سامر حداد
عندما يشعر أي مواطن بأن أبواب العدالة موصدة أمامه، يصبح السؤال عن الإنصاف واجباً وطنياً لا مجرد مطلب فردي.
استكمالاً للمقال السابق المعنون "محاكم بلا رقابة… ونقض لحقوق الأردنيين المسيحيين" والمنشور في صحيفة أخبار اليوم بتاريخ 23-08-2025.
بعد نشر المقال السابق في صحيفة أخبار اليوم بتاريخ 23-08-2025، كان من المتوقع أن تفتح الجهات المعنية أبوابها للتحقيق والنظر بجدية في ما تم طرحه من قضايا تمس العدالة وحقوق المواطنين. إلا أن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ بدأت بعض المحاكم الكنسية تتنصل من المسؤولية، وكل جهة تقول إن هذا الأمر ليس ضمن اختصاصها. وتحوّل الموضوع إلى تبادل للحديث والآراء بين محامين وقضاة وأطراف متعددة، دون أن يلمس المتضررون أي تغيير حقيقي على أرض الواقع.
بل إن المقال، بدلاً من أن يكون بداية إصلاح، أثار حالة من التوتر والغضب لدى بعض من شعروا أن ما ورد فيه يمسهم بشكل مباشر، فكان الرد مزيداً من التضييق والضغط على كل من له علاقة بطرح القضية أو المطالبة بمراجعتها. وهكذا بقيت الأمور على حالها، بل ربما ازدادت تعقيداً وسوءاً.
المؤلم في هذا المشهد أن الجهات الحكومية المعنية لم تتعامل مع الموضوع بالاهتمام الذي يستحقه، وكأن الرسالة غير المعلنة هي ترك الأمر ليبقى شأناً داخلياً. غير أن هذا الطرح، إن صحّ، يتجاهل حقيقة أساسية لا يمكن القفز فوقها، وهي أن المسيحيين في الأردن هم مواطنون أردنيون قبل أي وصف آخر، ومن واجب الدولة ومؤسساتها أن تحمي حقوقهم وتصون كرامتهم مثلما تفعل مع أي مواطن آخر.
وعندما تغيب الرقابة والمساءلة في أي مؤسسة قضائية، أياً كان نوعها، فإن الباب يُفتح أمام الفساد وسوء استخدام السلطة. وعندها يصبح بعض الناس عرضة للظلم، ويتم التلاعب بمصائرهم وبمستقبل عائلاتهم وأبنائهم دون رحمة أو ضمير. فالفساد، عندما يتغلغل، لا يكتفي بإفساد الإجراءات، بل يطمس معايير العدالة والإنسانية معاً.
إن العدالة لا يمكن أن تكون مجتزأة، ولا يجوز أن تُترك فئة من المواطنين لتواجه مصيرها وحدها. فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تخضع للرقابة والشفافية والمحاسبة، وتُطبَّق على الجميع دون استثناء.
ومن هنا، أتوجه بنداء صادق إلى جلالة الملك، الذي اعتاد الأردنيون أن يجدوا فيه الملاذ والضمانة لكل مظلوم. فجلالته كان دائماً حامياً للعدالة وصوتاً للإنصاف، ومن غير المقبول أن يبقى أي مواطن أردني — مسيحياً كان أم مسلماً — عرضة للظلم دون أن يجد من ينصفه بالحق.
كما أناشد الحكومة الأردنية ومؤسساتها المعنية فتح تحقيق جاد وشفاف في هذه القضايا، والعمل على إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، بما يضمن العدالة الكاملة للمواطنين المسيحيين المتضررين.
وللتأكيد، فإن ما يُطرح هنا ليس مجرد كلام أو ادعاءات عامة، بل توجد ملفات ووثائق يمكن تقديمها لأي جهة رسمية أو قانونية مختصة للتحقيق فيها وفق الأصول، وبكل شفافية ومسؤولية.
إن الهدف من هذا الطرح ليس التصعيد أو الإساءة لأي مؤسسة، بل الوصول إلى عدالة حقيقية يشعر بها كل مواطن. فإذا كانت هناك ثغرات في آليات عمل المحاكم الخاصة، فإن من حق المجتمع أن يناقش إصلاحها. وحتى لو كان الحل المطروح هو اللجوء إلى المحاكم النظامية التي تخضع لرقابة الدولة وتكفل معايير العدالة المعروفة، فإن ذلك يبقى خياراً قابلاً للنقاش إذا كان سيضمن حماية الحقوق وإنصاف المظلومين.
فالعدالة ليست امتيازاً لفئة دون أخرى، بل حق لكل مواطن أردني.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي تجاهله: هل يمكن أن تستقيم العدالة في أي مجتمع إذا شعر بعض أبنائه أن حقوقهم لا تجد طريقها إلى الإنصاف؟
كاتب المقال: مواطن أردني مهتم بقضايا العدالة وسيادة القانون.