"سأحمل السلاح من جديد" .. رئيس كولومبيا يستعد لحرب "محتملة" مع واشنطن

mainThumb
"سأحمل السلاح من جديد".. رئيس كولومبيا يستعد لحرب "محتملة" مع واشنطن

20-01-2026 11:35 AM

printIcon

أخبار اليوم - بحسب المؤرخ الهندي الأميركي ومدير معهد "الأمميات الثلاث" للبحوث الاجتماعية فيجاي برَشاد، فإن الهند حين حاولت أن تتحوَّل إلى الرأسمالية في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وأملت في دخول برامج قروض صندوق النقد الدولي؛ كانت تعرف أن تلك البوابة يكمُن مفتاحها في جيب العلاقات الجيدة بالولايات المتحدة الأميركية، وقد أخبر المسؤولون الأميركيون نظراءهم الهنود حينها بوضوح أن الطريق إلى واشنطن يمر عبر تل أبيب، أي إن إصلاح العلاقات بدولة الاحتلال الإسرائيلي، رغم تاريخ الهند الكبير في الوقوف مع القضية الفلسطينية، شرط أساسي لإقامة علاقة ناجحة مع القوة الأكبر في العالم.

على العكس من تلك النصيحة الأميركية سار غوستافو بيترو منذ وصل إلى سدة الحكم في كولومبيا، التي اعتادت من قبله على علاقة متينة للغاية مع الولايات المتحدة ومع حليفتها دولة الاحتلال الإسرائيلي.


لم يتجاهل بيترو فحسب دولة الاحتلال، بل اتخذ ضدها خطوات أثناء حربها الإبادية على غزة من النادر أن يتخذ مثيلها رئيس في العالم. فمن خلال مواقفه الصارمة ضد تل أبيب نصرةً للقضية الفلسطينية، جعل بيترو علم بلاده، الذي كان هامشيا في السياسة الدولية إلى حدٍّ ما، يُرفرف في شتى الميادين التي كانت تتظاهر للتضامن مع غزة.

بدأت مواقف بيترو المعادية للاحتلال والهيمنة الأميركية حين أصبح واحدا من أوائل الزعماء الذين وَصفوا ما يحدث في غزة بالإبادة، حيث قارن بين ما حدث في القطاع وما كان يحدث لليهود على أيدي النازيين في ألمانيا.

وقد أعلن في منتصف عام 2024 أن بلاده ستقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل لأنها تحت حكم رجل إبادي، مما دفع وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى التصريح بأن "التاريخ سيذكر أن بيترو وقف إلى جانب أحقر وحوش عرفتها البشرية"، في إشارة إلى حركة حماس.



بعد إيقاف إسرائيل أسطول الصمود، الذي كان مُتوجِّها إلى غزة، أعلن بيترو طرد الوفد الدبلوماسي الإسرائيلي من بلاده. وقد وصل الأمر إلى حد أن بيترو في يوم 26 سبتمبر/أيلول الماضي شارك بنفسه في مسيرة مؤيدة للحقوق الفلسطينية في شوارع نيويورك، وأمسك بمكبر الصوت بين المتظاهرين وحيَّاهم باللغة العربية، وقال إنه سيحمل السلاح بنفسه إذا اقتضى الأمر من أجل تحرير فلسطين، وقال للجنود الأميركيين إن عليهم ألا يطيعوا أوامر رئيسهم دونالد ترامب ويطلقوا أسلحتهم على الناس.

وفي خطاب مزلزل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا بيترو دول وشعوب العالم إلى تشكيل جيش وحمل السلاح لتحرير فلسطين، ووجَّه دعوته إلى "جيوش آسيا وشعوب السلاف (وهم معظم شعوب أوروبا الشرقية)* الذين هزموا هتلر ببسالة وجيوش أميركا اللاتينية"، مؤكدا أن الحرب الإبادية على غزة لا تستهدفها وحدها، بل تستهدف الإنسانية التي تنادي بالحرية كلها.

