الوزير والنائب .. الخلاف والاختلاف

mainThumb
فداء المرايات

17-02-2026 01:44 PM

printIcon



فداء المرايات
بينما تكثر المشادات بين أعضاء السلطة التشريعية ( البرلمان تحديداً ) وهذا ما هو مألوف ومتعارف عليه في كل البرلمانات العربية والدولية في سياق الوصول لنقطة تلاقي كصورة صحية لا في سياق الخلافات ( والشخصنة ) الصعبة والحادة ولكن يوجد أنواع أخرى من الخلافات التي تطفو على السطح بين السلطتين التشريعية ( كنائب مثلاً ) وبين السلطة التنفيذية ( أحد الوزراء ) ..

تلعب السلطة التشريعية دوراً هاماً يتمثل في دورها الرقابي والتشريعي وغيرها من الأدوات التي يكفلها الدستور في كل دولة ، وفي دول تكون هذه السلطة مكونة من مجلس واحد كالسويد والدنمارك ، أو تكون مكونة من غرفتين ( نظام المجلسين ) كما في الأردن حيث لدينا السلطة التشريعية مكونة من مجلسي النواب والأعيان.

ويتشكل مجلس النواب عقب انتخابات نيابية قوية ، ولكن لطالما أفرزت الكثير من الدورات الانتخابية من لا يمكنه أن يملأ المقعد النيابي بروتوكولياً وقانونياً وسياسياً ، فالعقل الفزعوي عند الانتخابات وضعف وغياب التنشئة السياسية عند الناخبين لتحديد الأجدر من بين المرشحين كل ذلك يحول دون تمكين المرشح الكفء من البرلمان ، حيث نجد في الكثير من المجالس من وصل على أسس المال وبعض الوجاهة لا على أسس أكاديمية أو حتى خبرة عملية حقيقية تخول هذا النائب للإلمام اللازم بالملف النيابي الثقيل والمتخم بالكثير من القضايا سواء على مستوى دائرته التي جاء ليمثلها أو على مستوى الوطن وملفاته الكبيرة اقتصادياً وسياسياً من جهة ومحلياً واقليمياً من جهة أخرى.

وقد يتأتى عن هذا الجهل الانتخابي بأن يصل أبناء التجار أو أصحاب الشعبويات الزائفة في المناطق المهمشة إلى البرلمان والذين يفتقرون لأبجديات التواصل العام والمصلحة العامة والتشريع ولكن ذاك الأكاديمي غير الحزبي والمتمكن لم يحظى بتلك الفرصة ، وتتعجب لغياب أدنى بديهيات العمل السياسي لأولئك المتكسبين الجدد المنضمين على قوائم العبء لا العمل والملتحقين على حساب فاتورة ترحيل الأزمات لا حلها لجهلهم بتلك البديهيات ولتغييبهم المطلق عن فهم ومعرفة مواد الدستور والصلاحيات والأنظمة والتعليمات ولبعد المسافة بين البساطة التي جاؤوا بها واضمحلال الوعي وبين عمق الميدان وازدحامه بالملفات المعقدة والشائكة ، ويتذرع هؤلاء دوماً بعدم وجود رد حقيقي من الحكومات لمطالبهم ولكن الحقيقة عدم قدرتهم على التعامل مع الحكومات والمشكلات من الأساس.

ولأن هذا المد الجارف مزعج تارة لأصحاب الخبرات والوارثين والدارسين للسياسة علماً وعملاً والقادرين على تحديد مواضع الخلل ، ومؤسف ومؤلم للمجتمعات والقواعد الشعبية التي يمثلونها تارة أخرى ، فكل دقيقة يقبع بها مثل هؤلاء في البرلمانات بشكل عام ؛ تمر ملتهمة دون رحمة أبسط طموحات الشعب وذلك لتسطيحهم للمسائل ولبعدهم عن القضايا الهامة ولغياب السلطة التقديرية لديهم في التعامل مع المستجدات فيصبح وجودهم أزمة إضافية واستنزاف ، حيث تظل دوائرهم في مصاف التهميش بسبب ركاكة تمثيلهم لها.

ولأن هذا المد يجب أن يتوقف على المستويين التشريعي والتنفيذي ، فعلى دوائر القرار أن تصنع قواعداً جديدة في طرق اختيار الوزراء بأن تقطع الطريق على أي نائب أسبق من فرص الوصول إلى لقب ( معالي ) ، فالذي لم يستطع التعامل مع أدواته كمشرع ورقابي بشكل حصيف ومهني داخل عباءة النائب لن يستوعب دوره التنفيذي داخل عباءة الوزير ، لذا فمحاولة ترقية النائب الأسبق إلى وزير هي بمثابة مشكلة مركبة وتضخيم للمشكلات الوطنية وفاعليها ، وإعادة تدوير للأخطاء ، فالمشكلة تبدأ من ناخب يفزع ومرشح متغطرس ليس أهلاً لها ، ثم يصل بالمال والتصفيق ليستهلك الكثير على حساب مستقبل وطن ثم يحظى بفرصة حقيبة وزارية وهكذا ، وهذا بالضبط ما يجب أن يتوقف كلياً فهذه مصيبة ثانية.

أما الوزير فيجب أن يستلم الحقيبة التي تتماهى مع اختصاصه بعد باع طويل في أروقة العمل الدبلوماسي أو الاختصاص ذي الصلة فوزارة الصحة يستلمها دوماً طبيب ووزارة الإعلام من له باع بالعمل الصحفي وهكذا ، أما أن يتحول نائب أسبق لوزير فهذه قفزة يجب أن تلغى فشتان بينهما فأصل الخلاف في الاختلاف ، والخلاف لا في المساءلة والمناكفات وحسب بل في الأدوار أيضاً حيث الاختلاف الجوهري يتجلى ومن المستحيل أن نجد أيما نسق بين وزير ونائب في شخص واحد ( على الأقل في الدورات الانتخابية الثلاثة الأخيرة ) ، فلا يصلح المسائِل أن يتحول إلى مساءَل ، وهذا ما يجب علينا العمل به حيث لا مزيد من نواب يتحولون لوزراء ، والخلاصة أن الخبرة للنائب كنائب غير كافية واختلاف الأدوار بين الوزير والنائب لا تدعم الفكرة.

ولحل جذر المشكلة فلا مزيد لنواب لا يفقهون بالسياسة وفن الممكن شيئاً أن يصلوا مجدداً للبرلمان وذلك يتم عبر رفع مناعة الناخبين السياسية والوطنية وتنشئتهم على فكر ٍ سياسي واع ٍ وطني ومتكامل يفرز عند صناديق الاقتراع الأفضل والأجدر فقط كي لا يعتقد أي مرشح يمتلك بعض الألوف من الدنانير أنه ( ملياردير القرية ) الذي يجب أن يحظى بوجاهة رسمية كأن يصبح نائب مثلاً وما إن يصل حتى يجد نفسه متضائلاً ومنكمشاً وركيكاً من أبسط لقاء أو مواجهة تحت الأضواء ، بعد أن أدرك حجمه الحقيقي الصغير في دورق المعترك السياسي الكبير وعالم البروتوكول الدبلوماسي.

فهذه النرجسية المؤدلجة تكون على حساب رغيف وأحلام ومستقبل الناس وأولهم البسطاء .. ووجود مثل هؤلاء يجب أن ينتهي.