عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية خالد محمد السُليمي
الدولة تُختبر من جيب المواطن
الدول في العصر الحديث لا تُقاس فقط بعدد دباباتها أو تحالفاتها، بل بقدرتها على حماية حياة مواطنيها اليومية من الانزلاق نحو القلق الاقتصادي والاجتماعي، حين يصبح الحديث اليومي للمواطن عن الفواتير والوظيفة والقدرة على إعالة أسرته، فإن المسألة لم تعد اقتصادية فقط، بل أمن وطني اجتماعي، فالدولة التي يطمئن فيها المواطن إلى قوت يومه، تحصّن جبهتها الداخلية قبل حدودها الخارجية، أما حين تتراكم الضغوط المعيشية، فإن أخطر ما يُستنزف ليس المال، بل الثقة، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للقيادة: هل ترى في معاناة الناس أرقاماً في تقارير، أم إشارات إنذار مبكر؟ التاريخ السياسي يثبت أن الدول لا تهتز فجأة، بل تبدأ ارتجاجاتها الصامتة من لحظة شعور المواطن بأن صوته لم يعد مسموعاً وأن يومه أصبح أثقل من قدرته على الاحتمال.
الاقتصاد ليس أرقاماً بل شعور بالأمان
الخطأ الاستراتيجي الذي تقع فيه بعض الحكومات هو التعامل مع الاقتصاد بوصفه معادلات مالية فقط، بينما هو في حقيقته شعور نفسي بالأمان، قد تنجح السياسات في ضبط المؤشرات العامة، لكن إن فشل المواطن في الشعور بأن حياته تتحسن، فإن الاستقرار يبقى هشاً، المواطن لا يعيش داخل تقرير اقتصادي، بل داخل سوق وأسرة ومدرسة ومستشفى، لذلك فإن أخطر فجوة قد تنشأ هي فجوة الإدراك بين لغة المؤسسات ولغة الشارع، وحين تتسع هذه الفجوة، يصبح أي حدث صغير قابلاً للتحول إلى أزمة ثقة كبيرة، القيادة الذكية لا تنتظر انفجار المؤشرات، بل تقرأ مبكراً نبض الناس، لأن الأمن الاجتماعي يبدأ من الإحساس بالعدالة، ومن شعور الفرد أن الدولة تقف إلى جانبه لا أمامه.
الأمن الحقيقي يبدأ من الداخل
في عالم مضطرب إقليمياً ودولياً، قد يبدو التهديد الخارجي هو الخطر الأكبر، لكن التجارب الحديثة تثبت أن تماسك الجبهة الداخلية هو خط الدفاع الأول، المجتمعات التي يشعر أفرادها بالإنصاف تتحول تلقائياً إلى شبكة حماية للدولة نفسها، أما المجتمعات التي تتآكل فيها الثقة، فإنها تصبح عرضة للضغط الإعلامي والسياسي والاقتصادي من الخارج، لذلك فإن الاستثمار في الإنسان ليس شعاراً اجتماعياً بل عقيدة أمن قومي، فكل وظيفة تُخلق، وكل خدمة تتحسن، وكل إجراء يخفف العبء عن الناس، هو في الحقيقة تعزيز مباشر لمناعة الدولة، وهنا يتحول القرار الاقتصادي إلى قرار استراتيجي بامتياز، لأن كرامة المواطن ليست ملفاً خدمياً، بل عنصراً حاسماً في معادلة الاستقرار الوطني.
لحظة الحكومات الحاسمة
تمر الدول بلحظات يصبح فيها التأجيل أخطر من الخطأ نفسه، هذه اللحظات لا تعلن نفسها رسمياً، لكنها تظهر في لغة الناس، في أحاديثهم، في قلقهم المتكرر حول المستقبل، القيادة التي تدرك هذه اللحظة تتحرك قبل أن تتحول الضغوط إلى أزمة، فتراجع السياسات، وتفتح قنوات الحوار، وتعيد ترتيب الأولويات نحو الملفات التي تمس حياة المواطن مباشرة، أما القيادة التي تتعامل مع الضغوط بوصفها موجة عابرة، فقد تفاجأ بأن الموجة أصبحت تياراً يصعب احتواؤه، إن فن الحكم الحقيقي لا يكمن في إدارة الدولة حين تكون الأمور مستقرة، بل في قراءة اللحظة التي يجب فيها اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الطمأنينة قبل أن تتآكل الثقة.
