أخبار اليوم - منذ انتهاء رابع أيام عيد الأضحى من كل عام، كانت وسام اسليم (53 عامًا) تبدأ رحلتها نحو العيد التالي. تضع حصّالة صغيرة داخل منزلها، وتكتب عليها بقلم لباد أحمر كلمة “الأضحية”، حتى يعرف كل من في البيت أن ما يوضع فيها ليس للإنفاق اليومي، بل لخروف العيد القادم.
كانت تلتزم بادخار خمسة شواقل على الأقل يوميًا، وتشجع زوجها وابنتها على إضافة ما يتيسر لهما داخل الحصالة. لم تكن تنتظر اقتراب العيد لتبدأ البحث عن ثمن الأضحية، بل كانت تبنيه بهدوء على مدار عام كامل، حتى لا يتحول المبلغ إلى عبء ثقيل يُدفع دفعة واحدة.
تقول وسام لصحيفة "فلسطين”: “كنت أبدأ الادخار منذ انتهاء عيد الأضحى مباشرة، وأضع ما يتيسر يوميًا داخل الحصالة حتى يأتي العيد التالي وقد اكتمل ثمن الأضحية. كنت أفعل ذلك لتخفيف العبء عن زوجي، وفي النهاية نتمكن من شراء الأضحية وإحياء هذه الشعيرة”.
وتتابع: “منذ ثلاث سنوات توقفت الحصالة. لا دخل، لا قدرة على الادخار، ولا أضاحي كما كانت من قبل. أشتاق لتلك الأيام التي كنا نستقبل فيها العيد بشراء الأضحية والشعور ببركته وأجره”.
لكن حصالة وسام لم تكن الوحيدة التي أُغلقت؛ فمع الحرب توقفت دورة اقتصادية واجتماعية كاملة كانت تبدأ من المزارع وتنتهي على موائد العائلات.
في منطقة قيزان النجار شرق خان يونس، كان المزارع علاء البيوك يمتلك مزرعة مواشٍ تضم نحو 400 رأس من الأغنام والماعز. وكانت المزرعة مصدر رزقه، فيما يشكّل موسم الأضاحي ذروة عمله السنوي.
يقول البيوك لصحيفة فلسطين” إن المزرعة لم تكن توفر له دخله فقط، بل كانت تشغّل عمالًا وأسرًا أخرى ارتبطت بالمهنة.
انهيار المزارع
يوضح أن القطاع فقد سلسلة كاملة من العاملين مع انهيار المزارع: “كانت لدينا منظومة متكاملة؛ نربي ونسمن ونسلّم الأضاحي للمضحين، وحتى الذبح كان يتم عبر فرق متخصصة. كل هذه الطقوس غابت للعام الثالث”.
ويضيف أن الحرب لم تدمر المزرعة فقط، بل قطعت أيضًا خطوط التوريد التي كان يعتمد عليها القطاع، خاصة استيراد المواشي من الخارج: “كنا نستورد من مصر، وكانت هناك حركة تجارة، لكن خلال الحرب انقطع كل شيء”.
واليوم، لم يتبقَّ من مزرعته شيء. فقد نزح البيوك إلى خيمة بعد أن أصبحت منطقته ضمن مناطق الإخلاء، فيما بقيت المزرعة خلف ما يصفه بـ“الخط الأصفر”.
ويشير إلى أن الخسارة لم تقتصر على فقدان المواشي، بل شملت انهيار الموسم نفسه، إذ كانت المزارع تبدأ مبكرًا في تجهيز وتسمين الأضاحي.
“قبل الحرب كنا نجهز الخراف ونسلمها للمضحين في بيوتهم، أما اليوم فلا شيء من ذلك”.
كما ارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق؛ إذ كان الخروف يباع بنحو ألف شيكل قبل الحرب، بينما وصل اليوم إلى 15–18 ألف شيكل.
ويرجع البيوك ذلك إلى غياب الأعلاف وانعدام عمليات التسمين: “الخروف يحتاج إلى أعلاف ليصبح صالحًا للأضحية، لكن اليوم لا أعلاف تقريبًا، وما يدخل منها محدود جدًا”.
خسارة كاملة
أما في بيت حانون شمال قطاع غزة، فقد خسر المهندس الزراعي محمد الزعانين مشروعه بالكامل.
كان الزعانين يدير مشروعًا للإنتاج الحيواني قائمًا على شقين: تسمين الأغنام المخصصة للأضاحي والولائم، وإنتاج الأجبان والألبان.
يقول لـ"فلسطين”: “كانت مهنتي ومصدر رزقي الأساسي”.
ويشير إلى أن مشروعه كان يوفّر سنويًا أضاحي لعشرات العائلات، “في أقل موسم كنت أُغطي ما بين 20 إلى 30 أضحية”.
لكن في الثامن من أكتوبر، اضطر لمغادرة منزله ومزرعته وترك كل شيء خلفه: “حاولت العودة خلال الأسبوع الأول لإنقاذ السلالات، لكن لم يعد ممكنًا الوصول. بعضها نفِق أو قُتل أو استُهلك بسبب الجوع، ثم دُمّرت المزرعة والمعدات بالكامل”.
ويقدّر خسائره بنحو 70 إلى 80 ألف دولار، مشيرًا إلى أن الضرر لم يكن ماديًا فقط، بل طال جودة الثروة الحيوانية أيضًا.
ويقول إن الخروف الجيد الذي كان يباع سابقًا بين 400 و500 دولار بات اليوم خارج المقارنة من حيث السعر والجودة.
تراجع الجودة
ويضيف أن السلالات الحالية تعتمد بشكل كبير على الرعي العشوائي بسبب نقص الأعلاف، ما انعكس سلبًا على الجودة: “كثير منها يتغذى على مخلفات، لذلك الجودة مختلفة تمامًا”.
ويؤكد أن ما تبقى في غزة لا يمكن اعتباره موسم أضاحٍ فعلي: “الأعداد محدودة جدًا، وبعضها يُحتفظ به للتكاثر فقط”.
ورغم ذلك، يتمسك الزعانين بالأمل: “أتمنى العودة للإنتاج الحيواني، لكن ذلك يحتاج إلى بنية تحتية وظروف مناسبة لإعادة البناء”.
انهيار الموسم
وفق تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية، كانت غزة تستقبل قبل الحرب عشرات آلاف رؤوس الأغنام والعجول سنويًا لتغطية موسم الأضاحي، بأسعار تناسب شرائح واسعة من السكان.
أما اليوم، فتشير التقديرات إلى شبه توقف في إدخال المواشي وتراجع حاد في أعدادها داخل القطاع، ما جعل موسم الأضاحي محدودًا أو شبه غائب للعام الثالث على التوالي، مع ارتفاع كبير في الأسعار وانهيار القدرة الشرائية.
وبين حصالة وسام المغلقة، ومزرعة البيوك خلف خطوط الإخلاء، ومشروع الزعانين المدمر في بيت حانون، يغيب عيد الأضحى عن غزة للعام الثالث بلا أسواق مواشٍ ولا حظائر ولا أصوات خراف كانت تعلن قدوم العيد.
غابت الأضاحي، وبقي موسمٌ كامل كان يجمع بين العبادة والرزق والفرح، خارج المشهد.
المصدر / فلسطين أون لاين