21 عاما على اغتيال الحريري .. لبنان بين ذاكرة الصدمة وأزمة المستقبل

mainThumb
21 عاما على اغتيال الحريري.. لبنان بين ذاكرة الصدمة وأزمة المستقبل

14-02-2026 09:38 AM

printIcon

أخبار اليوم - في الذكرى الـ21 لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، اليوم السبت، يعود لبنان إلى واحدة من أكثر لحظاته المفصلية قسوة وتأثيرا، لم تغيّر فقط مسار السلطة بل أعادت تعريف السياسة والشارع والاصطفافات في البلاد.

يوم 14 فبراير/شباط 2005، دوّى انفجار ضخم في قلب بيروت مستهدفا موكب الحريري، لم يكن الاغتيال حدثا أمنيا معزولا بل شكَّل صدمة وطنية كبرى أودت بحياة الحريري و21 شخصا، وأطلقت موجة غضب داخلي وخارجي تجاوزت حدود البلاد.

ودشَّن ذلك اليوم مرحلة جديدة في تاريخ لبنان، إذ مهَّد لانسحاب الجيش السوري بعد نحو 3 عقود من وجوده في البلاد، وفتح الباب أمام حراك شعبي واسع عُرف لاحقا بـ"ثورة الأرز" التي أعادت تشكيل المشهد السياسي ورفعت شعارات السيادة والاستقلال.

انتقال مضطرب
ما تلا الاغتيال لم يكن استقرارا بقدر ما كان انتقالا مضطربا، فتحالف 14 آذار الذي قاد المرحلة الأولى بعد الانسحاب السوري، نجح في ترجمة الزخم الشعبي إلى أغلبية برلمانية عام 2005. لكنَّ هذا الاصطفاف الذي جمع قوى متباينة طائفيا وسياسيا، سرعان ما بدأ بالتصدع تحت وطأة الخلافات الداخلية وتعقيدات الإقليم.

في المقابل، برز تحالف 8 آذار المدعوم من سوريا وإيران، بقيادة حزب الله وحلفائه، لتدخل البلاد في منطق سياسي جديد قوامه محاور إقليمية متقابلة "أكثر مما هو مشروع وطني جامع".

وخلال عقدين تراكمت الأزمات، انهيار مالي غير مسبوق منذ عام 2019، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، وشلل سياسي مزمن، واحتجاجات شعبية كشفت الفجوة العميقة بين الشارع وطبقة سياسية عجزت عن إنتاج حلول حقيقية.

أسَّس رفيق الحريري تيار المستقبل عام 1995، ليصبح لاحقا العمود الفقري للتمثيل السني في لبنان وأحد أبرز محركات مرحلة ما بعد 2005. بعد اغتياله، تولى نجله سعد الحريري قيادة التيار، وبرز لاعبا أساسيا في المعادلة الوطنية.


لكنَّ سنوات الأزمات أضعفت هذا الدور تدريجيا. ففي خضم انتفاضة 2019، قدَّم الحريري استقالته من رئاسة الحكومة استجابة للضغط الشعبي. ثم جاء قراره عام 2022 بتعليق العمل السياسي وعدم خوض الانتخابات، ليترك فراغا واسعا في الساحة السنية، ويعيد طرح أسئلة بشأن القيادة والتمثيل.



تحالفات هشة
بعد 21 عاما، لم تعد ثنائية 14 آذار و8 آذار قائمة بالمعنى السياسي الذي عرفه اللبنانيون، وباتت التحالفات أكثر هشاشة وأقل قدرة على إنتاج تسويات طويلة الأمد. وانعكست التغيرات الإقليمية، من تحولات المشهد السوري إلى الضغوط التي يواجهها حزب الله، على إعادة تموضع داخلي مستمر.

في السياق، يبرز فراغ قيادي داخل المكون السني يتقاطع مع أزمة شرعية أوسع تشمل مجمل الطبقة السياسية في ظل شارع مأزوم اقتصاديا، ومجتمع يبحث عن بدائل خارج القوالب التقليدية.

لا تمر ذكرى اغتيال رفيق الحريري بوصفه حدثا تاريخيا فحسب، بل كجرح لم يُغلَق. وتأتي هذا العام في ظل حالة سياسية مشدودة، مع إطلاق شعار "تاريخنا إلو (له) مستقبل"، وترقُّب للخطاب الذي سيلقيه سعد الحريري من ضريح والده، الذي يُنظر إليه بوصفه خطابا قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة.

