أخبار اليوم - كانت الساعة تقترب من العاشرة مساء السبت، عندما تنبّه أهالي خلة السدرة الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة القدس المحتلة لهجوم المستوطنين على التجمع.
بدأ الهجوم من كل اتجاه، إذ اقتحم عشرات المستوطنين التجمع وطوّقوه، وعلى الفور بدؤوا بسكب مواد سريعة الاشتعال على الأرض وإحراق كل ما يصادفهم.
50 مستوطنا يحملون العصي والهراوات ومواد مشتعلة انتشروا في جميع أنحاء التجمع، واعتدوا على كل من صادفهم من السكان والمتضامنين الأجانب الموجودين معهم أيضا، وفق شهود عيان للجزيرة نت.
كانت أكثر الإصابات بالاختناق جراء رش المستوطنين غاز الفلفل، لكن يوسف زواهرة (41 عاما) وزوجته عايدة واثنين من المتضامنين الأجانب كانوا الأكثر تضررا جراء الضرب المبرح الذي أصاب يوسف إصابة بالغة، كما أصيبت زوجته واثنان من المتضامنين الأجانب الذين حاولوا حمايتهما.
وفي الاعتداء ذاته، حرق المستوطنون المنزل بالكامل، ولم تشفع الأسلاك الشائكة التي حاول يوسف تسييج منزله به، ولا الكلاب التي انتشرت حول المنزل، فالنيران التي كانت تشتعل في كل مكان أجبرت الجميع على الابتعاد.
صورة رقم 12_ فلسطين- عزيزة نوفل- مستوطنين أحرقوا مركبات و منازل في تجمع بدوي خلة السدرة شمال شرق القدس المحتلة- الجزيرة نت_
اعتداءات المستوطنين تستهدف بشكل شبه يومي تجمع خلة السدرة لكن هجوم السبت كان الأعنف (الجزيرة)
الهجوم الأعنف والأوسع
ليس فقط منزل زواهرة، فقد تعرضت ثمانية من منازل التجمع الـ15 للحرق الكامل، إلى جانب إحراق مركبتين، وإحراق وتخريب مضارب الأغنام والمرافق الأخرى. يضاف كل ذلك إلى باقي المنازل التي أُحرقت في الاعتداءين السابقين في أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول الماضيين، واليوم باتت كل منازل التجمع محروقة ولا مجال للعيش فيها.
يقول نسيم زواهرة، ابن شقيق يوسف، للجزيرة نت إن عمه تعرض للضرب المبرح مما تسبب بجروح عميقة في رأسه وقرب عينه اليسرى، ورضوض في جميع أنحاء جسده، كما هو حال زوجته، مما استدعى نقلهما إلى المستشفى.
ليس هذا الاعتداء الأول على تجمع خلة السدرة الواقع بالقرب من بلدة مخماس، لكنه الأعنف والأوسع، كما يقول يوسف كعابنة، أحد سكان التجمع، للجزيرة نت.
كعابنة وأشقاؤه كانوا من الموجودين في التجمع وقت الاعتداء، وكما يقول لم يستطع عدّ المستوطنين لكثرتهم، لكنه يقدّر أن عددهم تجاوز الـ50 مستوطنا، تجمعوا من المستوطنات الست المحيطة بالتجمع.
صورة رقم 7 _ فلسطين- عزيزة نوفل- يوسف كعابنه يتحدث عن الاعتداءات على تجمع بدوي خلة السدرة- الجزيرة نت_
كعابنة: تجمع خلة السدرة يتعرض منذ حوالي عام لهجمات شبه يومية من قِبَل المستوطنين (الجزيرة)
اعتداءات يومية
وكما يوضح كعابنة، فإن التجمع يتعرض منذ حوالي عام لهجمات شبه يومية، من قطع الطرق وسرقة المواشي، واعتداءات على السكان، ومنعهم من المراعي، وسرقة ممتلكات المواطنين، وغير ذلك، أكبرها ما كان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وفي ديسمبر/كانون الأول والاعتداء الأخير، وهو ما جعلهم ينقلون النساء والأطفال من التجمع إلى مكان أكثر أمنا: "لو كان الأطفال والنساء في التجمع لوقعت مجزرة".
