أخبار اليوم - أعاد الرقم الصادم الذي كشف عن وجود قرابة 75 ألف طفل يعملون بصورة غير قانونية في الأردن، فتح جرح غائر في جسد المجتمع، محولاً منصات النقاش العام إلى ساحة اشتباك بين مرارة الواقع الاقتصادي وصرامة النصوص القانونية. ولم يعد الجدل في الشارع الأردني محصوراً في إحصائيات صماء، بل تحول إلى تساؤل وجودي حول مفهوم الأمان الاجتماعي، في ظل انقسام حاد بين من يرى في الظاهرة "صرخة جوع" تفرضها الحاجة، ومن يعتبرها "خرقاً بنيوياً" يُرتكب بحق مستقبل الأجيال تحت سمع وبصر الرقابة الرسمية.
في عمق هذا النقاش، تبرز أصوات مواطنين تفيض بالواقعية المؤلمة؛ حيث يرى كثيرون أن الدافع الأساسي لعمالة الأطفال ليس اختياراً، بل هو "اضطرار مر" تمليه لغة الأرقام في ميزانيات الأسر التي تعاني ضيق الحال. "الناس تريد أن تأكل"، هكذا تلخص تعليقات الشارع المشهد، معتبرة أن الطفل الذي يحمل عبء العمل إنما يسد رمق عائلة لم تجد في شبكات الأمان الحكومية ما يكفيها ذل السؤال. الفقر والجوع، بحسب هذا الطرح، هما "المشغّل الحقيقي" لهؤلاء الأطفال، مما يجعل المطالبة بتطبيق القانون دون معالجة جذور العوز نوعاً من المقاربة المنقوصة التي لا تلامس واقع الأحياء الفقيرة.
على المفهوم المقابل، تشتد وتيرة النقد الموجه للجهات المعنية، لا سيما وزارة العمل؛ حيث يرى مراقبون أن وصول العدد إلى هذا الرقم الضخم يعكس "هزالاً رقابياً" وتراخياً في محاسبة أصحاب العمل الذين يستغلون براءة الطفولة للتهرب من كلف العمالة المنظمة. ويتساءل المشككون بمرارة عن غياب الرقابة الفاعلة، وربطوا بين انتشار عمالة الأطفال وتفاقم معدلات البطالة بين الكبار، مؤكدين أن الحل لا يبدأ من ملاحقة الطفل في ورشته، بل بتأمين فرصة عمل كريمة لرب الأسرة تعفيه من إرسال فلذة كبده إلى مواجهة قسوة المهن قبل أوانها.
وفي ثنايا هذا الجدل المحتدم، تبرز رؤى تحاول ملامسة الواقع بمرونة، حيث يرى البعض أن العمل المنظم للفتيان في سن الخامسة عشرة قد يكون مخرجاً اقتصادياً إذا ما تم تقنينه بعيداً عن الاستغلال وبما لا يمس الحق المقدس في التعليم. غير أن هذا الطرح يصطدم بمطالبات حقوقية تشدد على ضرورة صون الطفولة، معتبرة أن مكان الطفل الطبيعي هو مقعد الدراسة، وأن أي تبرير لعمالتهم هو تكريس لـ"دورة الفقر" التي ستنتج جيلاً غير متعلم ومسحوقاً مهنياً.
ومع تزايد التساؤلات حول دقة الأرقام المعلنة وآلية حصرها، يبقى ملف عمالة الأطفال في الأردن مفتوحاً على كل الاحتمالات؛ فهو ليس مجرد ملف إحصائي، بل هو قضية تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد والاجتماع. وبينما ينتظر الشارع ردوداً حكومية تتجاوز لغة الأرقام إلى خطط التشغيل وحماية الدخل، يبقى السؤال الذي يتردد في أزقة المدن والمخيمات: هل تنجح الدولة في استعادة هؤلاء الأطفال إلى مدارسهم، أم أن ضغط الواقع المعيشي سيبقى أقوى من هيبة القانون، لتظل طفولة الآلاف رهينةً للقمة العيش؟