. فالقائد يحسب أين تستطيع الدبابة أن تتقدّم، وأين يمكن وقفها، وكيف يسند المدفعُ جنديَّ المشاة الذي ينتظرها في موقعه. وحين تبدأ المعركة، يعرف ذلك الجندي قيمة قائده من الإسناد الذي يصله في اللحظة التي يحتاج إليه فيها.
عبرت القوات الإسرائيلية النهر صباح الحادي والعشرين من آذار. وعلى جبهة تجاوز امتدادها مئة كيلومتر، تصدّى الجيش العربي للهجوم. ثبت المشاة، واشتبكت المدرّعات، وضربت المدفعية الأردنية القوات المهاجمة. وعند انقضاء المعركة، انسحب الجيش الإسرائيلي وترك آلياتٍ في الميدان. تلك هي الكرامة التي قادها مشهور حديثة الجازي في الميدان. وعلى أرض الأردن، كسر هو ورجاله أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر»، وحقق الجيش العربي أول انتصار عسكري عربي على إسرائيل بعد هزيمة حزيران. ومن الغور بلغ أثر ذلك النصر العرب والمسلمين. وكان لأبي رمزي مكانه بينهم بصفته القائد الذي أعاد إلى كلمة النصر معناها في زمنٍ ثقُل فيه على الناس حتى أن يتخيّلوه.
وأعود إلى صورة الملك الحسين ومشهور فوق الدبابة الإسرائيلية. تشدّني فيها الدبابة نفسها. قبل ساعات كانت تتحرّك على أرض الأردن بقوّة السلاح الذي تحمله، ثم وقف عليها الحسين وإلى جانبه قائد المعركة. وفي الصورة، كلما أطلت النظر إليها، أبحث عمّن لا يظهرون فيها. عن طاقم المدفع، وعن سائق الدبابة الأردنية، وعن جندي المشاة الذي لم يكن يرى من الجبهة إلا ما يقع أمام بندقيته. بعض أولئك الرجال رجعوا إلى بيوتهم وفي وسعهم أن يرووا ما جرى، وبعضهم ظلّ في تراب الغور. وحين نقول إن مشهورًا حمل الكرامة معه إلى آخر العمر، فإننا نعني أنه حمل يومًا كهذا، برجاله وبما دفعوه من أعمارهم دفاعًا عن أرض الأردن.
بلغ مشهور رئاسة أركان الجيش العربي، ورحل في السادس من تشرين الثاني عام 2001. ومضى على رحيله خمسة وعشرون عامًا، وما زلنا إذا ذكرنا الكرامة ذكرناه في الميدان. نناديه أبا رمزي لأن الذاكرة قرّبته من بيوتنا، ونسمّيه قائد معركة الكرامة لأننا نعرف ثقل القيادة التي حملها. وفي الشونة والكرامة والكفرين والسويمة وداميا والعارضة ونواحيها، يبقى للمكان فضلٌ على الذاكرة. فهو يعيد القائد إلى موضعه بين جنوده، ويعيد الجنود إلى الأرض التي نمرّ بها آمنين اليوم.
وفي السادس من تشرين الثاني هذا العام، وارينا العريف جواد السلايطة في تراب المشيرفة الشمالية. كان جواد على واجبه في عمّان حين باغته منفّذ الاعتداء الإرهابي وطعنه وحاول انتزاع بندقيته. قاومه وهو جريح، وتدخّل رفيقه فأحبط محاولة الاستيلاء على السلاح. في تلك اللحظات كان لجواد موقعٌ عليه أن يحرسه، وبندقيةٌ ائتمنه عليها وطنه، وشعارٌ يحمله على زيّه. أدّى واجبه، ودافع عن بندقيته وصان شرف الشعار حتى أسلم الروح إلى بارئها.
