أخبار اليوم - ناقشت جلسات "حوارات العدالة" مفاهيم وآليات تطبيق الانتقال العادل في الأردن، بوصفه مسارا وطنيا يوازن بين متطلبات التحول نحو الاقتصاد الأخضر والعمل المناخي من جهة، وضمان العدالة الاجتماعية وحماية حقوق العمال والفئات الأكثر هشاشة من جهة أخرى، بما يحقق تنمية شاملة ومستدامة لا تقصي أحدا.
وأكد المشاركون أن الانتقال العادل لا يقتصر على كونه عملية تقنية مرتبطة بالطاقة أو البيئة، بل يمثل عملية تنموية متكاملة تتمحور حول الإنصاف والشمول وتكافؤ الفرص والعمل اللائق والحماية الاجتماعية، مشددين على أهمية إشراك المجتمعات المحلية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني في مختلف مراحل التخطيط وصنع القرار، وتطوير تعريف وطني واضح يحدد طبيعة التحول المطلوب ومن يتحمل كلفته وكيف توزع منافعه بشكل عادل، مع وضع النساء والشباب واللاجئين والعمال غير النظاميين في صلب السياسات، انطلاقا من مبدأ أن العمل المناخي يجب أن يلبي احتياجات الناس لا أن يفرض عليهم، وأن جوهر الانتقال العادل يتمثل في ألا يتخلف أحد عن الركب.
وأشار المشاركون إلى أن قطاع الطاقة يمثل رافعة رئيسية لهذا التحول في ظل التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وتوفر الموارد الطبيعية المحلية والتقدم في التحول الرقمي والشبكات الذكية، ما يتيح فرصا لخلق وظائف لائقة وتعزيز الأمن الطاقي، لافتين إلى تحديات تتعلق بعدم وضوح الأطر التشريعية وضعف آليات الحوار المجتمعي وفجوات المهارات ومحدودية التمويل الأخضر.
واكدوا ضرورة تحديث السياسات وتعزيز الحوار الاجتماعي وحماية العمال خلال المرحلة الانتقالية والاستثمار في البنية التحتية للشبكات وتخزين الطاقة لضمان توزيع عادل للفوائد والأعباء جغرافيا واجتماعيا.
وفي سياق متصل، أوضحوا أن قطاع الألبسة والغزل والنسيج يشكل فرصة مهمة لتوفير فرص عمل في المناطق الريفية والأقل حظا وتمكين المرأة والشباب وتعزيز الإنتاج المحلي، مشيرين إلى أهمية تطوير التدريب المهني وتحسين ظروف العمل وتشجيع الابتكار وكفاءة استخدام الطاقة وتطبيق الممارسات البيئية المستدامة لرفع تنافسية القطاع، في ظل تحديات تتعلق بارتفاع كلف التشغيل وضعف استقرار العمالة وبعض المعيقات الاجتماعية أمام مشاركة المرأة.
كما أكد المشاركون أن قطاع الزراعة يعد ركيزة أساسية للأمن الغذائي وسبل العيش في العديد من المحافظات، لكنه يواجه تحديات متزايدة تتمثل في ارتفاع كلف الإنتاج وضعف منظومة الحماية الاجتماعية وانتشار العمل غير المنظم وتدني الأجور وغياب معايير السلامة المهنية، لا سيما للنساء، ما يستدعي تعزيز تطبيق التشريعات الناظمة وتحسين شروط العمل وتمكين المرأة في مواقع صنع القرار وتسهيل الوصول إلى التمويل والأسواق وضمان إدارة عادلة ومستدامة لموارد المياه، بما يحقق تحولا نحو زراعة حديثة دون تحميل الفئات الضعيفة أعباء إضافية.
وبينوا أن قطاع السياحة يمتلك مقومات تنافسية مهمة بفضل تنوع المنتج السياحي والبيئة الآمنة والشراكات المحلية المتنامية والتوجه نحو الممارسات الخضراء، إلا أن ضعف التنسيق المؤسسي وارتفاع الكلف التشغيلية وانتشار الأنشطة غير الرسمية ومحدودية حماية المشروعات الصغيرة ما تزال تحد من إمكاناته، الأمر الذي يتطلب تطوير إطار تنظيمي متكامل وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية ودعم الحرف والمنتجات الوطنية وتحسين جودة الخدمات والبنية التحتية بما يضمن توزيعا أكثر عدالة للعوائد السياحية.
وفيما يتعلق بالقطاع الصناعي، أشاروا إلى تنامي الوعي بأهمية الاستدامة والامتثال البيئي وتعزيز مبادرات الاقتصاد الدائري، غير أن تحديات البنية التحتية والفجوات التشريعية وارتفاع كلف الطاقة وضعف الحوار الاجتماعي ما تزال تؤثر في تنافسية المنشآت، مؤكدين ضرورة توفير حوافز للاستثمار الأخضر وتوضيح الأدوار المؤسسية وبناء بنية تحتية مشتركة لإدارة النفايات وإعادة الاستخدام وتعزيز حماية حقوق العاملين، بما يحقق تحولا تدريجيا وعادلا يحافظ على استمرارية الصناعة وفرص العمل.
وخلصت الجلسات إلى أن تحقيق انتقال عادل في الأردن يتطلب حوكمة واضحة وشراكة فاعلة بين الحكومة والقطاع الخاص والعمال والمجتمع المدني، وسياسات متكاملة تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية معا، وتمويلا مستداما يضمن تحولا أخضرا شاملا ومنصفا يعزز العدالة ويحفظ كرامة الإنسان وحقه في فرص متكافئة للتنمية.
(بترا)