حين تقترب ساعة الحسم: كيف ستنتهي الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية؟

mainThumb
حين تقترب ساعة الحسم: كيف ستنتهي الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية؟

29-03-2026 09:14 AM

printIcon
الدكتور خالد محمد السُليمي، عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية

من إدارة الصراع إلى فرض الإيقاع
لم تعُد المواجهة الدائرة في الشرق الأوسط تُدار وفق منطق "الاحتواء الهادئ"، بل دخلت مرحلة أكثر حساسية عنوانها فرض الإيقاع بالقوة المحسوبة، الضربات التي استهدفت مواقع حساسة داخل إيران لم تكن مجرد رسائل تكتيكية، بل إعلان غير مباشر بأن سقف التصعيد قد ارتفع، وأن قواعد الاشتباك التقليدية لم تعُد كافية لضبط المشهد، هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأطراف بأن إدارة الصراع لم تعُد تحقق الأهداف المرجوة، وأن الانتقال إلى مرحلة الضغط المباشر قد يكون السبيل لفرض معادلات جديدة، لكن هذا الانتقال يحمل في طياته مخاطرة مزدوجة: فكلما ارتفع الإيقاع، تقلص هامش الخطأ، وأصبح أي سوء تقدير قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع، وهنا تبدأ أخطر مراحل الصراع، حيث لا يكون السؤال كيف تُدار الأزمة، بل من ينجح في التحكم بسرعة تطورها.

عامل الزمن… مهلة الأيام العشرة كأداة ضغط استراتيجي
إدخال عامل الزمن عبر مهلة سياسية محددة يُمثل تحولاً نوعياً في إدارة الأزمة، فالمهلة التي تنتهي في السادس من أبريل ليست مجرد إنذار، بل أداة لإعادة تشكيل سلوك الخصم تحت ضغط القرار السريع، في علم الاستراتيجية، يُعرف هذا النهج بتقليص "نافذة المناورة"، حيث يُجبر الطرف المقابل على اتخاذ قرارات حاسمة ضمن إطار زمني ضيق، غير أن هذا الأسلوب لا يضغط على طرف واحد فقط، بل يفرض قيوداً أيضاً على من يطلقه، لأنه يخلق توقعات لا يمكن التراجع عنها بسهولة، ومع اقتراب نهاية المهلة، تصبح الخيارات أكثر حدة: إما تصعيد إضافي لإثبات المصداقية، أو فتح مسار تهدئة لتجنب الانفجار، هذه اللحظة الزمنية الضيقة هي ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الحساسية، حيث تتحول الأيام القليلة إلى عامل حاسم في تحديد مسار الصراع بأكمله.

ماذا يريد كل طرف… وأين تتوقف قدرته؟
لفهم اتجاهات المرحلة المقبلة، لا بد من قراءة أهداف الأطراف ضمن حدود قدرتها الواقعية، الولايات المتحدة تسعى إلى فرض معادلة ردع تمنع أي تحول استراتيجي يُهدد نفوذها، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في الانجرار إلى حرب مفتوحة طويلة، إسرائيل تركز على تقليص مصادر التهديد المباشر، لكنها تدرك أن تعُدد الجبهات قد يضعها أمام تحديات مركبة يصعب احتواؤها، أما إيران، فتعتمد على استراتيجية الصمود وإدارة الضغوط، حيث ترى أن الوقت قد يكون حليفاً في استنزاف خصومها سياسياً ونفسياً، ومع ذلك، فإن كل طرف يواجه قيوداً حقيقية: كلفة اقتصادية متصاعدة، ضغوط داخلية، وحسابات دقيقة مع الحلفاء، هذه القيود لا تقل أهمية عن عناصر القوة، بل هي التي ترسم الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، وهي التي ستحدد في النهاية شكل السيناريو الأقرب للتحقق.