ولم ينسَ بيترو أن ينتقد الولايات المتحدة، قائلا إن ترامب لا يسمح فقط بسقوط الصواريخ على منطقة البحر الكاريبي بسجن المهاجرين وتقييدهم بالسلاسل، بل يغُض بصره عن إطلاق الصواريخ على النساء والأطفال وكبار السن والشباب في قطاع غزة، ومن ثم فهو شريك في جريمة الإبادة الجماعية.

سار بيترو إذن على الطريق المؤدي إلى قلب الولايات المتحدة لكن في الاتجاه المُعاكِس، ولا عجب أنه بعد ساعات من المظاهرة التي قادها في شوارع نيويورك، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إلغاء تأشيرة دخوله إلى البلاد، فرد بيترو قائلا إنه لا يحتاج إلى تلك التأشيرة، وكان مُسوِّغ الولايات المتحدة هو أن بيترو أقدم على سلوك متهور حين حث الجنود الأميركيين على عصيان الأوامر.

إن كان بيترو قبل أشهر قد تعهَّد بحمل السلاح نصرةً لفلسطين، في تحرُّك رمزي بدرجة كبيرة، فإنه مؤخرا تحدَّث بشكل أكثر جدية عن احتمالية العودة للسلاح، الذي حمله شابا في إحدى الجماعات المسلحة المتمردة، بعد أن تلقَّى تهديدات صريحة من ترامب باستهدافه في عملية شبيهة بعملية اعتقال نظيره الفنزويلي مادورو قبل أيام.


رمزٌ ضد الإمبريالية
لطالما كانت كولومبيا قبل بيترو تدور في فلك الولايات المتحدة، فقد كانت الشريك الأقرب أمنيا إلى الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية على مدار 25 عاما ومن قبلها أثناء الحرب الباردة، نتيجة موقعها المحوري في القارة اللاتينية، إذ إنها تملك سواحل على جانبَيْ أميركا الوسطى، فجزء من سواحلها يتصل بالمحيط الأطلنطي عبر البحر الكاريبي، والجزء الآخر يتصل بالمحيط الهادي.

بين عامي 2000-2018، قدَّمت وزارتا الخارجية والدفاع الأميركيتان مساعدات لكولومبيا تجاوزت عشرة مليارات دولار أميركي، فمع بداية القرن الحالي أطلق الكونغرس خطة سمَّاها "خطة كولومبيا"، وكانت تهدف إلى مكافحة تجارة المخدرات المنتشرة في الولايات المتحدة بالقضاء على تجارتها من دولة المنبع وهي كولومبيا، وذلك عبر المساعدات الأمنية للدولة هناك.


وبحسب الكونغرس الأميركي فإن تلك المساعدات ساعدت كولومبيا، التي كانت على حافة الانهيار في نهاية تسعينيات القرن العشرين، في الحد من جرائم القتل والاختطاف، كما ساعدتها في مواجهة الجماعات المسلحة واستعادة السيطرة على أراضيها.

لكن بيترو كان له رأي مختلف، إذ رأى أن المساعدات الأميركية لم تُمنح من أجل تنمية مستدامة حقيقية في كولومبيا ولا حتى للقضاء على تجارة المخدرات بتوفير مستقبل أفضل للإنسان الكولومبي، بل كانت مجرد معدات عسكرية أميركية خالصة تعود ملكيتها إلى الولايات المتحدة في النهاية، واستخدمت القمع الأمني دون البحث عن بدائل للمنخرطين في تجارة المخدرات تمنحهم حياة اقتصادية مستقرة.

كانت العلاقة بين البلدين قوية إذن حتى صعد بيترو إلى الحكم، ومن ثمَّ بدأت العلاقة في الفتور، وإن كان بيترو قد وصفها في فترة جو بايدن بالجيدة، حيث تواصل مع بايدن أربع مرات، لكن حين جاء ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة أصيبت العلاقة بتوتر كبير، وصارت على حافة التحوُّل إلى عداء مفتوح، فقد غيَّر بيترو سياسة بلاده الخارجية تماما بالنظر إلى كونه أول رئيس يساري لكولومبيا في تاريخها القريب.