بعد أكثر من عقدين، يبقى السؤال المطروح: ماذا تحقق من وعود تلك اللحظة؟ وماذا تبقى منها في بلد لا يزال يتأرجح بين ذاكرة الاغتيال وأزمة الحاضر واحتمالات المستقبل؟


تيارات هامشية
يرى الكاتب السياسي راشد فايز أن انكفاء تيار المستقبل عن دوره السياسي والوطني والشعبي أفسح المجال أمام بروز تيارات هامشية، حاول بعضها وراثته ولا سيما من داخل بيئته الطائفية، لكنَّ أيّا من هذه المحاولات لم ينجح في ملء الفراغ، ويعزو ذلك إلى الفجوة الواسعة بين طموحات هذه الأطراف من جهة، وإمكاناتها الفعلية وحجم قواعدها الشعبية من جهة أخرى.

وفي حديثه للجزيرة، يصف فايز هذه الظاهرة بأنها طبيعية في سياق حياة عامة تمحورت طويلا حول شخصية بحجم رفيق الحريري، إذ اعتاد اللبنانيون وخاصة في الساحة السنية ضبط إيقاعهم السياسي على إيقاع يومه ومبادراته. وأضاف أن غيابه أحدث فراغا واسعا في الحياة العامة لأنه كان صاحب مبادرات ممتدة في السياسة والاقتصاد والإنماء، انطلاقا من قناعته بضرورة النهوض الاقتصادي وتحقيق توازن إنمائي بين المناطق.

وأوضح أن اللافت في هذا الغياب أنه لم يترك أثره على جمهور التيار وحده، بل شعر به الخصوم والحلفاء على السواء، من دون أن يفضي ذلك إلى إعادة تشكيل جذرية للساحة السياسية ولا سيما داخل الطائفة السنية.

وأفرزت المرحلة التي تلت الاغتيال -حسب فايز- حالات سياسية هلامية لم تنجح في إنتاج معادلات جديدة واضحة، خصوصا أن معظم الطامحين إلى وراثة إرثه السياسي يفتقرون إلى إستراتيجية وطنية شاملة أو رؤية استشرافية لما ينتظر لبنان والمنطقة.

وخلص إلى أن الإشكالية ذات شقين، فمن جهة لم تفرز الطائفة السنية زعامة بديلة قادرة على ملء الفراغ، ومن جهة أخرى لم ينجح مكوّنو حركة 14 آذار في استكمال مشروعهم السياسي. ومع مرور الوقت بدت شعارات التغيير التي رُفعت لاحقا أشبه ببناء متصدع، فقدَ مقومات الاستمرار وعجز عن التحول إلى مشروع سياسي متماسك.


فراغ واسع
ويعتقد المحلل السياسي واصف عواضة أن غياب تيار المستقبل عن المشهد السياسي ترك فراغا واسعا في الساحة السنية، وأدى إلى شرذمة المكونات السياسية للطائفة. وأضاف أن مجرد مقارنة الوضع قبل اعتزال سعد الحريري الحياة السياسية وبعده، وعزوفه عن الانتخابات النيابية والحكومة، تكشف بوضوح الفارق الكبير الذي حدث.


وبرأيه، فإن تيار المستقبل -في حال عودته إلى العمل السياسي- لا يزال يشكّل المكون الأساسي للطائفة السنية سياسيا، مشيرا إلى أن الإرث الذي زرعه "الرئيس الشهيد رفيق الحريري" لا يزال حاضرا على المستوى الشعبي، وأنه إذا قرر تيار المستقبل المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، فمن المرجَّح أن يشكّل الكتلة الأكبر لأن البدائل لم تحقق الحضور الشعبي نفسه.

وفي حديثه للجزيرة، لفت عواضة إلى أن التوازنات التي نشأت في غياب التيار لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب، موضحا أن أي تكتل أو فريق لم يتمكن من تعويض التيار في بيروت، إذ كان التيار يحقق أغلبية المقاعد في الدائرة الثانية. واستذكر أن رفيق الحريري حصد جميع المقاعد في العاصمة، وهي 18 من أصل 19 عام 2000.

وأكد أن "التوازنات التي نشأت في غياب تيار المستقبل كانت هزيلة في كل المناطق"، ويرى أن الوريث السياسي للرئيس الراحل استطاع الحفاظ على الإرث على المستوى الشعبي، ويعتقد أنه قادر على إعادة لملمة الطائفة السنية إذا قرر خوض الانتخابات المقبلة.

الجزيرة