الدكتورة ميرفت المهيرات
في جولة جلالة الملكة رانيا العبدالله بين مصنع أدوية الحكمة وصمت وادي رم، لا يبدو المشهد متناقضًا كما قد يظنه البعض، بل منسجمًا على نحو ذكي وإنساني؛ هنا تتكشف صورة الأردن كما هو فعلًا: بلد يعرف كيف يعمل، ويعرف في الوقت نفسه كيف يتأمل.
في أدوية الحكمة، الزيارة ليست مجرد مرور رسمي هي وقفة احترام أمام عقول تعمل بصمت، وأيدٍ تبني قيمة حقيقية ، في خطوط الإنتاج والمختبرات، يظهر الأردن كدولة تراهن على الإنسان، على العلم، وعلى فكرة أن الصناعة ليست أرقامًا فقط، بل مسؤولية أخلاقية تجاه صحة البشر وكرامتهم.
الرسالة واضحة وبلا ضجيج: هذا بلد يصنع، لا ينتظر.
ثم تنتقل الجولة إلى وادي رم، حيث تتبدل اللغة، لكن المعنى يبقى ، لا آلات ولا معادلات، بل صخور تحكي، وأفق مفتوح يذكّر بأن الهوية ليست شيئًا يُصنع، بل يُصان فوادي رم ليس مجرد مقصد سياحي، بل شاهد على علاقة قديمة بين الإنسان والأرض، علاقة تقوم على الاحترام لا الاستهلاك.
الجامع بين المكانين أعمق من الشكل أدوية الحكمة ووادي رم يمثلان استثمارين مختلفين في الظاهر، متكاملين في الجوهر. الأول يستثمر في العقل والصحة والمستقبل، والثاني يستثمر في الذاكرة والجمال والاستمرارية. كلاهما يقول إن التنمية الحقيقية لا تكون على حساب الروح، ولا الهوية على حساب التقدم.
في هذا التلاقي، تبدو الملكة رانيا كصوت هادئ يختصر الرسالة: الأردن قادر على أن يكون حديثًا دون أن يفقد أصالته، عالميًا دون أن يتنكر لجذوره
هو وطن يعرف أن القوة لا تأتي من الضجيج، بل من التوازن، ومن فهم بسيط وعميق لمعنى أن تكون إنسانًا قبل أن تكون دولة.