علاوة على كل ذلك، أعلن بيترو انضمام بلاده إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية رغم كل الضغوط الأميركية، إذ وقَّعت الصين وكولومبيا خطة تعاون بين الدولتين من أجل المشاركة في الحزام الاقتصادي لطريق الحرير البري والبحري، باحثة عن تنمية حقيقية قد تُسهِم فيها الصين وتساعد في ظاهرة مكافحة عصابات المخدرات من جذورها، كما أعاد بيترو العلاقات مع نظام مادورو المغضوب عليه في فنزويلا، ودعا لإنهاء العقوبات الأميركية على فنزويلا، قبل أن تُنفَّذ العملية الأميركية الأخيرة.

والواقع أن بيترو كان يشاغب الرئيس الأميركي منذ صعود الأخير للسلطة في فترته الثانية، فمنذ عودة ترامب اتَّهمه بيترو بأنه يعامل الكولومبيين وكأنهم مجرمون في إطار سعيه لقمع الهجرة غير النظامية. وقد رفض بيترو منذ البداية استقبال المطرودين الكولومبيين من الولايات المتحدة، رغم أنه عاد بعد ذلك وتراجع عن موقفه ووافق على استقبالهم نتيجة الضغوط الأميركية.

ولعل عنوان التوتر الأكبر الذي شهدته العلاقات بين واشنطن وبوغوتا في عهد الرئيسيْن، اللذيْن ينتمي أحدهما إلى أقصى اليمين والآخر إلى أقصى اليسار، هو "حرب المخدرات"، فكلاهما يحمل رؤية مختلفة كليا عن الآخر فيما يتعلق بالطريقة التي ينبغي التعامل بها مع ملف المخدرات. وتكمن المشكلة في أن كولومبيا هي أكبر المناطق المنتجة للكوكايين، ونظرا لقربها من الولايات المتحدة، ينتهي معظم هذا الكوكايين في السوق الأميركي ويُدمِّر معه الحيوات والأُسَر الأميركية، ولهذا السبب تجد واشنطن دافعا كبيرا في تحجيم إنتاج المخدرات في كولومبيا.

يرى بيترو أن الحرب على المخدرات يجب ألا تنتهي بقتل تجار المخدرات الصغار الفقراء، الذين لم يجدوا أي فرصة أخرى في الحياة لكسب لقمة العيش، ويجادل بأن الإستراتيجية الأميركية تستهدف المزارعين الذين يزرعون الكوكا، تاركةً التدفقات المالية للعصابات وغسيل الأموال على حالها، حيث إن تجار المخدرات الحقيقيين يحيون حياة الترف في نيويورك. في المقابل، تبدو إدارة ترامب مقتنعة بالنهج الأمني التقليدي للحرب على المخدرات.

وبحسب وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسِّنت، فإن إنتاج الكوكايين ارتفع إلى أعلى معدل له منذ عقود في كولومبيا منذ أن تولى بيترو الحكم، مما أدى إلى إغراق الولايات المتحدة بالكوكايين، كما أن بيترو سمح لعصابات المخدرات بالازدهار، ورفض اتخاذ خطوات فعالة لوقف هذا النشاط السام، وفقا لادعاءات بيسِّنت.


من جهته، يرى بيترو أن الولايات المتحدة تُروِّج الأكاذيب حول بلاده، فالواقع أن توسُّع محاصيل الكوكا في كولومبيا، وهي المكون الأساسي للكوكايين، تباطأ كل عام منذ عام 2021، كما أن البلاد في عهده صادرت كميات غير مسبوقة من الكوكايين تفوق ما صادرته في تاريخها كله، بالتزامن مع نهج اجتماعي لا أمني في التعاطي مع المنخرطين في تجارة المخدرات.

وقد أدى هذا الخلاف إلى تطورات خطيرة، إذ فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الرئيس الكولومبي وزوجته وابنه، بالإضافة إلى أرماندو بينيديتي، وزير الداخلية الكولومبي، وذلك على خلفية اتهام الولايات المتحدة لهم بالفشل في تحجيم تجارة المخدرات الكولومبية، وجدير بالذكر هنا أن ترامب وصف بيترو بأنه "تاجر مخدرات غير شرعي" في خضم ذلك الصراع.

