أخبار اليوم - عندما بدأ الجدار الخارجي يهتز ويُصدر صوت طقطقة بطيئة، كانت عائلة مشتهى تفهم أن اللحظة التي خشيتها منذ أسابيع قد وصلت أخيرا.
منزلهم في حي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة – ذلك البيت ذو الطابقين الذي اشتدت عليه ضربات القصف خلال العدوان – ظل واقفا بأعجوبة، لكن الأمطار الأخيرة لم ترحمه. كانت المياه تتسرب إلى الشقوق العميقة في الجدران وتغور داخل الخرسانة الضعيفة. ومع كل هبة ريح، كان يعلو صوت احتكاك الطوب ببعضه، كأن البيت يتهيأ للانهيار.
يقول رب الأسرة، محمد مشتهى لـ "فلسطين أون لاين" وهو يشير إلى كومة الركام التي كانت منزله: "كنا نعيش مع البيت لحظة بلحظة. كلما هطلت الأمطار كنا نشعر أن الجدران تتنفس بصعوبة. في تلك الليلة سمعت صوت انهيار خفيف في السقف، ثم بدأ البلاط يتشقق تحت أقدامنا. صرخت لأولادي: اخرجوا فورا… لا تنظروا خلفكم".
لم يكن هناك وقت لجمع شيء. لا أوراق، ولا ملابس، ولا ذكريات. الأم أمسكت بطفلتها الصغيرة التي كانت تبكي وتغطي أذنيها خوفا من الأصوات المفزعة، بينما كان شقيقها الأكبر يجرّ جدته بصعوبة نحو الباب الخارجي وسط الظلام والرياح الباردة.
وبمجرد أن خطت العائلة خطواتها الأخيرة خارج المنزل، دوى صوت مرتفع تبعه غبار كثيف غطى المكان. انهار المنزل خلال دقائق فقط– دون إصابات، ولكن على مسافة شعرة من الكارثة.
يضيف مشتهى: "لو تأخرنا دقيقة واحدة فقط لكان أولادي الآن تحت الأنقاض. البيت لم يسقط بسبب القصف وحده… الأمطار أنهت ما بدأته الصواريخ".
لم يبق شيء من المنزل سوى أطراف حديد ملتوية وبقايا غرف الأطفال المختلطة بالحجارة والوحل. لعب صغيرة مدفونة، وسرير مكسور، ودفاتر مدرسية مبتلة. تقف العائلة اليوم في العراء، تنظر إلى المكان الذي كان يومًا ملجأهم الوحيد.
يقول مشتهى بنبرة تختلط فيها الصدمة بالغصّة: "لم نكن نطلب شيئا كبيرا. أردنا فقط سقفا آمنا. الحرب دمرت البيت… والمنخفض الجوي أنهى ما تبقى منه. الآن لا نملك شيئا سوى أن نقول الحمد لله أننا خرجنا أحياء".
إشارة إنذار
لم يعد صوت المطر بالنسبة لعائلة خالد كلوب في حي النصر غرب مدينة غزة علامة على موسم الخير، بل إشارة إنذار. فمع أولى قطرات الماء التي تتسلل من الثقوب الدقيقة في السقف المتشقق، تتبدد دفء البيت ويحل مكانه خوف ثقيل. الجدران التي كانت تحيط عائلته بالأمان تحولت اليوم إلى هياكل متصدعة، تئن مع كل هبة ريح، وتطلق أصوات تشقق خافتة تشبه الهمس المخيف قبل الانهيار.
في غرفة الجلوس، تنتشر الشروخ الطولية والعرضية كشبكة عناكب على الجدران. بعض القطع الإسمنتية تسقط من السقف بين لحظة وأخرى، فتتناثر على الأرض قرب المكان الذي ينام فيه أطفاله. يقول كلوب لـ "فلسطين أون لاين": "لم أعد أخاف من المطر.. أنا أخاف من السقف. كلما اشتدت الرياح، أتخيل البيت ينهار فوقنا. الأطفال ينامون بملابسهم الثقيلة وعيونهم على الشقوق في السقف بدل النجوم".
عندما يشتد المنخفض الجوي، يبدأ الماء يتسرب من الشقوق الدقيقة، ويتجمع في أوعية بلاستيكية موزعة في زوايا البيت. تقول زوجته وهي تشير إلى بقع الرطوبة الداكنة: "هذا لم يعد بيتا… هذه غرفة انتظار بين الحياة والموت. نخاف أن نخرج فلا نجد مأوى، ونخاف أن نبقى فيسقط علينا".
أما الأطفال، فلا ينامون حين تعصف الرياح. كل ارتطام قوي للريح بالجدار المتصدع يجعل أصغرهم يصرخ ويرتمي في حضن والدته. يروي كلوب: "عند كل عاصفة، ننتقل للنوم في الممر الضيق بين الغرف لأننا نعتقد أنه أكثر أمانا. نضع الوسائد فوق رؤوسنا خوفا من سقوط أجزاء من السقف. لم يعد لدينا مكان آمن داخل منزلنا".
