أخبار اليوم - في الوقت الذي تسوّق سلطات الاحتلال الإسرائيلي نفسها عالميًا كدولة “إنسانية” رائدة في مجال التبرع بالأعضاء، وتفاخر بتحقيق أرقام قياسية في التبرع بالكُلى، تتكشف في المقابل وقائع صادمة تُدين الاحتلال بارتكاب جرائم جسيمة بحق الجسد الفلسطيني، حيًا وميتًا، تشمل احتجاز جثامين الشهداء، وانتهاك حرمتها، والاشتباه بسرقة أعضائها، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وبالتزامن مع يوم التضامن العالمي مع فلسطين وأسراها، الموافق 31 يناير/كانون الثاني، عادت قضية جثامين الشهداء المحتجزة إلى الواجهة، في ظل شهادات متزايدة لعائلات وأطباء ومؤسسات حقوقية تؤكد أن ما يجري لا يقتصر على الاحتجاز، بل يرقى إلى جريمة منظمة تُمارس في ظل صمت دولي مطبق.
شهيد تحت التعذيب
لم تستبعد ياسمين البرش، زوجة طبيب العظام الفلسطيني الشهيد عدنان البرش، أن يكون الاحتلال الإسرائيلي قد سرق أعضاء من جثمان زوجها، الذي استشهد تحت التعذيب داخل السجون الإسرائيلية في إبريل/نيسان 2024.
وقالت البرش، لـ "فلسطين أون لاين"، إن جثمان زوجها نُقل فور استشهاده إلى معهد “أبو كبير” للطب الشرعي، وهو مركز إسرائيلي يُستخدم لأغراض التشريح والأبحاث الجنائية، معتبرة أن هذا الإجراء، إلى جانب استمرار احتجاز الجثمان حتى اليوم، يشكّل دليلًا إضافيًا على العبث بالجثمان وانتهاك حرمته.
زوجة طبيب العظام الفلسطيني الشهيد، عدنان البرش
وأوضحت أن زوجها اعتُقل من داخل مستشفى العودة شمالي قطاع غزة خلال الاجتياح الإسرائيلي، أثناء أدائه واجبه الإنساني كطبيب، قبل أن يُنقل إلى السجون ويتعرض لتعذيب شديد أودى بحياته في 19 إبريل/نيسان 2024، عقب نقله من سجن الجلمة إلى سجن “عوفر”.
ورغم مرور أشهر على استشهاده، تواصل سلطات الاحتلال رفض تسليم الجثمان، أو تقديم أي تقارير تشريح أو معلومات طبية رسمية لعائلته.
وأكدت البرش أن الجثامين التي سلّمها الاحتلال مؤخرًا إلى قطاع غزة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر وصلت في حالة تحلل شديد، “بلا ملامح وبلا هوية”، معتبرة أن تأخير التسليم المتعمّد يهدف إلى إخفاء آثار الجريمة، ومطالِبة بالإفراج الفوري عن جثامين الشهداء، وفي مقدمتهم جثمان زوجها.
وفي أحاديث منفصلة أجرتها "فلسطين أون لاين" سابقًا مع عائلات تسلّمت جثامين أبنائها عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إضافة إلى شهادات أطباء، تبيّن أن عددًا من الجثامين تعرّض لضرب وتعذيب شديدين قبل الاستشهاد، فضلًا عن خلو بعض الأجساد من الأعضاء الداخلية، ما يعزّز الاشتباه بسرقة الاحتلال أعضاء الشهداء.
جريمة حرب موصوفة
من جانبه، أكد الخبير القانوني عزام شعث أن ما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي من احتجاز للجثامين، وما يرافقه من شبهات سرقة للأعضاء، يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان، وانتهاكًا جسيمًا لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.
وأوضح شعث لـ"فلسطين أون لاين"، أن الاحتلال لم يكتفِ بقتل المدنيين واعتقالهم، بل واصل انتهاكهم بعد الموت من خلال احتجاز جثامينهم واستخدامها كورقة ضغط سياسية وأمنية.
الخبير القانوني، عزام شعت
وأوضح أن شهادات متعددة، من بينها إفادات أطباء، تحدثت عن جثامين أُعيدت إلى قطاع غزة وهي ناقصة الأعضاء، ما يدين الاحتلال أمام المجتمع الدولي، مؤكدًا أن استمرار هذه الجرائم يجري في ظل دعم أمريكي وصمت دولي مريب يشجّع على الإفلات من العقاب.
من أين جاءت هذه الأعضاء؟
بدوره، وجّه مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، اتهامًا مباشرًا للاحتلال، متسائلًا عن مصدر الأعداد القياسية من الكُلى التي يفاخر بها عالميًا.
وقال البرش، في تصريح صحفي، إن الاحتلال الذي يحتجز جثامين الشهداء الفلسطينيين لسنوات هو ذاته الذي يظهر اليوم أمام العالم بوجه إنساني زائف، متحدثًا عن التضامن والتبرع بالأعضاء.
مدير عام وزارة الصحة بغزة، د. منير البرش
وأضاف أن جثامين سُلّمت إلى عائلاتها ناقصة الأعضاء، ومن دون تقارير تشريح أو حق في السؤال أو المساءلة، مؤكدًا أن الفلسطينيين ليسوا ضد مبدأ التبرع بالأعضاء، لكنهم يرفضون تحويل الجسد الفلسطيني إلى مادة للاستغلال والدعاية السياسية.
وشدد البرش على أن غياب الشفافية ومنع الرقابة الدولية عن هذه الملفات يجعل الشك حقًا مشروعًا، والمحاسبة ضرورة أخلاقية وقانونية، داعيًا إلى تحقيق دولي مستقل يكشف الحقيقة كاملة ويحدد المسؤوليات.
وتأتي هذه التصريحات عقب إعلان وزير خارجية الاحتلال، جدعون ساعر، تسجيل (إسرائيل) رقمًا قياسيًا عالميًا في التبرع بالكُلى، واحتفاء موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية بذلك، في مشهد يعكس، وفق مراقبين، ازدواجية صارخة في المعايير الدولية.
مقابر الأرقام
وفي السياق ذاته، أكدت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومعرفة مصير المفقودين أن الاحتلال يحتجز 776 جثمانًا موثقًا في “مقابر الأرقام” وثلاجات الموتى، من بينهم عشرات الأطفال والأسرى.
وأدانت الحملة، في بيان صحفي، نبش أكثر من 250 قبرًا في قطاع غزة خلال العدوان الأخير، معتبرة ذلك انتهاكًا فاضحًا لحرمة الموتى وجريمة حرب تستوجب المحاسبة.
وطالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جثامين الشهداء، ووقف سياسة الاحتجاز، وتمكين المؤسسات الدولية من الوصول إلى أماكن الاحتجاز، مؤكدة أن كرامة الإنسان الفلسطيني، حيًا كان أم ميتًا، ليست محل تفاوض أو مساومة.
فلسطين أون لاين