السيناريوهات المستقبلية القريبة
1. السيناريو الأول (الأرجح الآن) … تصعيد محدود وردود تحت السيطرة. في ضوء الضربات الأخيرة والمهلة الزمنية، يبرز سيناريو "التصعيد المحدود" كالأكثر ترجيحاً في المدى القريب، هذا السيناريو يقوم على ردود محسوبة من إيران، تهدف إلى حفظ التوازن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في المقابل، تستمر الولايات المتحدة وإسرائيل في توجيه ضربات انتقائية ضمن سقف مدروس، هذا النمط من الصراع يُعرف بإدارة التوتر، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه دون تجاوز الخطوط الحمراء، نجاح هذا السيناريو يعتمد على دقة الحسابات، لأنه قائم على توازن هش بين الردع والتصعيد، أي خطأ في التقدير قد يحول "الرد المحدود" إلى سلسلة من التصعيدات المتتالية، ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو الأكثر واقعية لأنه يحقق للأطراف هدفين متناقضين: إظهار القوة من جهة، وتجنب الحرب الشاملة من جهة أخرى.
2. السيناريو الثاني… تسوية مؤجلة بعد عاصفة قصيرة. السيناريو الثاني يتمثل في الوصول إلى تهدئة أو تسوية غير معلنة، لكن ليس بشكل فوري، بل بعد مرحلة تصعيد قصيرة تُستخدم لتحسين شروط التفاوض، في هذا السيناريو، تلعب الضربات والمهل دور "إعادة التموضع" حيث يسعى كل طرف إلى الدخول في أي تفاهم محتمل من موقع أقوى، بعد ذلك، يتم خفض التصعيد تدريجياً عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، مع الحفاظ على خطاب سياسي متشدد أمام الداخل، هذا السيناريو يمنح جميع الأطراف فرصة "حفظ ماء الوجه"، وهو عنصر حاسم في الصراعات المعقدة، نجاحه يعتمد على وجود قنوات اتصال فعالة، واستعُداد ضمني لدى الأطراف لتجميد الصراع بدل حسمه، ورغم أنه لا ينهي جذور الأزمة، إلا أنه يوفر استقراراً نسبياً ويؤجل المواجهة الكبرى، وهو ما يجعله خياراً عملياً في بيئة عالية التعقيد.
3. السيناريو الثالث… الانزلاق إلى مواجهة أوسع. رغم أن هذا السيناريو لا يزال الأقل رغبة، إلا أن احتماليته ارتفعت بشكل ملحوظ مع تصاعد وتيرة الأحداث، أي رد غير محسوب، أو سوء تقدير في قراءة نوايا الطرف الآخر، قد يدفع الأمور نحو مواجهة أوسع تتجاوز حدود السيطرة، في هذا السيناريو، تتسع دائرة الصراع لتشمل أطرافاً إقليمية إضافية، وتتضاعف الكلفة على جميع المستويات: الاقتصادية، العسكرية، وحتى الاجتماعية، مما يجعل هذا السيناريو خطيراً هو أنه لا ينتج عن قرار استراتيجي واعٍ، بل عن سلسلة أخطاء متراكمة، لذلك، فإن الخطر الحقيقي في المرحلة الحالية لا يكمن في النوايا المعلنة، بل في احتمالات “الانزلاق غير المقصود”، ومع ارتفاع مستوى التوتر، يصبح التحكم في مسار الأحداث أكثر صعوبة، وهو ما يضع المنطقة أمام اختبار حقيقي لقدرة الأطراف على إدارة المخاطر.

الأردن… سياسة التوازن في لحظة الاختبار
في ظل هذا المشهد المُعقد، يبرز الأردن كنموذج لدولة تدير الأزمة بعقلانية استراتيجية عالية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، فقد ركزت الرؤية الأردنية على ضرورة خفض التصعيد والعمل على حلول سياسية شاملة تعالج جذور الصراع، محذرة من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، هذا النهج لا يعكس فقط حرصاً على الاستقرار الوطني، بل فهماً عميقاً لطبيعة التوازنات الإقليمية، فالأردن يدرك أن أي انفجار في المنطقة ستكون له تداعيات مباشرة، ولذلك يسعى إلى لعب دور متوازن يساهم في احتواء التوتر ودعم المسارات الدبلوماسية، في لحظات كهذه، لا تكون القوة في التصعيد، بل في القدرة على منع الانفجار، وهو ما يجعل من السياسة الأردنية عنصر توازن مهم في هذه المرحلة الحساسة.

في الختام ... لم يعُد الصراع في الشرق الأوسط مجرد مواجهة مفتوحة على الزمن، بل أصبح سباقاً مع الأيام، المهلة الزمنية، والضربات المتبادلة، والتصعيد المحسوب، كلها مؤشرات على أن المنطقة تقترب من لحظة حسم قد تعيد تشكيل ملامحها لسنوات قادمة، الرابح في هذه المواجهة لن يكون بالضرورة من يوجه الضربة الأقوى، بل من ينجح في إدارة التوقيت والقرارات تحت ضغط اللحظة، فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالقوة، بل بالقدرة على قراءة اللحظة واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، وبين التصعيد والتهدئة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح الأطراف في احتواء الصراع، أم أن خطأً واحداً سيكون كفيلاً بإشعال مواجهة لا يمكن السيطرة عليها؟ الحقيقة الأهم أن اللحظات القصيرة في التاريخ… هي التي تصنع التحولات الكبرى.