البيت الذي أصيب بأضرار جسيمة خلال الحرب ما زال مأهولا لأن العائلة لا تملك بديلاً. الإيجارات باهظة، ومراكز الإيواء مكتظة، والكرفانات غير متوفرة. يقول كلوب بكلمات تختصر عجز المرحلة: "نحن بين خيارين: أن نموت تحت القصف أو تحت أنقاض البيت. ومع كل منخفض جوي، نشعر أن الخيار الثاني يقترب أكثر".
مع كل موجة أمطار جديدة، يتوسع الشرخ في الجدار قليلاً، ويتراجع السقف سنتيمترا آخر نحو الهبوط، بينما ترتفع قلوب ساكنيه نحو الحلق. بالنسبة لعائلة خالد كلوب، لم تعد المنخفضات الجوية مجرد حالة طقس؛ بل اختبار بقاء يومي داخل منزل آيل للسقوط.
وتمثل قصة عائلتي مشتهى وكلوب جزء من مشهد واسع في قطاع غزة حيث خلّفت الحرب آلاف المنازل المتضررة كليا أو جزئيا، كثير منها ما يزال مأهولًا رغم تشققه وتصدعه.
آلاف العائلات لا تملك خيارا آخر؛ فالإيجارات ارتفعت بشكل كبير، والمساكن البديلة نادرة، ومراكز الإيواء مكتظة ولا توفر الحد الأدنى من الخصوصية، الأمر الذي يدفع الأسر للبقاء في بيوت تعرف أنها آيلة للسقوط لكنها البيت الوحيد المتاح. ومع استمرار القيود على إدخال مواد البناء وتعطل عملية إعادة الإعمار، يبقى الضرر الهيكلي في الجدران والأسقف دون إصلاح، ويتحول مع مرور الوقت إلى خطر مباشر على الحياة.
وتعمل المنخفضات الجوية المتكررة على كشف هذا الضرر المتراكم؛ فالمطر الذي يتسرب عبر الشقوق يزيد من رطوبة الجدران ويضعفها، والرياح القوية تخلخل أجزاء السقف والواجهات المتصدعة، ما يجعل كل موجة أمطار بمثابة اختبار قاسٍ لثبات تلك المنازل.
مخاوف وتحذيرات
من جانبه، يحذر المهندس المدني عاهد الطيبي الذي يعمل في شركة أصداء للمقاولات بمدينة غزة، من أن المنخفضات الجوية لا تقتصر أخطارها على الغرق أو تسرب المياه فقط، بل تسرّع بشكل كبير من انهيار المنازل المتضررة خلال الحرب.
يقول الطيبي لـ "فلسطين أون لاين": "المنازل المتصدعة لا تنتظر كثيرا؛ المطر والرياح يعملان كعامل تسريع للانهيار. عندما تتشبع الجدران بالمياه، يحدث تمدد داخل الخرسانة والبلوك، فتتسع الشقوق القائمة وتظهر شقوق جديدة، وهذا يؤدي إلى ضعف إضافي في قدرة الجدار على التحمل".
ويضيف موضحا تأثير الرياح "الرياح القوية لا تُرى، لكنها تضرب بقوة. الجدران المتشققة ليست متماسكة كما يجب، وأي ضغط جانبي عليها قد يسبب انهيار جزء منها أو سقوط الواجهات الخارجية. أكثر ما نخشى سقوط الشرفات والكرانيش الإسمنتية لأنها تنهار فجأة ودون إنذار".
كما يشير الطيبي إلى خطورة الأسقف والأسوار في هذه الظروف "في كثير من المنازل، الأسقف تعرضت للاهتزاز أو التشقق بفعل القصف. مع الأمطار، تتشبع طبقات السقف بالمياه فيزداد وزنها، ومع أي ضعف إنشائي يمكن أن يحدث انهيار موضعي في غرفة أو جزء من المنزل. كذلك الأسوار الخارجية المائلة أو المتصدعة تعتبر خطرة جدًا أثناء المنخفضات".
ولا تتوقف الخطورة عند الجدران والأسقف، بل تمتد إلى الأرض تحت المنزل "عندما تتشبع التربة المحيطة بأساسات البيت بالماء، تصبح رخوة وتفقد قدرتها على حمل الأحمال. هذا قد يؤدي إلى هبوط أرضي جزئي أو ميلان في الجدران، خصوصًا في المنازل التي تضررت أساساتها أو تلك المبنية على تربة ضعيفة".
ويخلص المهندس الطيبي إلى تحذير مباشر "أي منزل متضرر إنشائيا ويظهر عليه تصدع واضح يصبح خطرا مضاعفا في موسم المنخفضات الجوية. نحن نتحدث عن خطر حقيقي على الأرواح، وليس مجرد تلف في البناء. الحل المؤقت والآمن هو إخلاء هذه المنازل وتوفير بدائل سكنية سريعة للعائلات قبل حدوث الكارثة".
المصدر / فلسطين أون لاين