أخبار اليوم - في أحد أسرة مستشفيات خانيونس جنوب قطاع غزة، يقضي الطفل محمد محمود زنون عامه الثاني محاطًا بالأجهزة الطبية، بينما ينهش جسده الهزيل مرضٌ بدأ قبل أن يرى النور. وُلد محمد في زمن الحرب والمجاعة، ليصبح واحدًا من أصغر ضحاياها، إذ يواجه سلسلة من المشكلات الصحية المعقدة في ظل انهيار المنظومة الطبية ونقص الغذاء والدواء في القطاع.
لم يعرف محمد، البالغ من العمر عامًا ونصف العام، حياة طبيعية منذ ولادته؛ فمعظم أيامه يقضيها طريح الفراش داخل المستشفى نتيجة إصابته بسوء تغذية حاد ونقص شديد في البروتين.
يقول والده محمود زنون لصحيفة "فلسطين": "منذ أربعة أشهر تقريبًا ومحمد لا يفارق المستشفى، فهو يعاني من سوء تغذية حاد ونقص في البروتين تسبب بظهور حروق وتقرحات في جسده".
ويعيد الأب جذور معاناة طفله إلى فترة حمل والدته خلال الحرب، حين كانت تعيش ظروف مجاعة قاسية في قطاع غزة، دون توفر غذاء صحي كافٍ.
ويوضح: "كانت زوجتي تعاني من سوء تغذية أثناء الحمل، فلم تكن اللحوم أو الخضار أو البيض متوفرة، وإن وجدت كانت بأسعار لا نستطيع تحملها".
لم تتوقف الأزمة عند لحظة الولادة؛ فبعد قدوم محمد إلى الحياة، ظل قطاع غزة غارقًا في أزمة غذاء خانقة، مع ندرة الحليب الصناعي للأطفال، خاصة للأسر النازحة.
ويشير الأب إلى أن العائلة نزحت من مدينة رفح بعد تدمير منزلها، مضيفًا: "فقدنا كل ما نملك، وأنا أصبت خلال الحرب وأصبحت غير قادر على العمل، ما جعل توفير احتياجات الأطفال أمرًا بالغ الصعوبة".
ومع مرور الوقت، تفاقمت الحالة الصحية للطفل. فإلى جانب سوء التغذية، اكتشف الأطباء إصابته بما يعرف بـ"المثانة العصبية"، وهي حالة تمنع خروج البول بشكل طبيعي.
ويشرح الأب تفاصيل ذلك قائلاً: "لا يستطيع محمد التبول بشكل كافٍ، لذلك نضطر لتركيب قسطرة له بين الحين والآخر، ما أدى إلى توسع في حوض الكلى".
كما يعتقد الأطباء أن الطفل قد يكون مصابًا أيضًا بحساسية القمح، وهي مشكلة يعاني منها شقيقاه الأكبران بلال (13 عامًا) ويزن (11 عامًا). لكن غياب الفحوصات الطبية اللازمة في غزة يحول دون تأكيد التشخيص.
يقول الأب: "الأطباء يرجحون إصابته بحساسية القمح بسبب فقدانه الشهية وعدم قدرته على تناول الطعام، لكنهم لا يستطيعون الجزم بذلك لعدم توفر الفحوصات".
هذه الظروف الصحية المعقدة جعلت الأسرة مضطرة للذهاب بشكل شبه يومي إلى المستشفى، للحصول على الحليب الطبي المخصص للأطفال المصابين بالحساسية، إضافة إلى متابعة حالته وتركيب القسطرة.
لكن حتى هذه الاحتياجات الأساسية ليست مضمونة.
ويضيف الأب بأسى: "غالبًا لا يتوفر الحليب المخصص للحساسية في المستشفى، وثمنه مرتفع جدًا، وأنا لا أستطيع شراءه".
ولا تتوقف معاناة الأسرة عند محمد وحده، إذ يحتاج شقيقاه أيضًا إلى نظام غذائي خاص خالٍ من القمح، وهو ما يصعب توفيره في ظل الغلاء الشديد وشح المواد الغذائية.
ويقول الأب: "الحرب كانت قاسية علينا، فلا طعام للشخص السليم، فكيف بثلاثة أطفال يحتاجون إلى غذاء خاص؟".
وفي خيمة نزوح تفتقر لأبسط مقومات الحياة، تكافح عائلة زنون يوميًا لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أطفالها المرضى، بينما تتدهور حالة محمد الصحية مع مرور الوقت.
وفي ختام حديثه، يطلق الأب نداءً إنسانيًا أخيرًا: "كل ما أتمناه أن يتمكن محمد من السفر للعلاج خارج غزة قبل أن تتدهور حالته أكثر، وأن نجد من يساعدنا في تأمين احتياجات أطفالي المرضى".
وبين حربٍ لم تنتهِ ومجاعةٍ تتفاقم، يواصل الطفل محمد زنون معركته الصامتة مع المرض، في قصة تختصر وجع آلاف الأطفال الذين وُلدوا في غزة خلال زمن الحرب.
فلسطين أون لاين