عطية يشارك في جلسة نقاشية حول تقييم اداء مجلس النواب بعد التحديث السياسي

mainThumb
عطية يشارك في جلسة نقاشية حول تقييم اداء مجلس النواب بعد التحديث السياسي

05-01-2026 12:35 PM

printIcon

عطية: التحديث السياسي خيار دولة ومسار وطني تراكمي لتطوير الأداء البرلماني

أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب الدكتور خميس عطية أن مشروع التحديث السياسي في الأردن الذي أطلقه جلالة الملك عبدالله الثاني لم يكن قرارًا شكليًا أو إجراءً تجميليًا، ولا استجابة ظرفية لضغوط داخلية أو خارجية، بل جاء باعتباره خيار دولة ومسارًا وطنيًا استراتيجيًا يستهدف إعادة بناء الحياة السياسية على أسس أكثر تمثيلًا ومأسسة وقدرة على إنتاج حكومات برلمانية مستقبلاً، مشددًا على أن مجلس النواب يقف في قلب هذا المسار باعتباره حلقة الوصل بين النص الدستوري والممارسة السياسية، وبين تطلعات المجتمع ومنطق إدارة الدولة.

جاء ذلك خلال جلسة حوارية مفتوحة نظّمتها الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، أدارها عضو الهيئة الإدارية عبد الكريم المصري، خُصصت لتقييم أداء مجلس النواب بعد عملية التحديث السياسي، وتسليط الضوء على الفرص التي أتاحها هذا المسار، إلى جانب التحديات والقيود التي تواجه العمل البرلماني في هذه المرحلة.

وقال عطية في مستهل حديثه إن الحديث عن أداء مجلس النواب بعد التحديث السياسي لا يجوز أن يكون حديثًا انطباعيًا أو متسرعًا، كما لا ينبغي أن ينزلق إلى خطاب دفاعي أو تبريري، مؤكدًا أننا أمام تجربة انتقالية قيد التشكل، تحمل فرصًا حقيقية، لكنها تصطدم في الوقت ذاته بقيود بنيوية وثقافية وسياسية لا يمكن القفز عنها أو إنكارها.

وأضاف أننا أمام تغير واضح، اذ دخلت الأحزاب إلى المجلس النيابي بشكل أوضح من السابق، وبدأنا نرى كتلا لها برامج ومواقف، حتى وإن كانت في بداياتها فهذا بحد ذاته تطور مهم، لأنه يكسر العزلة الفردية للنائب، ويفتح الباب أمام العمل الجماعي المنظم، كما تحسن مستوى النقاش تحت القبة في بعض الملفات، وبدأنا نلمس محاولات لربط التشريع بالأثر الاقتصادي والاجتماعي، لا بالاكتفاء بالشعارات أو المطالب الجزئية.
وأشار عطية الى ان أهم فرصة اليوم هي بناء تقاليد جديدة للعمل البرلماني، اذ لدينا فرصة لتكريس ثقافة الكتل والبرامج، وتعزيز الرقابة الجادة، وإعادة التوازن في العلاقة مع السلطة التنفيذية، بحيث لا تكون علاقة صدام ولا تبعية. وهناك فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي استعادة ثقة الشارع تدريجيًا، من خلال أداء مهني صريح، ومسؤول، يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.

وفيما يتعلق بالقيود والتحديات الواقعية ، أوضح عطية أن التجربة الحزبية داخل المجلس ما تزال فتية، وتفتقر أحيانًا للخبرة والانضباط البرامجي، وهذا أمر طبيعي في المراحل الانتقالية، والقيد الثاني هو الإرث النيابي السابق، حيث ما تزال الضغوط الخدماتية والمناطقية تؤثر على عمل النائب، بفعل توقعات الناخبين وضعف الثقة المتراكمة بالعمل السياسي طويل الأمد، أما القيد الثالث، فهو أن المجلس يعمل في ظل ظروف اقتصادية وإقليمية ضاغطة، تجعل هامش الحركة محدودًا أحيانًا، وتضع النواب أمام معادلة صعبة بين الواقعية والطموح.

