أخبار اليوم - سلوى صالح ودينا محادين- تنشط في الأردن الكثير من المبادرات التي تعزز قيم التراحم والتكافل الاجتماعي، منها مبادرات "حفظ النعمة" التي تكون على مدار العام، حيث تعمل بشكل إضافي في شهر رمضان المبارك عبر جمع الفائض من الفنادق والمناسبات المختلفة وتوزيعه على العائلات المستحقة، محققة تأثيرا بيئيا إيجابيا عبر التقليل من نفايات الطعام.
وتعد مبادرات "حفظ الطعام" في رمضان فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الهدر، حيث تتصاعد الجهود العالمية والمحلية للحد من هذا الهدر الذي بلغ نحو 1.3 مليار طن سنويا بحسب دراسة منظمة الغذاء العالمية 2025 ، أي ما يعادل ثلث الغذاء المنتج عالميا، والذي يكفي لإشباع 800 مليون شخص.
وأطلقت وزارة الزراعة في وقت سابق مبادرة "لا لهدر الغذاء"، لتمكين ودعم المبادرات المحلية التي تعمل في مجال إدارة هدر الغذاء في الأردن، ما يشكل إضافة نوعية لملف الأمن الغذائي وأهمية مواجهة فقد وهدر الغذاء، وتشكيل منظومة استراتيجية للتشجيع على تبني السلوكيات الإيجابية والترشيد في استهلاك الغذاء.
وقال المدير التنفيذي لجمعية "بسمة الحياة" المهندس يحيى أبو ذياب، إن مشروع "حفظ النعمة" الذي أطلقته الجمعية في 2022 يهدف إلى تحقيق رؤية التحديث الاقتصادي في الأردن وتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وجمع فائض الطعام من الفنادق والمطاعم وإعادة توزيعه على الأسر المحتاجة.
وأوضح لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن المشروع وزع في بداية انطلاقته في رمضان 12680 وجبة، حيث ارتفع عدد الوجبات خلال السنوات التي تلت، ففي رمضان 2023 تم توزيع 35292 وجبة، فيما وزع 60736 وجبة في رمضان 2024 و 84184 وجبة في رمضان 2025.
ويعمل المشروع على حفظ الطعام الصالح والنظيف من الهدر، من خلال جمعه وإيصاله للمستفيدين بطريقة آمنة تحفظ كرامتهم، ما أسهم في حفظ (373200) كيلو طعام من الهدر، وهو حاصل على موافقة المؤسسة العامة للغذاء والدواء ووزارة التنمية الاجتماعية ودائرة الإفتاء العام.
وتتمثل آلية عمل المشروع في تجهيز طاقم الموظفين والمتطوعين بأدوات الصحة والسلامة العامة، ثم جمع الطعام النظيف من البوفيهات بشكل صحي ولائق، ونقله في سيارة مبردة ومرخصة صحيا، وتجهيزه للعائلات التي بدورها تختار ما تحتاجه منه.
من جهتها، قالت رئيسة "بنك الطعام الأردني" الدكتورة كوثر القطارنة، إن البنك يعمل على تأمين الوجبات لمستحقيها طوال العام، خصوصا خلال رمضان المبارك، مبينة أن البنك تأسس عام 2012 ويعنى بحفظ النعمة وإدارة فائض الطعام من الفنادق والمطاعم وتوجيهه إلى الأسر المحتاجة بطريقة آمنة ومنظمة.
وأشارت الى أن جلالة الملك عبدالله الثاني، من أول الداعمين لهذا البنك، حيث وفر سيارة مبردة وفان لنقل المتطوعين وفق أعلى معايير السلامة، مؤكدة أن البنك حقق نجاحات عديدة منذ التأسيس من خلال توقيع اتفاقيات مع فنادق خمس نجوم.
بدوره، أكد خبير الأمن الغذائي مدير مركز جينيفا للدراسات وسفير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" سابقا الدكتور فاضل الزعبي، أن حفظ الطعام يلعب دورا محوريا في تعزيز الأمن الغذائي، إذ تسهم تقنيات التخزين والتبريد والتعبئة الحديثة في إطالة عمر المنتجات وضمان استمرارية توفرها، بما يخفف من تقلبات السوق ويعزز كفاءة الموارد ويحافظ على استقرار الغذاء.