تصاعد الصراع أكثر في الفترة الأخيرة أيضا حين بدأت إدارة ترامب، مُستخدمةً وحدات البحرية الأميركية، في شن هجمات قاتلة في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادي منذ أغسطس/آب المنصرم، وتستهدف تلك الهجمات سفنا تقول إدارة ترامب إنها تحمل المخدرات. وقد قتلت الوحدات البحرية حتى الآن ما لا يقل عن 80 شخصا، وكانت تلك الهجمات تتركز في البداية قرب سواحل فنزويلا، لكنها امتدت إلى سواحل المكسيك، قبل أن تُشارك في تمهيد الطريق لاعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو.

يرى بيترو أن تلك الحملة العسكرية الأميركية حملة إمبريالية تنفذ عمليات قتل دون محاكمة، ويؤكد أن بعض هؤلاء الضحايا لم تكن لهم أي علاقة بتهريب المخدرات، بل كانوا مدنيين، ومن ثم فإن تلك العمليات التي يقوم بها ترامب خارج نطاق حقوق الإنسان من وجهة نظره، وينبغي أن يُحاكَم عليها بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

في سبتمبر/أيلول الماضي، تصاعد الصراع أكثر حين تسبَّبت إحدى الهجمات الأميركية في قتل رجل كولومبي قالت بوغوتا إنه لم يكن سوى صياد متواضع، وكتب بيترو على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي قائلا: "لقد غزت الولايات المتحدة أراضينا الوطنية، وأطلقت صاروخا قتل صيادا بسيطا، ودمرت عائلته وأطفاله"، كما أكَّد بيترو أنه طلب من مكتب المدعي العام في بلاده بدء إجراءات قانونية دولية وفي المحاكم الأميركية ضد ترامب.

وأمام هذا الاعتراض الكولومبي تعهَّد ترامب بوقف المساعدات وفرض رسوم جمركية جديدة على السلع الكولومبية، وحذَّر بيترو من أنه لو لم ينهِ تجارة المخدرات من بلاده فستقوم الولايات المتحدة بذلك نيابة عنه، في تهديد صريح بالتدخل في كولومبيا عسكريا، وأمام ذلك استدعت كولومبيا سفيرها لدى الولايات المتحدة واعتبرت تصريحات ترامب بمنزلة تهديد بغزو كولومبيا.

لقد وصلت العلاقة بين بيترو وترامب إلى حد التنابز بالألقاب، وقد نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ترامب وصف بيترو بأنه مجنون ويعاني من مشكلات نفسية، وبأنه زعيم متدني المستوى وغير محبوب. وفي المقابل قال بيترو إن ترامب يصفه بالاشتراكي، لكن أن يكون المرء اشتراكيا أفضل له من أن يكون فاشيا (في إشارة إلى ترامب).

ثمَّة رأي راديكالي لدى بيترو في هذا الهجوم الذي يشنه عليه ترامب بالأقوال والتهديدات والأفعال، فهو يرى أن الهجوم الذي يتعرَّض له هو وعائلته ليس ناتجا من الإستراتيجية التقدمية التي يريد أن يتعامل بها مع أزمة المخدرات فحسب، وإنما يتعلق بالأساس بمواقفه الخارجية المناصرة لفلسطين وللسلام في منطقة الكاريبي، ودفاعه عن عدم اجتياح فنزويلا، حيث يعتقد بيترو أن إدارة ترامب تحاول أن تغزو فنزويلا لوضع يدها على النفط، وهي مخاوف أكَّدتها توابع اعتقال مادورو، وتصريحات علنية من نائب الرئيس الأميركي بأن الولايات المتحدة تنوي الاستفادة من النفط الفنزويلي.


صراع غير متكافئ
في ظل هذا المناخ المشتعل، وفي ظل توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، أمَر بيترو في نهاية العام الماضي قوات الأمن في كولومبيا بالتوقف الفوري عن تبادل أي معلومات استخبارية مع الولايات المتحدة حتى تتوقف إدارة ترامب عن ضرباتها على مَن تعتبرهم تجارَ مخدراتٍ مشتبها بهم في منطقة البحر الكاريبي.

