الوحدة الوطنية والأمن المجتمعي قراءة في سورة قريش

mainThumb
اللواء المتقاعد د. تامر المعايطة

11-01-2026 05:22 PM

printIcon


اللواء المتقاعد د. تامر المعايطة

تُعدُّ السور القصار في القرآن الكريم من النصوص ذات الدلالات العميقة والأبعاد المفهومية الواسعة، على الرغم من محدودية عدد آياتها. وقد أفرد لها القرآن الكريم سورًا مستقلة للدلالة على أهمية مضامينها وما تحمله من رسائل إلهية كبرى. وتأتي سورة قريش في هذا السياق؛ إذ تشتمل على معانٍ تتجاوز حدود الإيجاز اللفظي إلى رحابة الدلالة والإشارة، بما يستدعي الوقوف عندها تدبرًا وتحليلاً، دون أن يتعارض ذلك مع التفاسير المعتبرة.

تبدأ السورة بقوله تعالى: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ». حرف اللام هنا يُفهم على أنه لام التعليل أو لام القسم، وكلاهما يحمل دلالة الافتتاح بأمر ذي أهمية. أما لفظ الإيلاف، فمرده إلى الجذر اللغوي (أ ل ف)، الذي يفيد الألفة والاتفاق والارتباط، ويُشتق منه الفعل المزيد: ألّف – يؤلّف – تأليفاً، وهو جمع ما تفرّق، وتوحيد ما اختلف. وقد ورد هذا المعنى صراحة في قوله تعالى: "وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ". فالإيلاف ليس مجرّد ألفة وجدانية، بل ميثاقُ وجودٍ مشترك؛ أو قل هوية سردية: تشكّل الذات الوطنية عبر قصة مشتركة تتّسق فيها الذاكرة مع التطلّع لأهدافها ورؤاها المستقبلية.

كما تُشير الآية الثانية: «إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ» إلى البعد الاقتصادي الذي أسهم في استقرار قريش، من خلال رحلتي التجارة الموسميتين اللتين نجحتا بفضل الثقة والأمان، اللذين تمتعت بهما قريش بين محيطها. وتمثل هذه الآية بُعدًا إضافيًا من أبعاد بناء الدولة، إذ أن وجود نشاط اقتصادي منتظم يدعم هذا المجتمع المتآلف، ليس تكديسًا للمنافع، بل فنٌّ للاتصال بالعالم، أي تبادل اعتراف (وفقاً لمفهوم العلاقات الدولية المعاصر) يهب مجتمع قريش ما يلزمه من الثقة والأمان في تجارتها الدولية. في هذا الأفق، يغدو النشاط الاقتصادي أخلاقًا متجسّدة: انتظامٌ، توقيت، تَعاهد، وحراسةٌ للمعنى من الانهيار في الفوضى.

وعليه، تتجمع في صدر السورة ثلاثة مقومات رئيسية لأي كيان سياسي مستقر:
مجتمع متماسك،
وحدة داخلية وألفة وطنية،
نشاط اقتصادي منتظم ومؤثر.

ثم في الآية الثالثة، يظهر الركن الأخير من أركان الأمن المجتمعي: الوطن والأرض، بوصفهما بُعدًا مكتملاً للكيان المجتمعي: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ». فالبيت هنا موطن قريش ومركز هويتها، بيت الله الحرام، نقطة اجتماع الروحيّ بالمكانيّ، وهكذا يكون مفهوم الوطن.

ولدلالة المعنى، فقد ورد استخدام كلمة البيت بمعنى الوطن على لسان العرب. حيث جاء في شعر امرؤ القيس:
وبيتٍ لنا دونَ الفراتِ محلَّهُ… تناديهِ أصداءُ الرياحِ وتذمّرا
فالبيت هنا يعني الديار، لا المسكن الفردي. ومثل ذلك ما قاله الأعشى في وصف ديار قومه:
أَبَتْ ليَ دارٌ كنتُ آوي إلى العُلا... وكانتْ لنا بيتًا مِنَ المجدِ واسِعًا
باعتبارها "بيتًا من المجد"، في إشارة إلى معنى الوطن والكيان الجمعي.

ثم يتجلى معنى الأمن الغذائي والأمن المجتمعي في ختام السورة، بقوله تعالى: "الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ"، وهذان العاملان – الجوع والخوف – يمثلان أساسَي الاستقرار الإنساني. وفي التجارب الدولية الحديثة، وبخاصة في إطار منظومة الأمم المتحدة، غالباً ما يكون التدخل الدولي منطلقاً من حالتي المجاعة أو الانفلات الأمني حصراً. وإن انتفى العاملان، سُعِي إلى إيجادهما لتبرير التدخل، وهو ما يُبرز أهمية التحذير القرآني من الوقوع في هذين الخطرين.

تشير الدلالات العامة للسورة إلى الوحدة الوطنية كحجر الزاوية في منظومة الأمن المجتمعي، وفقاً لمفهومها الشامل: تحويلُ التفرّق إلى انتظام، والمجاورة البيولوجية إلى معيّةٍ أخلاقية بوصفه تعبيرًا عن التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، لا بوصفنا أفرادًا متجاورين، بل ذواتًا تتعرّفُ إلى نفسها من خلال ما ينسجه الكلّ من روابط المعنى والمسؤولية في المجتمع المتآلف المتحد، مما يجعل من الوحدة الوطنية تكليفًا شرعيًا قبل أن تكون مصلحةً سياسية. وأن الحفاظ عليها ليس ضرورة وطنية فحسب، بل يدخل في إطار العبادة والتقرب إلى الله. كما أن الإخلال بها يعدّ مخالفة شرعية، تهدد استقرار الدول وتنميتها ومقدراتها. وتتضح هذه المفاهيم بصورة جلية في دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام:
"رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ"
وفي هذا الدعاء نرى الترتيب المنطقي: الأمن يسبق الاقتصاد، لأن الاقتصاد بلا أمن يَفقد غايته، والأمن بلا اقتصادٍ يفقد عدالته. فإنهما ثنائية تأسيسية لقيام المجتمع وكيان الدولة.

ختاماً، نجد إن سورة قريش تقدم لنا نموذجًا مترابطًا لمقومات الدولة المستقرة: مجتمع متآلف، اقتصاد فاعل، ووطن راسخ، وأمن غذائي واجتماعي وسياسي. وهذه الأبعاد ليست مجرد سرد تاريخي، بل إطارٌ دلاليٌّ يُرشد المجتمعات إلى ضرورة صيانة وحدتها والحفاظ على تماسكها لتحقيق الأمن الشامل والتنمية المستدامة.
نسأل الله أن يحفظ أوطاننا، وأن يديم علينا وحدتنا الوطنية، وأن يرزقنا من واسع فضله وخيراته.