الأردن ومعادلة الصبر الوطني
الأردن نموذج دولة صمدت وسط إقليم ملتهب بفضل وعي شعبها وتماسك مؤسساتها، المواطن الأردني أثبت تاريخياً أنه شريك في حماية الدولة، صابر في الأزمات، ومخلص في الولاء الوطني، لكن هذا الصبر نفسه يجب أن يُقرأ سياسياً باعتباره رأس مال استراتيجي يجب الحفاظ عليه وتعزيزه، لا استنزافه، الدول الحكيمة لا تختبر قدرة شعوبها على الاحتمال، بل تسابق الزمن لتخفيف الضغوط قبل أن تتحول إلى عبء ثقيل، فالشعب الذي يقف مع دولته يستحق أن يشعر يومياً بأن دولته تقف معه أيضاً، وأن سياساتها تُبنى حول حياته ومستقبله وأمن أسرته.
القيادة التي تسمع قبل أن يُقال لها
أعظم القيادات ليست التي تستجيب بعد تصاعد الأزمة، بل التي تسمع قبل أن يرتفع الصوت، الإصغاء المبكر للمجتمع ليس ضعفاً سياسياً بل قوة استراتيجية، حين يشعر المواطن أن صانع القرار يراقب الواقع بعيونه هو، لا عبر التقارير فقط، فإن الثقة تتجدد تلقائياً، وهنا يتحول القرار من رد فعل إلى فعل استباقي، القيادة الحديثة لم تعد تقاس بقدرتها على إصدار القرارات فقط، بل بقدرتها على استشعار اللحظة الإنسانية خلف الأرقام، فالدول التي تفهم مجتمعاتها مبكراً، تحمي استقرارها طويلاً.
توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين نحو كرامة المواطن
في السياق الأردني، أكدت خطابات وتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مراراً أن كرامة المواطن وحياته الكريمة تشكلان أساس قوة الدولة واستقرارها، فقد شدد في مناسبات متعددة على أن التنمية الحقيقية تُقاس بقدرة المواطن على العيش بأمان اقتصادي واجتماعي، وأن الإصلاح يجب أن ينعكس مباشرة على حياة الناس، هذا التوجه الملكي لم يكن خطاباً سياسياً فقط، بل رؤية استراتيجية تعتبر الإنسان الأردني محور الأمن الوطني، وعندما تُترجم هذه الرؤية إلى سياسات عملية تخفف الأعباء وتحسن الخدمات وتوسع الفرص، فإنها تعزز الثقة الوطنية وتغلق أبواب القلق مبكراً، فالدولة التي تجعل المواطن في قلب القرار، تحصّن نفسها داخلياً قبل أي تحدٍّ خارجي.
في الختام... لا تسقط الدول حين تواجه التحديات الخارجية، بل حين تتسع المسافة بينها وبين مواطنيها، الاستقرار ليس شعاراً يُعلن، بل شعوراً يومياً يعيشه الناس في بيوتهم وأسواقهم وأعمالهم، الحكومات التي تدرك أن كرامة المواطن هي خط الدفاع الأول، تبني استقراراً طويل الأمد، أما التي تؤجل هذا الإدراك، فقد تجد نفسها تحاول معالجة أزمة كان يمكن منعها بقرار مبكر، الرسالة اليوم واضحة: حماية معيشة الناس ليست ملفاً خدمياً ثانوياً، بل جوهر الأمن الوطني نفسه، وحين تلتقي إرادة القيادة مع صبر الشعب في نقطة واحدة هي “حياة كريمة آمنة”، تتحول الدولة من مجرد نظام حكم إلى مشروع وطني متماسك يصعب كسره.