كنتُ أبحث في صورة الدبابة عن جندي المشاة الذي بقي خارج إطارها، فإذا بوداع جواد يعيدني إليه. أراه عند موقعه في الغور، لا يرى من المعركة إلا ما يقع أمام بندقيته، لكنه يعرف أن تلك القطعة من أرض الأردن في عهدته. وبعد كل هذه السنين، رأينا جوادًا عند بابٍ في عمّان يؤدي الواجب نفسه. في الكرامة اجتمع ثبات أولئك الجنود فكان النصر الذي قاده مشهور، وفي عمّان رأينا كرامة الأردن في عريفٍ جريح يقاوم من يحاول انتزاع بندقيته. وحين وارينا جوادًا في المشيرفة، في اليوم الذي نستعيد فيه رحيل مشهور، صار للسادس من تشرين الثاني في ذاكرتنا اسمان.
رحم الله مشهور حديثة الجازي وجواد السلايطة. ومن هنا، كلما ذكرنا في ذكرى رحيله قائد معركة الكرامة وصاحب نصرها، سنستذكر في ذكرى استشهاده جوادًا، العريف الذي صان كرامة الأردن حتى آخر لحظة من عمره.
سهم محمد العبادي
كلما نزلتُ من عيرا ويرقا إلى الغور، خُيّل إليّ أن الطريق يعيدني إلى صباح الحادي والعشرين من آذار 1968. هذه الشونة، وتلك الكرامة، وهناك الكفرين والسويمة، وفي ذاكرة الغور أيضًا داميا والعارضة ونواحيها. أسماءٌ نمرّ بها اليوم في طريقنا إلى أهلٍ أو عمل، ونمرّ بها في ذاكرة آبائنا فنسمع هدير الدبابات ودويّ المدافع. وللجبال المطلة على الغور نصيبها من الحكاية أيضًا. يكفي أن تقف على واحدٍ من تلك المرتفعات وتنظر إلى النهر حتى تفهم شيئًا من معنى أن ترى جيشًا يعبر نحو أرضك، وأن يكون ردّه مسؤوليتك. كان مشهور حديثة الجازي يومها قائد معركة الكرامة، وكانت تلك الأرض في عهدته.
وأنا ابن عيرا ويرقا، حين أكتب عن الكرامة، أكتب عن شيء من ذاكرة قريتي أيضًا. المدفعية السادسة في عيرا ويرقا لها مكانها في هذه الذاكرة. وحين أسمع اسمها، أفكّر في الرجال الذين خدموا فيها، في نداء البوريّة الذي يعرفه أهل المعسكر، وفي المدفع الذي يكون وراء الجندي حين يقترب منه الخطر. لهذا أقرأ معركة الكرامة من جهتين. أراها من الغور حيث وقف مشهور بين جنوده، وأراها من عيرا ويرقا، حيث يبدأ حديثي أنا عن الجيش العربي. ومن يعرف الطريق بين قرانا والغور يعرف كم يبدو قريبًا ذلك التاريخ حين ينظر من الجبل إلى النهر.
وقبل أن يصير قائدًا، كان مشهور طفلًا في مضارب الحويطات جنوبي الأردن، ينشأ في كنف جدّه ويتعلّم القراءة في المجالس. وحين التحق بقوة البادية عام 1943، كان في نحو الخامسة عشرة. أحبّ أن أتوقّف عند هذا الفتى قليلًا. فالرجل الذي سنراه بعد ربع قرن يدير قتال فرقة كاملة بدأ من الطرف الآخر للأمر العسكري، من مكان الجندي الذي يسمع نداء البوريّة، ويحمل بندقيته، ويذهب إلى الموقع الذي كُلّف به. وفي تلك البداية شيء يفسّر مشهورًا القائد. فقد عرف، قبل أن يصير صاحب الأمر، وزن الأمر على كتف الرجل الذي سينفّذه.
