أخبار اليوم - لم يكن إعلان توقف عمليات الطهي في “المطبخ المركزي العالمي” مجرد خبر إغاثي عابر، بل تحوّل إلى مصدر قلق حقيقي لآلاف العائلات في قطاع غزة، التي كانت تعتمد على وجباته اليومية كملاذ أخير في ظل حربٍ أرهقت البشر والحجر، وأفقدت كثيرين مصادر دخلهم.
في قطاعٍ انهارت فيه القدرة الشرائية، وباتت الأسواق عبئًا يفوق الاحتمال، شكّلت “التكية” الحد الأدنى من الأمان الغذائي. ومع توقفها، تتسع فجوة المائدة، ويتضاعف القلق في صدور الأمهات اللواتي يجدن أنفسهن أمام سؤال يومي: كيف نُطعم أطفالنا؟
شهندة عجور (42 عامًا)، أم لخمسة أطفال، نزحت من مدينة غزة وتقيم منذ بداية الحرب في بلدة الزوايدة وسط القطاع. خيمتها لا تبعد سوى أمتار عن نقطة توزيع تابعة لـWorld Central Kitchen، التي تحوّلت خلال العامين الماضيين إلى جزء أساسي من تفاصيل يومها.
تقول شهندة إن صباح أطفالها كان يبدأ بكأس من الشاي وقطعة خبز “تسدّ الرمق”، ريثما تحين الساعة الحادية عشرة، موعد توزيع الوجبات.
وتضيف: “كنا ننتظر هذه الساعة كما ينتظر الموظف راتبه نهاية الشهر”، موضحة أنها كانت تعتمد في الغداء والعشاء على ما يتبقى من طعام التكية، بعد أن فقد زوجها عمله مع اندلاع الحرب، وبات عاجزًا عن مجاراة الارتفاع الكبير في الأسعار.
في رمضان، شكّلت الوجبات الموزعة عماد مائدة الإفطار. “أرز ودجاج، وأحيانًا قطع لحم… الطعام نظيف وطعمه طيب، وأطفالي يحبونه”، تقول، قبل أن تخفت ابتسامتها سريعًا.
وتؤكد أن أبناءها لم يتذوقوا اللحم أو الدجاج بانتظام منذ بدء الحرب، وأن ما كانت توفره التكية “كان يسدّ جوعهم ويُرضي رغبتهم”، على حد تعبيرها، فيما كانت ربطة خبز إضافية تُكمل يومهم أحيانًا.
اليوم، تشعر شهندة بقلق مضاعف. “إذا توقفت التكية، سيفقد أطفالي الشيء الوحيد الذي يشتهونه ولا يستطيع والدهم توفيره لهم”، تقول. وتوضح أن زوجها يحاول إيجاد أي عمل يومي، لكن انهيار الأوضاع الاقتصادية وغلاء الأسعار يجعلان شراء كيلوغرام واحد من اللحم أو الدجاج أمرًا خارج الحسابات.
وجبة تُنقذ نهارًا كاملاً
في مواصي خان يونس، حيث تمتد الخيام على الرمال بعد تدمير الأحياء السكنية، يعيش رامي المدهون (48 عامًا) مع أسرته منذ قصف منزلهم في بداية الحرب. هناك أيضًا، كانت وجبات المطبخ تشكّل الفارق بين يوم قاسٍ وآخر يمكن احتماله.
يقول رامي لـ“فلسطين أون لاين” إن أطفاله اعتادوا الوقوف يوميًا في الطوابير للحصول على وجبة من الأرز وشوربة الفريكة أو الجريش باللحم.
“كانوا يعودون إلى الخيمة وهم يشعرون بفرح بسيط لأن هناك طعامًا حقيقيًا اليوم”، يروي. ويضيف أن الأمر لم يكن مجرد طبق ساخن، بل إحساسًا مؤقتًا بالأمان.
ويرى أن توقف المطبخ يعيد العائلة إلى دائرة القلق اليومي: “ماذا سنطهو غدًا؟ وكيف سنؤمّن المكونات؟”. ويشير إلى أن أسعار السلع الأساسية تضاعفت مرات عدة، في وقت تكاد تنعدم فيه فرص العمل. “كنا نملك يقينًا بوجود وجبة مضمونة، أما الآن فقد فُقد حتى هذا اليقين”.
“نطهو لننسى الحرب”
أم محمد عليان (35 عامًا)، نزحت من شمال القطاع إلى دير البلح، كانت تتقاسم مع جاراتها طبق التكية يوميًا. تقول إنهن كنّ يضفن إليه ما تيسّر من بقوليات أو خبز يابس لإشباع الأطفال.
“كنا نطهو لننسى الحرب قليلًا، ونشعر أننا ما زلنا أمهات قادرات على إطعام أبنائهن”، تقول، مشيرة إلى أن المطبخ لم يكن يقدّم الطعام فحسب، بل كان يخفف عبئًا نفسيًا ثقيلًا عن الأمهات اللواتي يعشن تحت ضغط الجوع والعوز. “عندما يتوقف، لا يتوقف الطعام فقط، بل يتضاعف شعور العجز”.
وتضيف أن أطفالها في رمضان كانوا يتطلعون إلى أطباق لا تستطيع توفيرها بسبب الغلاء وانعدام القدرة المادية، وأن وجبات المطبخ كانت تمنحهم ما يشتهون وتسدّ جوعهم في ظل الفقر وارتفاع الأسعار.
تدخل واسع… وتوقف قسري
على مدار شهور الحرب، أدار المطبخ شبكة مطابخ ميدانية ونقاط توزيع في مناطق النزوح، لا سيما في وسط القطاع وجنوبه، ووزّع مئات آلاف الوجبات الساخنة يوميًا، إلى جانب طرود غذائية ومياه صالحة للشرب في بعض المناطق.
ولم تكن تلك الوجبات مجرد طعام، بل مصدرًا منتظمًا للبروتين الحيواني في وقت اختفت فيه اللحوم والدواجن من قدرة معظم الأسر الشرائية، كما وفّرت فرص عمل مؤقتة لعشرات الطهاة والعمال المحليين.
وأعلنت المنظمة في بيان أنها قررت وقف عمليات الطهي في قطاع غزة ابتداءً من يوم الجمعة وحتى إشعار آخر، بسبب القيود الكبيرة على المعابر والانخفاض الحاد في عدد الشاحنات الواردة، مؤكدة أنها ستحاول الاستمرار في توزيع الخبز والمياه النظيفة قدر الإمكان، فيما توقفت الوجبات الساخنة نتيجة نفاد المخزون.
من جهته، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن توقف المطبخ جاء نتيجة القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات، معتبرًا أن ذلك يفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد بتوسيع رقعة الجوع، وداعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل الفوري لإدخال المساعدات دون قيود.
فلسطين أون لاين