كعابنة تعرض هو نفسه للضرب وسُرقت أغنامه وخرب المستوطنون منزله، ورغم ذلك كان تحريضه على البقاء في التجمع كما كل رجال التجمع، لإدراكه أن وجوده وما تبقى من أفراد التجمع هي الطريقة الوحيدة لحمايته "ليس هذا التجمع المقصود، بل السيطرة على كل المنطقة الممتدة وحتى مدينة القدس وتهجيرنا، في اليوم الثاني لرحيلنا من المكان ستقام مستوطنة جديدة مكان التجمع".
وتجمُّع خلة السدر واحد من 33 تجمعا بدويا يقع في نفس المنطقة "شمال شرق مدينة القدس"، وتسكنه 15 عائلة تنتمي لعشائر الكعابنة والزواهرة، وهي العائلات التي هُجرت في الأصل من أراضي النقب عام 1948 واستوطنت في بادية القدس.
وحتى قبل 19 عاما، كانت هذه العائلات تسكن في محيط قرية دير دبوان، وهُجرت بعد إعلانها أراضي عسكرية مغلقة من الجيش الإسرائيلي، وهذه الأراضي التي تسكن فيها حاليا هي أراض ملكية خاصة مسجلة لأهالي قرية مخماس.
أهمية الصمود
وبحسب مشرف منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو في الضفة الغربية، المحامي حسن مليحات، فإن ما يجري في خلة السدر هو نموذج لتنكيل المستوطنين المتكرر والمنظم بالتجمعات البدوية للضغط عليها للرحيل "فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 زادت البؤر الاستيطانية المحيطة بالتجمع إلى 6 بؤر، إلى جانب الاعتداءات اليومية منذ أكثر من عام".
وقال مليحات للجزيرة نت إن رحيل هذا التجمع يعني بداية رحيل كل التجمعات البدوية التي تقع في شرق وشمال شرق القدس، إلى جانب 12 تجمعا تقع غربها.
يضاف هذا إلى تهديد 18 تجمعا بالترحيل مع بدء تنفيذ مخطط "إي1" (E1) الذي سيقضي على الوجود البدوي في جميع المنطقة الممتدة ما بين مستوطنة معاليه أدوميم ومدينة القدس إلى الغرب منها.
وتابع مليحات "صمود التجمعات البدوية في هذه المناطق هو الذي حافظ على ترابط الضفة الغربية في ظل الاستيطان المتزايد، وتهجيرها لا يعني فصل جنوب الضفة عن شمالها، وإنما تقسيمها إلى كانتونات معزولة عن بعضها".
استهداف سياسي واقتصادي
يوافق منسق الحملة الشعبية الفلسطينية لمقاومة جدار الفصل العنصري، جمال جمعة، على ما ذهب إليه مليحات من خطورة ترحيل هذه التجمعات، مشيرا إلى أن كل التجمعات البدوية في الضفة بات يهددها الترحيل الآن جراء هذه الاعتداءات في خطة سياسية منظمة.
وقال جمعة -للجزيرة نت- إن الهدف هو تطهير المنطقة بالكامل عرقيا من كل التجمعات البدوية الموجودة في الضفة الغربية، وعددها يتجاوز 218 تجمعا، تمتد من مسافر يطا جنوب الضفة وحتى الأغوار الشمالية، وترحيلها يعني خلق تواصل بين المستوطنات الإسرائيلية وفراغ كل المنحدرات الشرقية من الخليل وحتى منطقة الأغوار ومصادرتها.
وتابع "في المناطق المصنفة (ج) كان يسكنها 300 ألف فلسطيني، أما الآن فمن يوجد في هذه المنطقة أقل من 150 ألفا هم سكان هذه التجمعات، وترحيلهم يعني كارثة حقيقية".
وذكر أن "مجموع ما تم سرقته ومصادرته بفعل الاعتداءات الاستيطانية خلال فترة الحرب فقط أكثر من 900 كيلومتر مربع، أي 3 أضعاف مساحة قطاع غزة، وجميعها بنيت فيها بؤر استيطانية".
كل ذلك إلى جانب ضرب أهم مصادر الاقتصاد في فلسطين، فهذه التجمعات البدوية -حسب جمعة- تسيطر على 85% من الثروة الحيوانية، لذا فإن إسرائيل تضغط سياسيا باتجاه ترحيل هذه التجمعات لتحقيق جميع الأهداف سواء بالسيطرة على الأرض أم ضرب الاقتصاد الفلسطيني والسيطرة عليه أكثر، وكل ذلك من خلال اعتداءات المستوطنين المستمرة.
الجزيرة