ومن الجنوب مضى إلى فلسطين. وهناك عرفته البندقية قبل أن يعرفه الناس قائدًا للكرامة. في ذاكرتي عنه شماغٌ تفوح منه رائحة البارود، وشعارُ الجيش العربي على زيّ ضابطٍ قاتل هناك، واستشهد خاله على تلك الأرض. وعرف مشهور القدس من ضواحيها حيث خدم، ومن بيته حين تزوّج المقدسية يسرى العوضي. وحين أستعيد القدس والخليل ومدن الضفّة في ذاكرة الجيش العربي، أرى كم كان لفلسطين من مكان في حياته. فيها عرف القتال، وفيها فقد خاله، ومنها دخلت القدس بيته. ومن هنا أفهم شيئًا من ثقل المهمة التي حملها حين أُسندت إليه قيادة الفرقة الأولى بعد حرب حزيران 1967. كان عليه أن يعيد تنظيم رجالٍ عادوا من الضفّة، وأن يهيّئهم للقاء الجيش نفسه على الضفّة الشرقية.
تلك، في تقديري، أشقّ لحظة في سيرة مشهور حديثة الجازي. فقبل أن يراه الناس فوق دبابة إسرائيلية إلى جانب الملك الحسين، والتي اشاهدها في مكتب إبنه الدكتور المحامي عمر معلقة على جدار أقرب إلى متحف يروي سيرة وطن وكرامة وأب، كان عليه أن يرى في الرجال العائدين من حزيران جيشًا قادرًا على القتال من جديد. وكان يعرف المدرّعات معرفة من قاد كتيبتها الملكية الثانية عند تعريب قيادة الجيش، ثم شكّل اللواء المدرّع الأربعين وقاده. وفي الغور صار لهذه الخبرة أثرٌ يُرى. فالقائد يحسب أين تستطيع الدبابة أن تتقدّم، وأين يمكن وقفها، وكيف يسند المدفعُ جنديَّ المشاة الذي ينتظرها في موقعه. وحين تبدأ المعركة، يعرف ذلك الجندي قيمة قائده من الإسناد الذي يصله في اللحظة التي يحتاج إليه فيها.
عبرت القوات الإسرائيلية النهر صباح الحادي والعشرين من آذار. وعلى جبهة تجاوز امتدادها مئة كيلومتر، تصدّى الجيش العربي للهجوم. ثبت المشاة، واشتبكت المدرّعات، وضربت المدفعية الأردنية القوات المهاجمة. وعند انقضاء المعركة، انسحب الجيش الإسرائيلي وترك آلياتٍ في الميدان. تلك هي الكرامة التي قادها مشهور حديثة الجازي في الميدان. وعلى أرض الأردن، كسر هو ورجاله أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر»، وحقق الجيش العربي أول انتصار عسكري عربي على إسرائيل بعد هزيمة حزيران. ومن الغور بلغ أثر ذلك النصر العرب والمسلمين. وكان لأبي رمزي مكانه بينهم بصفته القائد الذي أعاد إلى كلمة النصر معناها في زمنٍ ثقُل فيه على الناس حتى أن يتخيّلوه.
وأعود إلى صورة الملك الحسين ومشهور فوق الدبابة الإسرائيلية. تشدّني فيها الدبابة نفسها. قبل ساعات كانت تتحرّك على أرض الأردن بقوّة السلاح الذي تحمله، ثم وقف عليها الحسين وإلى جانبه قائد المعركة. وفي الصورة، كلما أطلت النظر إليها، أبحث عمّن لا يظهرون فيها. عن طاقم المدفع، وعن سائق الدبابة الأردنية، وعن جندي المشاة الذي لم يكن يرى من الجبهة إلا ما يقع أمام بندقيته. بعض أولئك الرجال رجعوا إلى بيوتهم وفي وسعهم أن يرووا ما جرى، وبعضهم ظلّ في تراب الغور. وحين نقول إن مشهورًا حمل الكرامة معه إلى آخر العمر، فإننا نعني أنه حمل يومًا كهذا، برجاله وبما دفعوه من أعمارهم دفاعًا عن أرض الأردن.