وقد صنَّف ترامب كولومبيا ضمن قائمة دول شملت أفغانستان وبوليفيا وميانمار وفنزويلا على أنها دول فشلت في التعاون مع الحرب العالمية على المخدرات، وفشلت في الالتزام بالاتفاقيات الدولية واتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة تجارة المخدرات، وهو تصنيف كان معناه سحب واشنطن اعتماد كولومبيا بوصفها حليفا في الحرب على المخدرات.


وقد صرَّح بيترو بعدها أن عصر الاعتماد على واشنطن انتهى، وأن من الأفضل للجيش الكولومبي شراء أسلحته وتصنيعها بنفسه، وإلا فلن يكون جيشا ذا سيادة وطنية.

كما صرَّح وزير داخلية كولومبيا بينيديتي حينها بأنه "من الآن فصاعدا، لن نشتري أسلحة من الولايات المتحدة، وأن كولومبيا ستبحث الآن عن شركاء جدد لشراء السلاح". وقد علقت وكالة أنباء "ميركوبرِس" على هذا التصريح بالقول إنها "مهمة صعبة بالنظر إلى قرار بيترو عدم شراء الأسلحة من إسرائيل العام السابق".

وقد أعلن الرئيس الكولومبي الخريف الماضي عن صفقة بقيمة 4.3 مليارات دولار لشراء طائرات حربية سويدية، إذ توصَّلت كولومبيا إلى اتفاق مع شركة "ساب" السويدية المعروفة من أجل شراء 17 طائرة مقاتلة من طراز "غريبِن"، وكان هذا أول تأكيد رسمي كولومبي لحجم وتكلفة تلك الصفقة التي بدأ الحديث عنها عموما دون تفاصيل في أبريل/نيسان 2025، واعتبر بيترو الصفقة بمنزلة قوة ردع لتحقيق السلام.


اعتقال مادورو
رغم توتُّر سابق بينه وبين الرئيس الفنزويلي مادورو يعود إلى بداية العام الماضي، فإن بيترو لم يتردَّد في فتح باب النقد اللاذع من جديد بوجه نظيره الأميركي ترامب بعد عملية اعتقال مادورو، واصفا إياها بانتهاك فج للسيادة في أميركا اللاتينية، وباستعراض موت يُشبه القصف الألماني النازي المُكثَّف والشهير لمدينة غرنيكا الإسبانية عام 1937 دعما للنظام الفاشي بقيادة فرانكو.

في واشنطن، ردَّ ترامب مُلمِّحا إلى أن تنفيذ عملية عسكرية مُشابهة في كولومبيا "فكرة جيدة"، في تهديد مُبطَّن للرئيس الكولومبي، مما استدعى ردًّا ناريًّا من بيترو تعهَّد فيه بحمل السلاح دفاعا عن بلاده في مواجهة التهديدات القادمة من واشنطن. "لقد أقسمت أنني لن أحمل سلاحا في السابق، ولكنني سأحمله مُجدَّدا من أجل وطني"، هكذا غرَّد بيترو على موقع التواصل الاجتماعي "إكس".

وفي تغريدة طويلة ردًّا على اتهامات ترامب له بأنه متواطئ مع تجار المخدرات، قال بيترو: "إذا قصفت الفلاحين، فسيتحوَّل الآلاف منهم إلى مقاتلين بالجماعات المسلحة النشطة في الجبال، وإذا اعتقلت الرئيس (يقصد نفسه)، الذي يحبه ويحترمه جزء كبير من شعبي، فإنك تُطلق العنان للنمور (في إشارة إلى الشعب الكولومبي)".

سرعان ما لبَّت الجماهير الكولومبية دعوة للنزول إلى الشوارع تضامُنا مع رئيسها يوم الأربعاء الماضي، وقد تحدَّث بيترو أمام الجماهير بخُطبة هادئة نسبيا، يعزوها كثيرون إلى رغبته في التهدئة بسبب الضغوطات الأميركية وتصعيدها الأخير، وعلاقاته غير الودية بالرئيس مادورو على أي حال، رغم تحفُّظه على تحرُّكات ترامب في المنطقة وعلى العملية الأخيرة بالتحديد.

