ماذا بعد مفاوضات جنيف النووية بين إيران والولايات المتحدة؟

mainThumb
ماذا بعد مفاوضات جنيف النووية بين إيران والولايات المتحدة؟

24-02-2026 11:35 AM

printIcon

أخبار اليوم - في تطور دراماتيكي، تحولت التصريحات الإيجابية عقب الجولة الأخيرة من المفاوضات النووية بجنيف إلى تهديدات أمريكية بشن هجوم عسكري على إيران في حال عدم توصلها إلى اتفاق بغضون 15 يوما، في مؤشر على بلوغ التوتر المتواصل بين الجانبين مرحلة مصيرية.

وعلى وقع تحشيد عسكري متزايد بالمنطقة، تشخص العيون إلى العاصمة السويسرية، حيث تُعقد الجولة الثالثة من المفاوضات المقررة الخميس المقبل لبحث مسودة مقترح إيراني لصياغة اتفاق محتمل تراه طهران "في متناول اليد".

وتشير تسريبات إعلامية إلى أن الورقة الإيرانية ستمثل امتيازاتها القصوى التي يمكن تقديمها على طاولة المباحثات لإنقاذ المسار الدبلوماسي؛ ويرى مراقبون أنه في حال لم يحظ المقترح برضا واشنطن وتعذر على الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تسويقه داخليا على أنه إنجاز كبير"، سيدخل الملف النووي هذا الأسبوع منعطفا حاسما: إما اتفاق في اللحظات الأخيرة، أو الدخول في نفق مظلم من التصعيد.


محرك الصراع
من ناحیته، يستشرف الأكاديمي الباحث في العلاقات الدولية، ياسر شاماني، بلوغ المفاوضات الجارية طريقا مسدودا واندلاع حرب محدودة بين طرفيها خلال المرحلة المقبلة، لأن في النظام العالمي الحالي، المصالح هي التي تحدد سياسات وإستراتيجيات القوى العالمية، لكن المنافع التي يبحث عنها الرئيس الأمريكي تتصادم مع الأيديولوجيا الإيرانية، مما يجعل من المستحيل على طهران تقديم تنازلات جوهرية.

وعن سبب تعثر المفاوضات، يشرح شاماني -في حديث للجزيرة نت- أن المحادثات في مسقط وجنيف حققت تقدما محدودا لا يعوّل عليه، لأن الجمود القائم لا يرجع سببه فقط إلى انعدام الثقة، بل إلى الخلاف على مقومات القوة الصلبة؛ إذ تعتبر إيران أن التخصيب والقدرات الصاروخية أداتان لضمان البقاء في بيئة إقليمية مضطربة، بينما ترى واشنطن في هذه المقومات علامة على تحول تدريجي في موازين القوة.


ووفقا له، فإن السبب الرئيسي للصراع الإيراني الأمريكي ليس ثنائيا، "بل يجب البحث عن المحرك الرئيسي في استمراره وتصاعده في تل أبيب". ويرى أن إسرائيل لن تسمح بتهدئة دائمة بين طهران وواشنطن، وهي تتحرك بكل ثقلها لإفشال أي تقارب محتمل، مضيفا أنه حتى لو أسفرت المفاوضات الحالية عن اتفاق، فإن "النتيجة لن تكون مرضية لأمريكا وإسرائيل وسنعود مجددا إلى التوتر".

وما يزيد الطين بلة، حسب شاماني، أن إيران توصلت إلى قناعة بأن الولايات المتحدة ليست لاعبا موثوقا به، بعد أن مزقت الاتفاق النووي عام 2018، وأعطت الضوء الأخضر لإسرائيل لشن هجوم عليها في يونيو/حزيران الماضي وشاركت هي الأخرى في الحرب عليها.


معركة الهيمنة
ويعتقد الباحث شاماني أن المواجهة الحالية بين طهران وواشنطن حلقة في سلسلة أطول من التنافس العالمي بين القوى العظمى، حيث تلعب إيران دور "الورقة الرابحة" التي تسعى كل من القوى الشرقية والغربية لضمها إلى محورها في معركة الهيمنة الدولية.