بلغ مشهور رئاسة أركان الجيش العربي، ورحل في السادس من تشرين الثاني عام 2001. ومضى على رحيله خمسة وعشرون عامًا، وما زلنا إذا ذكرنا الكرامة ذكرناه في الميدان. نناديه أبا رمزي لأن الذاكرة قرّبته من بيوتنا، ونسمّيه قائد معركة الكرامة لأننا نعرف ثقل القيادة التي حملها. وفي الشونة والكرامة والكفرين والسويمة وداميا والعارضة ونواحيها، يبقى للمكان فضلٌ على الذاكرة. فهو يعيد القائد إلى موضعه بين جنوده، ويعيد الجنود إلى الأرض التي نمرّ بها آمنين اليوم.
وفي السادس من تشرين الثاني هذا العام، وارينا العريف جواد السلايطة في تراب المشيرفة الشمالية. كان جواد على واجبه في عمّان حين باغته منفّذ الاعتداء الإرهابي وطعنه وحاول انتزاع بندقيته. قاومه وهو جريح، وتدخّل رفيقه فأحبط محاولة الاستيلاء على السلاح. في تلك اللحظات كان لجواد موقعٌ عليه أن يحرسه، وبندقيةٌ ائتمنه عليها وطنه، وشعارٌ يحمله على زيّه. أدّى واجبه، ودافع عن بندقيته وصان شرف الشعار حتى أسلم الروح إلى بارئها.
كنتُ أبحث في صورة الدبابة عن جندي المشاة الذي بقي خارج إطارها، فإذا بوداع جواد يعيدني إليه. أراه عند موقعه في الغور، لا يرى من المعركة إلا ما يقع أمام بندقيته، لكنه يعرف أن تلك القطعة من أرض الأردن في عهدته. وبعد كل هذه السنين، رأينا جوادًا عند بابٍ في عمّان يؤدي الواجب نفسه. في الكرامة اجتمع ثبات أولئك الجنود فكان النصر الذي قاده مشهور، وفي عمّان رأينا كرامة الأردن في عريفٍ جريح يقاوم من يحاول انتزاع بندقيته. وحين وارينا جوادًا في المشيرفة، في اليوم الذي نستعيد فيه رحيل مشهور، صار للسادس من تشرين الثاني في ذاكرتنا اسمان.
رحم الله مشهور حديثة الجازي وجواد السلايطة. ومن هنا، كلما ذكرنا في ذكرى رحيله قائد معركة الكرامة وصاحب نصرها، سنستذكر في ذكرى استشهاده جوادًا، العريف الذي صان كرامة الأردن حتى آخر لحظة من عمره.
سهم محمد العبادي
كلما نزلتُ من عيرا ويرقا إلى الغور، خُيّل إليّ أن الطريق يعيدني إلى صباح الحادي والعشرين من آذار 1968. هذه الشونة، وتلك الكرامة، وهناك الكفرين والسويمة، وفي ذاكرة الغور أيضًا داميا والعارضة ونواحيها. أسماءٌ نمرّ بها اليوم في طريقنا إلى أهلٍ أو عمل، ونمرّ بها في ذاكرة آبائنا فنسمع هدير الدبابات ودويّ المدافع. وللجبال المطلة على الغور نصيبها من الحكاية أيضًا. يكفي أن تقف على واحدٍ من تلك المرتفعات وتنظر إلى النهر حتى تفهم شيئًا من معنى أن ترى جيشًا يعبر نحو أرضك، وأن يكون ردّه مسؤوليتك. كان مشهور حديثة الجازي يومها قائد معركة الكرامة، وكانت تلك الأرض في عهدته.
وأنا ابن عيرا ويرقا، حين أكتب عن الكرامة، أكتب عن شيء من ذاكرة قريتي أيضًا. المدفعية السادسة في عيرا ويرقا لها مكانها في هذه الذاكرة. وحين أسمع اسمها، أفكّر في الرجال الذين خدموا فيها، في نداء البوريّة الذي يعرفه أهل المعسكر، وفي المدفع الذي يكون وراء الجندي حين يقترب منه الخطر. لهذا أقرأ معركة الكرامة من جهتين. أراها من الغور حيث وقف مشهور بين جنوده، وأراها من عيرا ويرقا، حيث يبدأ حديثي أنا عن الجيش العربي. ومن يعرف الطريق بين قرانا والغور يعرف كم يبدو قريبًا ذلك التاريخ حين ينظر من الجبل إلى النهر.
