السجون وبرامج الرعاية الاجتماعية

mainThumb
اللواء المتقاعد د. تامر المعايطة

17-01-2026 07:32 PM

printIcon


اللواء المتقاعد د. تامر المعايطة
يقال في أدبيات السياسة العقابية: إن السجن الجيد ليس السجن اللطيف ولا المريح ولا الفاخر، بل السجن الفعّال؛ أي الذي يُكلّف المجتمع أقل تكلفة على المدى البعيد، وفي الوقت ذاته يُعيد إلى المجتمع مواطنين أكثر أماناً.
أو بعبارة أدق: نريد أن يعود السجناء إلينا مواطنين، لا مجرمين أكثر احترافية.
فالمقياس الحقيقي لنجاح أي نظام سجون ليس بعدد الأسرّة فيه، ولا سماكة الجدران، ولا شدة القيود، بل عدد الأشخاص الذين لن يحتاجوا للعودة إليه مرة أخرى.
تعتمد فعالية نظام السجون على منظومة إصلاحية متكاملة وكفؤة، لا تقتصر على الجهود الحكومية فقط، بل تستند إلى مشاركة مجتمعية حقيقية، خاصة من منظمات المجتمع المدني والهيئات التطوعية، وبدعم حقيقي من القطاع الخاص الذي يتحمل مسؤوليته الاجتماعية من خلال برامج رعاية داخل السجون تمتد إلى رعاية لاحقة بعد الإفراج، تمكّن السجين السابق من عيشة كريمة تغنيه عن العودة إلى السلوك الإجرامي.
غير أن التجارب الدولية أثبتت أن تحقيق هذه النتائج يتطلب توافر شروط أساسية:
1. قبول مجتمعي راسخ بأن الهدف من العقوبة ليس الانتقام، بل حماية المجتمع على المدى الطويل.
2. مشاركة حقيقية وفاعلة من مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في عملية إصلاح السجناء وتطوير بيئة السجون، وهي مسألة تعتمد على الخبرات الاجتماعية المتنوعة أكثر من القدرات المالية.
3. استثمار جدي (وليس مجرد شعارات) في التعليم والتأهيل المهني داخل السجون.
4. تدريب وتطوير مستمر للعاملين في قطاع الإصلاح والتأهيل، على أساس فكرة أنهم ضباط إصلاح وتأهيل وليسوا مجرد موظفي أو حراس سجون (إصلاح لا انتقام).
5. تفعيل برامج الإفراج المشروط بطريقة منهجية حقيقية وليست شكلية.
6. قبول فكرة أن بعض الجرائم الخفيفة والجنح يمكن التعامل معها خارج السجن بكفاءة أعلى، من خلال التوسع في العقوبات البديلة.
على المستوى العالمي، تتراوح نسبة العود أو إعادة الإدانة (reconviction) خلال عامين بعد الإفراج بين 18% و55% بين السجناء المفرج عنهم، وفقاً لمراجعة منهجية عالمية نُشرت عام 2023 في مجلة Journal of Criminal Justice.
• في الولايات المتحدة (التي تُعد من أعلى الدول في معدلات السجن)، تصل نسبة العود في السجون إلى نحو 66% خلال 3 سنوات، وتصل إلى أكثر من 80% خلال 10 سنوات (حسب أحدث بيانات مكتب إحصاءات العدل الأمريكي حتى 2021–2023).
• في النرويج (أحد أنجح النماذج عالمياً)، تبلغ نسبة إعادة الإدانة خلال عامين حوالي 20%، وتصل إلى نحو 25% بعد خمس سنوات (بيانات 2018–2024)، وهي من أدنى المعدلات عالمياً.
أثبتت الدراسات أن التكلفة الحقيقية للسجين المتكرر (الضحايا + التحقيقات + المحاكم + السجن مرة أخرى) غالباً ما تكون أعلى بعشرات المرات من تكلفة برنامج تأهيل جيد ومكثف.
في الأردن، ورغم تقدمنا الملحوظ إقليمياً في نظام السجون والبرامج الإصلاحية، ما زال انخراط منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في عملية الإصلاح والتأهيل محدوداً ودون المستوى المطلوب. والأمر لا يحتاج إلى «فزعات» مؤقتة، بل إلى نظام منهجي تنموي مستدام يمتد على المدى الطويل.