وشدد عطية على أن تقييم أداء مجلس النواب الحالي يجب ألا يتم بمنطق الأبيض أو الأسود، موضحًا أننا لسنا أمام مجلس مثالي، لكننا في الوقت ذاته لسنا أمام مجلس تقليدي كما في السابق فنحن في مرحلة انتقالية، يُقاس نجاحها بقدرتها على تثبيت المسار، لا بحصد نتائج فورية.
وأوضح أن عدداً كبيراً من النواب الحزبيين يخوضون التجربة الأولى دون إرث تنظيمي أو تقاليد برلمانية حزبية راسخة، ما ينعكس أحيانًا ضعفًا في الانضباط أو في القدرة على إنتاج موقف موحد، إضافة الى ذلك فان الضغوط المناطقية وتوقعات الناخبين ما تزال تثقل كاهل النائب وتدفعه أحيانًا للعودة إلى الدور الخدمي، ليس ضعفًا سياسيا، بل نتيجة فجوة ثقة تاريخية بين المواطن والعمل البرامجي طويل الأمد.

وتابع: نحن في مرحلة انتقالية دقيقة، يقاس نجاحها بقدرتها على تثبيت قواعد جديدة للعمل السياسي، لا بعدد القوانين فقط ولا بسرعة النتائج، والخطر الحقيقي ليس في النقد، بل في الإحباط المبكر وهدم التجربة قبل أن تنضج، أو التجميل المفرط الذي يفقدها صدقيتها، ومن هنا أستطيع القول ان المطلوب هو نقد مسؤول، لا جلد للذات ولا تسويق مفرط، مع إدراك أن التحديث السياسي مشروع تراكمي يحتاج إلى وقت وإرادة واستمرارية.

واكد عطية أن نجاح التحديث السياسي لا يعتمد على مجلس النواب وحده، بل على تكامل أدوار الدولة، والأحزاب والمجتمع والإعلام. دورنا كنواب هو أن نكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة، وأن نمارس مسؤولياتنا بشجاعة ووضوح، مع الحفاظ على الثقة بهذا المسار الوطني الذي لا بديل عنه.

وردًا على سؤال حول طبيعة الأحزاب السياسية، قال عطية إن جزءًا من التجربة الحزبية ما يزال يعاني من مركزية القيادة وضعف المؤسسية، حيث يرتبط القرار الحزبي أحيانًا بشخص أو مجموعة محدودة، إلا أن عملية التحديث السياسي جاءت لمعالجة هذا الخلل من خلال تشريعات تحفّز الديمقراطية الداخلية، وتربط الاستمرار والتمويل بالعمل الجماعي والبرامجي لا الفردي.

وفيما يتعلق بكثرة الأحزاب، أوضح أن تعدد الأحزاب ليس مشكلة بحد ذاته في المراحل الانتقالية، بل يعكس حيوية سياسية وبحثًا عن تمثيل، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على الاندماج، وبناء أحزاب برامجية قوية فالتجارب الدولية تثبت أن الاستقرار الحزبي يأتي لاحقًا عبر التكتل والفرز الطبيعي، وليس عبر الإقصاء أو التقليل من التعددية، والدول العظمى لديها أحزاب عدة، فيكون حزبين أو أكثر لهم حضور بارز مثل: الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية.

وأضاف أن لجوء الأحزاب إلى استطلاعات الرأي وقياس احتياجات المجتمع ما يزال ضعيفًا، رغم أهميته في بناء برامج واقعية، مؤكدًا أن الحزب الناجح هو الذي يستمع للناس ويبني سياساته على احتياجاتهم الفعلية، لا على تصورات نخبويّة وهنا تأتي أهمية تطوير أدوات البحث، والتواصل الميداني.