وأضاف، إن حفظ الطعام يعزز منعة الأركان الأربعة للأمن الغذائي المتمثلة بالتوافر، الوصول، الاستخدام، والاستقرار، فهو يضمن التوافر عبر تقليل الفاقد ويدعم الوصول باستقرار الأسعار ويحافظ على الاستخدام بصون القيمة الغذائية ويعزز الاستقرار من خلال بناء احتياطيات استراتيجية لمواجهة الأزمات وبذلك يصبح حفظ الطعام أداة استراتيجية لضمان استدامة الغذاء وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وأشار الزعبي إلى أن حفظ الطعام أصبح رافعة اقتصادية مهمة، إذ يقلل الهدر والفاقد عبر سلسلة الإمداد الغذائي، ما يخفض التكاليف على المنتجين والمستهلكين ويتيح للمزارعين تسويق منتجاتهم لفترة أطول، الأمر الذي يعزز استقرار دخلهم ويقلل من الخسائر الموسمية، كما يخفف الضغط على الموارد الطبيعية ويعزز كفاءة استخدام المياه والأراضي والطاقة، ما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني.
وقال إن التكنولوجيا باتت تلعب دورا حاسما في تحسين حفظ الطعام وتقليل الهدر من خلال تطوير تقنيات حديثة للتخزين والتبريد والتعبئة الذكية،كما تتيح أنظمة الاستشعار والرقمنة مراقبة ظروف التخزين بشكل دقيق، مثل درجات الحرارة والرطوبة، ما يقلل من فرص التلف ويعزز كفاءة سلسلة الإمداد، وتساعد الحلول الرقمية أيضا في التنبؤ بالطلب وإدارة المخزون بشكل أفضل، بحيث يتم توزيع الغذاء بكفاءة أكبر وتجنب الفائض الذي يؤدي إلى الهدر.
من جانبها، أوضحت الأستاذة المساعدة في قسم العمل الاجتماعي بالجامعة الأردنية الدكتورة هيا الطراونة، أن مبادرات حفظ الطعام تسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي بقيمة الموارد، فعندما يعاد توزيع الطعام بطرق منظمة وآمنة على الفئات المحتاجة، يتعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة والتضامن.
ودعت الطراونة، إلى تعزيز ثقافة حفظ الطعام عبر إدماج مفاهيم الاستهلاك الرشيد في المناهج التعليمية، وإطلاق حملات إعلامية توعوية تبرز الأبعاد الاقتصادية والبيئية للهدر وتشجيع المؤسسات والمطاعم على تبني سياسات تقلل الفاقد، إضافة إلى دعم المبادرات المجتمعية التي تنظم عمليات التبرع بالفائض بصورة تحفظ كرامة المستفيدين، مشيرة الى أن هذه المبادرات تؤدي دورا تثقيفيا عن حجم الهدر وآثاره الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.
ولفتت الى دور الإعلام في عرض قصص نجاح مجتمعية تعزز الاقتناع بإمكانية التغيير وتحول الوعي إلى ممارسة يومية.
وفي السياق، أطلقت شركة أورباسير العالمية لإدارة المنشآت، مبادرة "حفظ النعمة"، بالشراكة مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ومديرية صحة العقبة وقطاع الفنادق ومتطوعين من مبادرة "اترك أثر"، في شهر رمضان المبارك في إطار تعزيز المسؤولية المجتمعية وترسيخ قيم التكافل والتراحم وتعزيز التكافل الاجتماعي والحد من الهدر الغذائي.
وقال صاحب مبادرة "اترك أثر" الدكتور محمد كريشان لـ(بترا)، إن المبادرات في العقبة لا تقتصر على توزيع وجبات الإفطار اليومية، بل تشمل حملات تنظيف المساجد وتهيئتها لاستقبال المصلين في أجواء روحانية مريحة، وكذلك توزيع كوبونات الدعم والطرود الخيرية.
وأضاف إن مبادرة "اترك أثر "تنظم سنويا إفطارات خيرية جماعية تجمع الأيتام والأسر المحتاجة والمتطوعين لترسيخ مفهوم العطاء كرسالة إنسانية سامية تعزز قيم المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي المنظم.
بدورهم، أكد عدد من المتطوعين المشاركين أن الركيزة الأساسية لنجاح هذه المبادرات هو عمل الجميع بروح الفريق الواحد للتخفيف عن الأسر المحتاجة وتعزيز قيم التضامن الاجتماعي في المحافظة، ما يجعل هذا الشهر موسم عطاء وتراحم وفرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية وبناء المجتمع المتماسك القائم على التعاون والمحبة.
--(بترا)