"لقد كتبت خطبة كي ألقيها اليوم، لكنني قررت أن ألقي خطبة أخرى. كانت الأولى لاذعة إلى حدٍّ ما، ولذلك غيَّرتها. لقد طلبت من ترامب أن يعيد التواصل المباشر بين حكومتيْنا، فلو لم ينشأ حوار، ستندلع الحرب". بتلك الكلمات، ومن بين أنصاره، قرَّر بيترو تهدئة الأمور، موقنا بأن تهديدات واشنطن ليست مجرد تصعيد خطابي كما أثبتت عملية فنزويلا. وقد تجاوب ترامب داعيا بيترو إلى البيت الأبيض، ومُجريا مكالمة هاتفية معه وَصَفها بأنها "كانت شرفا عظيما".

وراء تلك التهدئة بطبيعة الحال ثمَّة حسابات منطقية مفادها لا شك أن بيترو يرى نذير مواجهة فعلية مع الولايات المتحدة، وليس مجرد صراع سياسي على خلفية ما جرى في غزة، أو الخلافات بشأن المخدرات، أو التعارض الواضح بين رؤاه اليسارية ورؤى ترامب اليمينية.

على ضوء اتجاه ترامب نحو تجديد عقيدة مونرو، الخاصة بترسيخ نفوذ واشنطن في نصف الكرة الغربي، يبدو أن الإدارة الأميركية الحالية أكثر رغبة من سابقاتها في استخدام القوة الصلبة في أميركا اللاتينية، وهو ما عبَّر عنه بيترو صراحة في حوار مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) قبل يومين، إذ قال صراحة إنه يعتقد بوجود خطر حقيقي بتحرُّك عسكري أميركي ضد بلاده.

"إننا نُفضِّل الحوار، لكن تاريخنا يكشف كيف ردَّت كولومبيا على غزوها من جيوش كبيرة. الأمر ليس امتلاك جيش ضخم، لا نملكه من الأساس. إننا لا نملك دفاعات جوية أصلا، ولكننا بدلا من ذلك نعتمد على شعبنا، وعلى الجبال والغابات، كما تعوَّدنا دوما"، بتلك الكلمات بدت نبرة بيترو أقل تفاؤلا بالحوار الذي بدأ قبل أقل من أسبوع، ومتمسكة بسيادة بلاده في الوقت نفسه، لكن دون توجيه نقده اللاذع المُعتاد للولايات المتحدة.

يصعُب تصوُّر أن تُقدِم الولايات المتحدة على انتهاك سيادة دولة أخرى في أميركا اللاتينية في فترة قصيرة كما تشي مخاوف المتشائمين، كما أن عامل النفط الذي شجَّعها على عملية فنزويلا ليس حاضرا في كولومبيا، مما يعني أن احتمالية وقوع المواجهة التي يخشاها بيترو لا تزال ضئيلة.

بيد أن ما يجري في إيران من استخدام الاختراقات من الداخل لزعزعة استقرار النظام ليس أمرا بعيد المنال، لا سيَّما في بلد مثل كولومبيا هيمنت عليه الاتجاهات اليمينية والرغبة في التحالف مع الولايات المتحدة لعقود طويلة، مما يسمح لا شك بتشكُّل جماعات لها مصالح في إقصاء بيترو.

وحدها الأيام ستكشف لنا عن مسار العلاقات بين كولومبيا والولايات المتحدة، وما إن كان الرئيس الكولومبي سينجح في تفادي الصدام دون أن يفقد أجندته اليسارية أو يرضخ لشروط بخصوص ملفَيْ عصابات التجارة في المخدرات والعلاقات مع الصين، أم أن الرغبة الأميركية في التصعيد والإمساك بزمام الأمور في الجنوب تتجاوز أي تنازلات مُحتملة يمكن أن تحصل عليها واشنطن من دول أميركا اللاتينية.

الجزيرة + مواقع إلكترونية