م.موسى عوني الساكت
يشكّل تمويل المشاريع الكبرى أحد أكثر التحديات تعقيداً أمام الاقتصادات المتوسطة والصغيرة، ومن بينها الاقتصاد الأردني، خاصة في ظل محدودية الموارد المالية، وارتفاع كلفة الاقتراض، وتراجع المنح الخارجية. وعليه، فإن السؤال لم يعد يتمحور حول الحاجة إلى المشاريع الكبرى بقدر ما يتركز على الأدوات التمويلية القادرة على ضمان استدامتها وتعظيم أثرها الاقتصادي.
في ملف التمويل، تبرز أدوات تستحق نقاشاً معمقاً. أولها إمكانية تأسيس بنك تنمية محلي أو صندوق استثماري سيادي، يتولى توجيه التمويل نحو المشاريع ذات القيمة المضافة العالية، لا سيما تلك التي ترفع الطاقة الإنتاجية، وتولّد فرص عمل مستدامة، وتعزز القدرة التصديرية. مثل هذه الأداة لا تهدف فقط إلى تمويل المشاريع، بل إلى إدارة التنمية، من خلال توجيه الموارد وفق أولويات اقتصادية واضحة، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي وشروطه.
وعند المقارنة مع تجارب دول قريبة من الأردن من حيث حجم الاقتصاد والموارد، نجد أن دولاً مثل المغرب، ومصر، وحتى بعض دول أوروبا الشرقية، اعتمدت على صناديق استثمارية وتنموية وطنية لعبت دوراً محورياً في تمويل البنية التحتية والطاقة والنقل والصناعة. ورغم أن هذه الصناديق لا تمتلك فوائض نفطية كالخليج، إلا أنها نجحت في تجميع المدخرات المحلية، وجذب الشراكات الأجنبية، وتحقيق عوائد اقتصادية وتنموية مزدوجة. وهذا النموذج يبدو أكثر ملاءمة للأردن مقارنة بالصناديق السيادية التقليدية المرتبطة بفوائض مالية ضخمة.
النقطة الثانية تتمثل في تأسيس شركة مساهمة عامة ذات أهداف استثمارية وتمويلية، تتولى تنفيذ أو تمويل المشاريع الاستراتيجية الكبرى. تقوم هيكلية هذه الشركة على مساهمة القطاع الخاص المحلي والخارجي بنسبة تتجاوز ثلثي رأس المال، مقابل مساهمة صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي بالمبلغ المتبقي، بما يضمن الحوكمة والرقابة دون هيمنة حكومية مباشرة. ومع التوجه لاحقاً لإدراج الشركة في سوق عمان المالي، يمكن تحويلها إلى منصة استثمار وطنية تعزز عمق السوق المالي وتستقطب المدخرات.
إن تبني هذه الأدوات يمثل تحولاً في فلسفة إدارة التنمية والمشاريع ذات العائد الاقتصادي المرتفع، من الاعتماد على الاقتراض إلى بناء شراكات إنتاجية، ومن تمويل الإنفاق إلى تمويل النمو. وهذا ما يحتاجه الاقتصاد الأردني في المرحلة المقبلة.