وقبل أن يصير قائدًا، كان مشهور طفلًا في مضارب الحويطات جنوبي الأردن، ينشأ في كنف جدّه ويتعلّم القراءة في المجالس. وحين التحق بقوة البادية عام 1943، كان في نحو الخامسة عشرة. أحبّ أن أتوقّف عند هذا الفتى قليلًا. فالرجل الذي سنراه بعد ربع قرن يدير قتال فرقة كاملة بدأ من الطرف الآخر للأمر العسكري، من مكان الجندي الذي يسمع نداء البوريّة، ويحمل بندقيته، ويذهب إلى الموقع الذي كُلّف به. وفي تلك البداية شيء يفسّر مشهورًا القائد. فقد عرف، قبل أن يصير صاحب الأمر، وزن الأمر على كتف الرجل الذي سينفّذه.
ومن الجنوب مضى إلى فلسطين. وهناك عرفته البندقية قبل أن يعرفه الناس قائدًا للكرامة. في ذاكرتي عنه شماغٌ تفوح منه رائحة البارود، وشعارُ الجيش العربي على زيّ ضابطٍ قاتل هناك، واستشهد خاله على تلك الأرض. وعرف مشهور القدس من ضواحيها حيث خدم، ومن بيته حين تزوّج المقدسية يسرى العوضي. وحين أستعيد القدس والخليل ومدن الضفّة في ذاكرة الجيش العربي، أرى كم كان لفلسطين من مكان في حياته. فيها عرف القتال، وفيها فقد خاله، ومنها دخلت القدس بيته. ومن هنا أفهم شيئًا من ثقل المهمة التي حملها حين أُسندت إليه قيادة الفرقة الأولى بعد حرب حزيران 1967. كان عليه أن يعيد تنظيم رجالٍ عادوا من الضفّة، وأن يهيّئهم للقاء الجيش نفسه على الضفّة الشرقية.
تلك، في تقديري، أشقّ لحظة في سيرة مشهور حديثة الجازي. فقبل أن يراه الناس فوق دبابة إسرائيلية إلى جانب الملك الحسين، والتي اشاهدها في مكتب إبنه الدكتور المحامي عمر معلقة على جدار أقرب إلى متحف يروي سيرة وطن وكرامة وأب، كان عليه أن يرى في الرجال العائدين من حزيران جيشًا قادرًا على القتال من جديد. وكان يعرف المدرّعات معرفة من قاد كتيبتها الملكية الثانية عند تعريب قيادة الجيش، ثم شكّل اللواء المدرّع الأربعين وقاده. وفي الغور صار لهذه الخبرة أثرٌ يُرى. فالقائد يحسب أين تستطيع الدبابة أن تتقدّم، وأين يمكن وقفها، وكيف يسند المدفعُ جنديَّ المشاة الذي ينتظرها في موقعه. وحين تبدأ المعركة، يعرف ذلك الجندي قيمة قائده من الإسناد الذي يصله في اللحظة التي يحتاج إليه فيها.
عبرت القوات الإسرائيلية النهر صباح الحادي والعشرين من آذار. وعلى جبهة تجاوز امتدادها مئة كيلومتر، تصدّى الجيش العربي للهجوم. ثبت المشاة، واشتبكت المدرّعات، وضربت المدفعية الأردنية القوات المهاجمة. وعند انقضاء المعركة، انسحب الجيش الإسرائيلي وترك آلياتٍ في الميدان. تلك هي الكرامة التي قادها مشهور حديثة الجازي في الميدان. وعلى أرض الأردن، كسر هو ورجاله أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر»، وحقق الجيش العربي أول انتصار عسكري عربي على إسرائيل بعد هزيمة حزيران. ومن الغور بلغ أثر ذلك النصر العرب والمسلمين. وكان لأبي رمزي مكانه بينهم بصفته القائد الذي أعاد إلى كلمة النصر معناها في زمنٍ ثقُل فيه على الناس حتى أن يتخيّلوه.