وأشار عطية الى إن مجلس النواب السابق قام بواجباته الدستورية تجاه ترجمة توصيات مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية إلى أداء تشريعي ملموس، خاصة من حيث إقرار حزمة القوانين الناظمة للحياة السياسية، وفي مقدمتها قوانين الأحزاب والانتخاب، والتي شكلت الإطار التشريعي الأساسي للمرحلة الجديدة، لافتاً الى ان هذه القوانين لم تأت بمعزل عن التوافق الوطني، بل عكست توصيات لجان التحديث، وحولتها من أفكار ورؤى إلى نصوص تشريعية نافذة.

أما على الصعيد الرقابي، فما زال الأداء متفاوتًا، ويتطلب مزيدًا من التراكم والخبرة، لا سيما في ظل تجربة حزبية ما تزال في بداياتها داخل المجلس. وهنا تبرز أهمية الأحزاب، إذ إن وجود كتل حزبية برامجية ومنظمة هو شرط أساسي لرقابة فعالة ومنهجية.

وبين عطية أن التحديث السياسي وفر بيئة تشريعية حقيقية لتعزيز دور مجلس النواب، إلا أن نجاح هذه البيئة يبقى مرهونا بقدرة الأحزاب على ترسيخ حضورها داخل المجلس، وتحولها إلى أدوات عمل برلماني مؤسسي، قادر على التشريع والرقابة والتأثير في السياسات العامة.
كما أكد ان الانتقال نحو حياة حزبية فاعلة داخل مجلس النواب يسهم في بناء تقاليد برلمانية حديثة، تقوم على البرامج لا الأشخاص، وعلى الأداء التشريعي والرقابي المتوازن، وهو ما يشكل خطوة مهمة نحو ترسيخ تجربة برلمانية حقيقية أكثر نضجًا واستدامة.

ورداً على ما طرح من اراء ومداخلات على لسان المشاركين قال عطية انها لامست جوهر التحديات التي يواجهها مجلس النواب في هذه المرحلة. لا شك أن دور الرقابة يعد من الركائز الأساسية للعمل البرلماني، وقد جاءت عملية التحديث السياسي لتعزيز هذا الدور من خلال أطر تشريعية، إلا أن فاعلية الرقابة تبقى مرتبطة بآليات الممارسة داخل مجلس النواب.

وبخصوص المؤثرات والقيود (التحديات) على أداء أعضاء مجلس النواب، أوضح عطية انها واقع لا يمكن إنكاره، سواء كانت ناتجة عن البيئة السياسية، أو الضغوط الشعبية. وهنا تحديدًا تبرز أهمية العمل الحزبي الحقيقي، لأن النائب عندما يعمل ضمن إطار حزبي وبرامجي يكون أكثر قدرة على اتخاذ مواقف مؤسسية، وأقل تأثرًا بالاعتبارات الفردية.

أما الظروف الاقتصادية القائمة، فهي تشكل تحديًا حقيقيًا أمام المجلس والدولة على حد سواء، لكنها في الوقت ذاته تستدعي دورًا برلمانيًا أكثر نضجًا ومسؤولية، يقوم على تشريع واقعي ورقابي، وهو ما تسعى إليه الدولة ضمن رؤية التحديث الشامل.

ولفت عطية الى ان تقييم أداء مجلس النواب بشكل منهجي، يعتمد على عدة معايير رئيسية تغطي الجوانب التشريعية، الرقابية، التمثيلية، وأيضًا السلوكية القوانين واللوائح التي أقرها المجلس مقارنة بالخطط الوطنية واحتياجات الناس، ومدى اتساقها مع مخرجات التحديث السياسي الى جانب قدرة المجلس على متابعة تنفيذ القوانين، وفعالية الرقابة على السلطة التنفيذية، ولا تغفل معيار استقلالية النواب عن الاعتبارات الفردية أو الانحيازات الضيقة، وكذلك الشفافية في اتخاذ القرار ووضوح مواقف النواب في الملفات الوطنية.

