نورالدين نديم
في كل عام دراسي، ومع كل حديث رسمي عن تطوير المناهج، والتحول الرقمي، ورفع سوية التعليم، تغيب عن الطاولة قضية صامتة لكنها شديدة التأثير: معاناة معلمات الصف في وزارة التربية والتعليم الأردنية.
ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى المرحلة الأساسية الدنيا بوصفها حجر الأساس في تشكيل شخصية الطالب أكاديميًا وسلوكيًا، تُترك معلمات الصف وحدهن في مواجهة تحديات مركّبة تتجاوز حدود التدريس التقليدي.
معلمة الصف لا تُدرّس مادة واحدة، بل تُدرّس معظم المواد الأساسية للطلبة في الصفوف الثلاثة الأولى، هي معلمة اللغة العربية والرياضيات والعلوم والتربية الوطنية، وهي المرشدة النفسية، وضابطة الإيقاع السلوكي، وحلقة الوصل مع أولياء الأمور.
هذا التعدد في الأدوار لا يقابله غالبًا تخفيف في النصاب، ولا دعم إداري أو نفسي كافٍ.
بل إن بعضهن يتحملن أعدادًا كبيرة من الطلبة داخل الغرفة الصفية، في بيئات تعليمية قد تفتقر إلى الوسائل الحديثة أو المساحات الملائمة.
المرحلة الأساسية الأولى ليست مجرد محتوى دراسي، إنها مرحلة تأسيس القراءة والكتابة والحساب، وتشكيل الاتجاهات نحو المستقبل، وأيّ خلل فيها ينعكس على المسار التعليمي للطالب لاحقًا.
ومع ذلك، تجد معلمة الصف نفسها أمام طلبة بتفاوت كبير في الجاهزية، بعضهم يعاني من صعوبات تعلم غير مشخصة، دون وجود كافٍ لاختصاصيي الإرشاد أو غرف المصادر.
في ظل هذا الواقع، تتحول الحصة أحيانًا إلى إدارة أزمات يومية: بكاء، مشكلات سلوكية، ضعف تركيز، فروقات فردية حادة.. وكل ذلك ضمن زمن حصة لا يتجاوز أربعين دقيقة.
الخطاب التربوي الرسمي يرفع سقف التوقعات: تعليم نشط، تعلم قائم على المهارات، دمج التكنولوجيا، تقويم بديل، متابعة فردية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تم تمكين معلمة الصف فعلًا لتقوم بكل ذلك؟
التدريب المستمر – إن وُجد – لا يكفي وحده ما لم يترافق مع تخفيض أعداد الطلبة في الشُعب، وتوفير مساعدات تربويات في الصفوف الأولى، وإعادة النظر في طبيعة المهام الإدارية التي تُثقل كاهل المعلمة، من سجلات وتقارير وخطط علاجية.
ما لا يُقال كثيرًا هو أن معلمة الصف تتعامل يوميًا مع أطفال في سن مبكرة، ما يتطلب طاقة عاطفية عالية. هي مطالبة بأن تكون صبورة، مبتسمة، حازمة، ومتفهمة في آنٍ معًا.
لكن من يلتفت إلى صحتها النفسية؟ ومن يقيس أثر الضغوط المتراكمة عليها؟
في كثير من المدارس، لا توجد آليات واضحة للدعم النفسي للكوادر التعليمية، ولا مساحات حقيقية للتفريغ أو الاستشارة المهنية.
إذا كانت السنوات الأولى هي الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء، فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يبدأ من هناك.
إنصاف معلمات الصف لا يكون بالشعارات، بل بإجراءات ملموسة، منها:
- تخفيض أعداد الطلبة في الصفوف الثلاثة الأولى.
- توفير مساعدات صفّيات في المدارس ذات الكثافة العالية.
- إعادة النظر في النصاب والمهام الإدارية.
- توفير برامج دعم نفسي ومهني مستدامة.
- تخصيص حوافز مادية ومعنوية تعكس أهمية الدور.
إن أي مشروع وطني للنهوض بالتعليم لن ينجح ما لم يُنصِف الحلقة الأكثر تأثيرًا في تشكيل وعي الأجيال.
فمعلمة الصف ليست موظفة تؤدي حصصًا دراسية فحسب، إنها المعمار الأول لشخصية الطالب، وحين تُرهق المعمار، يتصدّع البناء ولو بعد حين.