وأعود إلى صورة الملك الحسين ومشهور فوق الدبابة الإسرائيلية. تشدّني فيها الدبابة نفسها. قبل ساعات كانت تتحرّك على أرض الأردن بقوّة السلاح الذي تحمله، ثم وقف عليها الحسين وإلى جانبه قائد المعركة. وفي الصورة، كلما أطلت النظر إليها، أبحث عمّن لا يظهرون فيها. عن طاقم المدفع، وعن سائق الدبابة الأردنية، وعن جندي المشاة الذي لم يكن يرى من الجبهة إلا ما يقع أمام بندقيته. بعض أولئك الرجال رجعوا إلى بيوتهم وفي وسعهم أن يرووا ما جرى، وبعضهم ظلّ في تراب الغور. وحين نقول إن مشهورًا حمل الكرامة معه إلى آخر العمر، فإننا نعني أنه حمل يومًا كهذا، برجاله وبما دفعوه من أعمارهم دفاعًا عن أرض الأردن.
بلغ مشهور رئاسة أركان الجيش العربي، ورحل في السادس من تشرين الثاني عام 2001. ومضى على رحيله خمسة وعشرون عامًا، وما زلنا إذا ذكرنا الكرامة ذكرناه في الميدان. نناديه أبا رمزي لأن الذاكرة قرّبته من بيوتنا، ونسمّيه قائد معركة الكرامة لأننا نعرف ثقل القيادة التي حملها. وفي الشونة والكرامة والكفرين والسويمة وداميا والعارضة ونواحيها، يبقى للمكان فضلٌ على الذاكرة. فهو يعيد القائد إلى موضعه بين جنوده، ويعيد الجنود إلى الأرض التي نمرّ بها آمنين اليوم.
وفي السادس من تشرين الثاني هذا العام، وارينا العريف جواد السلايطة في تراب المشيرفة الشمالية. كان جواد على واجبه في عمّان حين باغته منفّذ الاعتداء الإرهابي وطعنه وحاول انتزاع بندقيته. قاومه وهو جريح، وتدخّل رفيقه فأحبط محاولة الاستيلاء على السلاح. في تلك اللحظات كان لجواد موقعٌ عليه أن يحرسه، وبندقيةٌ ائتمنه عليها وطنه، وشعارٌ يحمله على زيّه. أدّى واجبه، ودافع عن بندقيته وصان شرف الشعار حتى أسلم الروح إلى بارئها.
كنتُ أبحث في صورة الدبابة عن جندي المشاة الذي بقي خارج إطارها، فإذا بوداع جواد يعيدني إليه. أراه عند موقعه في الغور، لا يرى من المعركة إلا ما يقع أمام بندقيته، لكنه يعرف أن تلك القطعة من أرض الأردن في عهدته. وبعد كل هذه السنين، رأينا جوادًا عند بابٍ في عمّان يؤدي الواجب نفسه. في الكرامة اجتمع ثبات أولئك الجنود فكان النصر الذي قاده مشهور، وفي عمّان رأينا كرامة الأردن في عريفٍ جريح يقاوم من يحاول انتزاع بندقيته. وحين وارينا جوادًا في المشيرفة، في اليوم الذي نستعيد فيه رحيل مشهور، صار للسادس من تشرين الثاني في ذاكرتنا اسمان.
رحم الله مشهور حديثة الجازي وجواد السلايطة. ومن هنا، كلما ذكرنا في ذكرى رحيله قائد معركة الكرامة وصاحب نصرها، سنستذكر في ذكرى استشهاده جوادًا، العريف الذي صان كرامة الأردن حتى آخر لحظة من عمره.
التعليقات