توصيات استراتيجية لصُنّاع القرار… من إدارة الأزمة إلى صناعة النتائج
1. الانتقال من ردّ الفعل إلى هندسة الإيقاع الاستراتيجي. على صُنّاع القرار تجاوز منطق الاستجابة للأحداث نحو التحكم في تسلسلها. فالقوة الحقيقية لا تكمن في حجم الرد، بل في القدرة على فرض توقيته وشكله. إدارة الإيقاع تعني اختيار متى يتم التصعيد، ومتى يتم التهدئة، بحيث يُدفع الخصم إلى التحرك ضمن مسار مرسوم مسبقاً، لا العكس.
2. بناء معادلة ردع مرنة متعُددة المستويات. الردع التقليدي لم يعُد كافياً في بيئة الصراعات المركبة، فالمطلوب هو ردع مرن يجمع بين: (القوة العسكرية المحدودة والدقيقة، الضغط الاقتصادي الذكي، التأثير النفسي والإعلامي)، هذه المعادلة تُبقي الخصم تحت ضغط دائم دون دفعه إلى رد فعل انفجاري، وتمنح صانع القرار مساحة مناورة أوسع.
3. إدارة عامل الزمن كأداة قوة وليس مجرد قيد. المهلة الزمنية ليست فقط وسيلة ضغط، بل أداة لصناعة القرار، على القيادات الاستراتيجية (تجنب الوقوع في فخ الالتزام الزمني الصارم، استخدام الزمن لإرباك حسابات الخصم، خلق "مساحات غموض" تُبقي الخيارات مفتوحة، التحكم بالوقت يعادل في أهميته التحكم بالقوة).
4. منع الانزلاق غير المقصود عبر قنوات احتواء خلفية. أخطر ما في المرحلة الحالية هو التصعيد الناتج عن سوء التقدير، لذلك يجب: (الحفاظ على قنوات اتصال غير معلنة، تفعيل وساطات إقليمية موثوقة، إنشاء آليات "احتواء سريع" للأزمات الطارئة،)، الهدف ليس التنازل، بل منع الانفجار غير المقصود.
5. إعادة تعريف النصر في الصراعات الحديثة. النصر لم يعُد يعني الحسم العسكري الكامل بل: (فرض توازن مستقر، منع الخصم من تحقيق أهدافه، الحفاظ على الاستقرار الداخلي)، هذا التحول ضروري لتجنب الانجرار إلى حروب طويلة مُكلفة بلا نتائج حاسمة.
6. تحصين الجبهة الداخلية كأولوية استراتيجية، في الحروب الحديثة، الجبهة الداخلية هي نقطة الحسم، لذلك يجب (تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، إدارة الرواية الإعلامية بوعي استراتيجي، حماية الاقتصاد من الصدمات) أي ضعف داخلي سيُستغل خارجياً بشكل مباشر.
7. تمكين الدول المتوازنة إقليمياً كصمّامات أمان. الدول التي تنتهج سياسات متزنة، مثل الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، يجب دعم دورها كوسيط وموازن إقليمي، هذه الدول قادرة على: (تقليل فجوات الثقة، فتح قنوات الحوار، منع توسع الصراع، الاستثمار في الاستقرار الإقليمي أقل كلفة بكثير من إدارة الحروب).
8. الاستعُداد لسيناريو الأسوأ دون الانجرار إليه. فالعقل الاستراتيجي الحقيقي هو الذي يُخطط لأسوأ الاحتمالات دون أن يتصرف وكأنها حتمية، وهذا التوازن يمنع المفاجآت، ويُبقي القرار عقلانياً تحت الضغط.

إذاً فالمرحلة الحالية لا تحتاج إلى قرارات سريعة فقط، بل إلى قرارات ذكية تُدار تحت الضغط، من ينجح لن يكون من يملك القوة الأكبر، بل من يتحكم بالإيقاع، يُدير الزمن بذكاء، يمنع الانزلاق، ويُحسن تعريف النصر، فالتاريخ لا يذكر من صعّد أكثر… بل من عرف متى يتوقف ومتى يفرض شروطه.