حكاية صورة

mainThumb
حكاية صورة

30-08-2025 04:52 PM

printIcon


كتب : د. محمد عبدالكريم الزيود
هذه صورة عمي الشهيد الجندي علي حسين مطر الزيود والذي يحمل الرقم العسكري ١٠٧٥٩٠ ، أحد جنود السرية الثانية من كتيبة الحسين الثانية.
الصورة للشهيد يوم تسجيله في الجيش ربما كان عام ١٩٦٣ ويحمل لوحة مكتوب عليها إسمه بالطبشور ، أحضرتها من عند عمتي المرحومة فاطمة العودة عام ٢٠١٠ ، أخذت صورة حديثة منها وأرجعت لها الأصل التي كانت غير واضحة وقديمة ، وأنا من نشرها في هذا العالم الإفتراضي بعدما كتبت عنه عشرات المقالات.
قرأت عن معارك القدس الكثير الكثير ، ومنها ما كتبه د. معن أبو نوار عن كتيبة الحسين الثانية في كتابه : "في سبيل القدس" ، وتوثيقه لمجريات المعارك وبطولات الجنود والضباط فيها ، ( في عام ٢٠٢١ كنت عضوا في اللجنة العليا لمكتبة الأسرة الأردنية في وزارة الثقافة ، وإقترحت إعادة طباعة هذا الكتاب حيث حصلت على النسخة الوحيدة المتبقية من مديرية الإعلام العسكري).
إستمعت وقرأت لشهادات ممن شاركوا ومنهم الدكتور غازي ربابعة الذي كان ضابطا فيها وكذلك المرحوم المقدم نبيه السحيمات الذي كان قائدا لسرية بوابة المندلبوم في الكتيبة ، كما أن عمي الشهيد علي حسين الزيود إستشهد في ذات المعركة في منطقة الشيخ جراح وروى لي والدي شهادات زملاء عمي عمّا حدث يومها .
حبث يقول أحد زملاءه لأبي عندما ذهب يسأل عنه بعد إنتهاء الحرب .. يقول شاهدت "علي" يرمي على رشاش ٥٠٠ ودبابة العدو مقبلة عليه ثابت هو وزميل له في الخندق ..!!
تم تكليف كتيبة الحسين الثانية بقيادة الشهيد الرائد منصور كريشان بالدفاع عن القدس من باب العامود وحتى الشيخ جراح، حيث إستقرت سرية المشاة الثانية بقيادة البطل الرائد سليمان سالم السلايطة ليدافع عن منطقة الشيخ جراح .
‏ إستطاعت السرية الثانية من صد جميع الهجمات التي شنها العدو مساء يوم الخامس والسادس من حزيران موقعا بالعدو خسائر جسيمة، ولم يستطع العدو الإقتراب من المواقع الدفاعية الأردنية رغم قيامه بمحاولات عديدة لإختراقها لكنه جوبه بمقاومة شرسة ، في صباح يوم الثامن من حزيران حشد العدو قوات كبيرة وإستعان بلواء جولاني من قوات النخبة وكذلك بلواء مشاة آلي ، مسندا بالطيران لقصف مواقع السرية، إضافة قيام العدو بإنزال كتيبة مظليين في ملعب الشيخ جراح وهو ملعب كرة قدم في المنطقة ، كما دفع العدو كتيبة دبابات شيرمان إلتفتّ حول منطقة الشيخ جراح ، عندها أدرك سليمان السلايطة خطورة الموقف فجمع من تبقّى من جنود على قيد الحياة، وكان معظمهم مثخنا بالجراح ، وخاطبهم وأثار حماسهم ونادى عليهم : المنيّة ولا الدنيّة.
يقسم بالله المرحوم نبيه سحيمات أنه سمع قائد السرية السلايطة ينادي على قائد الكتيبة في جهاز اللاسلكي ويقول أن العدو إقتحم خنادقنا ونحن نقاتله الآن بالسلاح الأبيض ..!!
إستشهد في تلك المعركة ١١٣ شهيدا وما زالت منطقة الشيخ جراح تلّم في ترابها رفات شهداء الجيش العربي من قاتلوا حتى آخر طلقة وبعدما كبدّوا العدو الصهيوني مئات القتلى وبإعتراف وزير الدفاع الصهيوني موشيه ديان فيما بعد بهذه المعركة البطولية ، وأقاموا متحفا في نفس المكان تكريما لهذه السرية البطلة. وهناك من بيننا ما زال يشكك بحب الأردنيين لفلسطين وينكر تضحياتهم وتاريخ جيشه العربي هناك.
من العالوك إلى القدس سرى عمي ، ذهب ولم يعد حتى اليوم ، ربما مدفون تحت أشجار الزيتون والتين في الحواكير والبساتين ، مات جدي حسين المطر وجدتي صبحا الراشد وهما ينتظران أن يعود "علي"يوما .. وربما ملتقاهم في الجنة.
رحم الله عمي وكل شهداء الجيش العربي..