وتحدث عن بُعد جيوسياسي أوسع للصراع، موضحا أن روسيا والصين تسعيان إلى تشكيل ثالوث شرقي مع طهران، بينما في الغرب تريد أمريكا وأوروبا دمج إيران في النظام العالمي الذي تطمحان إليه، مضيفا أن من يستطيع ضمها إلى جانبه يمكنه إضعاف الطرف المقابل.

وبذلك، تصبح طهران -وفقا له- "ساحة للمنافسة" أكثر من كونها لاعبا مستقلا، حيث كل قرار أو إجراء في الملفين النووي والصاروخي أو النفوذ الإقليمي الإيراني هو جزء من تصميم أمريكي أكبر، هدفه الضغط عليها قبل التركيز الرئيسي على الصين.

وأشار الباحث إلى أن إيران كلما اقتربت من القوى الغربية أو الشرقية تلقت ضربات، ولذلك حاولت الاعتماد على قواها الذاتية وتشكيل محور المقاومة، مضيفا أنه في الظروف الراهنة، وبما أن طهران تلقت أكبر الضربات من الجانب الغربي، فإنها ترى في القوى الشرقية دعما حقيقيا.

ويرسم صورة قاتمة للمستقبل القريب، مؤكدا أن المنطقة دخلت مرحلة أصبح فيها الحشد العسكري أكثر كثافة، والمفاوضات وصلت إلى نقطة احتكاك القوة، واللاعبون الأساسيون يراقبون تطوراتها ويعيدون تعريف العتبات والخطوط الحمر، مؤكدا أنه حتى يتم تشكيل آلية لإدارة هذا الصراع، ستبقى المنطقة في حالة تعليق عالية المخاطر.



جولة حاسمة
من جانبه، يرى الباحث في العلاقات الإيرانية الأمريكية، أمير علي أبو الفتح، أن مفاوضات جنيف-2 ستكون حاسمة، حيث سترتبط نتائجها بشكل وثيق بمحتوى حزمة المقترحات التي ستقدمها طهران، مشيرا إلى أن إخفاق الطرح الإيراني في تلبية مطالب الجانب الأمريكي "قد يؤدي إلى زيادة التوتر، لكنه لا يعني بالضرورة بدء الحرب".

وفي حديث للجزيرة نت، أشار أبو الفتح إلى طبيعة المواجهة الحالية التي تجمع بين مسارات دبلوماسية نشطة وحشود عسكرية مكثفة، مؤكدا أن الأخبار المتقطعة الإيجابية عن سير المفاوضات تُسمع من هنا وهناك، لكن في وتيرة التصعيد العسكري مثيرة للقلق في الوقت ذاته، مما يعكس ازدواجية المشهد الحالي.

وكشف عن واقع معقد يعيشه المجتمع الإيراني في ظل التهديدات المتصاعدة، فمن جهة تستمر الحياة الطبيعية، ومن جهة أخرى أصبح القلق من الحرب موضوعا ثابتا في الأحاديث اليومية للناس في ظل انقسامهم حول نتائج الحرب المحتملة والجهة المنتصرة، حيث لم تنعكس دعوات المسؤولين للعودة إلى الحياة الطبيعية على الجميع بشكل موحد، مما يجعل الشارع الإيراني "أشبه بلوحة فسيفسائية من المشاعر المتضاربة بين الخوف والأمل والغضب".



وأكد الباحث على أن طهران أعدت نفسها لجميع السيناريوهات، مشيرا إلى أنه بعيدا عن نتيجة الجولة المقبلة من المفاوضات، فإن أصابع المؤسسة العسكرية ستبقى على الزناد بينما ستواصل مساعيها لاستكمال المسار السياسي، مضيفا أن هذ التكامل بين الميدان والدبلوماسية يعكس إستراتيجية إيرانية تهدف إلى تحقيق أقصى مكاسب ممكنة مع تقليل المخاطر.

وفي الوقت الذي تهدد فيه واشنطن بشن هجوم على طهران إذا لم تتوصل لاتفاق، تتحرك إيران على خطين متوازيين: المبادرة بطرح خطة دبلوماسية لتجنب الحرب، وتعزيز قدراتها الردعية لمواجهتها. والأيام المقبلة كفيلة بتحديد أي السيناريوهين سيسود؛ هل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل الأزمة، أم تنزلق المنطقة إلى مواجهة واسعة النطاق؟

الجزيرة