وفيما يتعلق بالصورة النمطية للنائب كنائب خدمات، شدد عطية على أن الدور الدستوري للنائب يتمحور حول التشريع والرقابة، معتبرًا أن هذه الصورة تعكس ضعف الثقافة السياسية وغياب العمل الحزبي المنظم الذي يربط بين النائب والبرامج الوطنية، وليس فقط المطالب الفردية.
وتابع: هنا تبرز أهمية الأحزاب السياسية، إذ أن الحزب القوي والمنظم قادر على بناء برامج واضحة، توجيه نوابه نحو الأولويات الوطنية، وتعزيز دورهم التشريعي والرقابي، بعيدًا عن العمل الفردي أو اللحظي فعندما يكون هناك حزبان أو أكثر ملتزمان ببرامج متكاملة، يمكننا الحديث عن أداء برلماني مؤسسي حقيقي، وليس مجرد نشاط خدمي.

أما فيما يخص مسألة السير نحو حكومات برلمانية، قال عطية إن التجربة في الأردن تشير إلى أننا ما زلنا في مرحلة تقوية الدور البرلماني فالتحديث السياسي لم يهدف بعد إلى الانتقال الكامل لحكومة برلمانية، لكنه يوفر بيئة مناسبة لتطوير العلاقة بين السلطة التنفيذية والمجلس التشريعي، ويعزز الفاعلية من خلال برامج حزبية واضحة.

وحول تعديل قانون الانتخاب أو أي قانون تشريعي، أكد عطية أن أي تعديل
يجب أن يُبنى على دراسة جدوى شاملة، تشمل التأثير على العمل البرلماني، على التمثيل المجتمعي، وعلى التوازن بين الكتل المختلفة؛ أي تعديل بدون دراسة معمقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لذلك يجب أن يكون نهج التحديث دائمًا مدروسًا ومرتبطًا بتحليل موضوعي للتجربة البرلمانية السابقة.

كما شدد عطية على ان التشريع والرقابة هما العمود الفقري لعمل المجلس، وأن مسألة الثقة وممارسة النواب لدورهم الرقابي بشكل فاعل تعتمد بشكل أساسي على المعلومات الدقيقة والدعم الحزبي (لكن للأسف يوجد غياب للدور الحزبي في هذا السياق) ، مشيراً الى ان أي نائب يرغب في ممارسة دوره بفعالية لا يمكن أن يعمل بمعزل عن حزبه وبرامجه، والحزب مسؤول عن تزويده بالأدوات والمعلومات اللازمة.

ورداً على مداخلات واستفسارات الحضور أكد عطية أن الأدوات التي يمتلكها المجلس مثل حجب الثقة ومنح الثقة تعد لحظات محورية لضبط أداء الحكومة، وتؤكد أن تقييم الأداء لا يقتصر على عدد القوانين، بل على مدى تأثير المجلس في تغيير السياسات الحكومية بشكل ملموس. وبالطبع، ما زلنا نلاحظ أن بعض التغيرات بعد التحديث السياسي كانت هامشية، مما يحثنا على مواصلة العمل على تعزيز دور الأحزاب والنواب لضمان فعالية أكبر واستجابة حقيقية لاحتياجات المجتمع.

وفي ختام الجلسة أعرب المصري عن تقديره للنائب عطية على جهوده الطيبة وحضوره المميز وتلبية دعوة الجمعية، ولجميع الحضور على مشاركاتهم البناءة ومداخلاتهم الثرية، التي أسهمت في إثراء النقاش حول أداء مجلس النواب وعملية التحديث السياسي مؤكداً ان هذا الحوار أتاح فرصة لمناقشة التحديات والفرص، وتبادل الرؤى حول دور الأحزاب والبرامج، وأهمية التشريع والرقابة في تعزيز العمل البرلماني المؤسسي.