أخبار اليوم - مباراة السعودية تفرض معطيات جديدة في غياب الملك المصري
في كرة القدم، لا تأتي التحولات بشكل مباشر دائما، بل أحيانا تتسلل بهدوء، داخل مباراة تبدو عادية، لكنها تترك خلفها شعورا بأن شيئا ما قد تغير.
في جدة، لم يكن المشهد مجرد فوز لمنتخب مصر برباعية نظيفة على السعودية، بل كان أقرب إلى عرض مختلف، فريق يتحرك بحرية، يصنع فرصا من التحولات، ويهاجم من الجبهة اليمنى دون أن يكون محمد صلاح حاضرا، في ظل غيابه بسبب الإصابة.
زيزو يمر ويصنع ويسجل، وهيثم حسن يدخل فيشعل الطرف بمراوغاته، والجبهة التي كانت لسنوات عنوانا لاسم واحد، بدت وكأنها تعرف طريقا آخر.
هنا تطرح الأسئلة نفسها تدريجيا، هل اقتربت اللحظة التي يعيد فيها صلاح تعريف دوره؟ هل يسلم راية الجناح الأيمن، ليتحرك إلى العمق حيث يمكنه أن يكون أكثر حسما؟
هل إدارة دقائقه أصبحت ضرورة، لإتاحة المساحة أمام جيل جديد، وليكون أكثر جاهزية في لحظات الحسم، مع اقتراب موعد المونديال، وحاجة المدير الفني حسام حسن لاستغلال كل أوراقه الهجومية؟
المجمل، أن ما حدث لم يكن إعلان نهاية لحقبة صلاح، الذي يراه السواد الأعظم من المصريين، اللاعب الأعظم في تاريخ الفراعنة، لكنه بالتأكيد كان بداية نقاش لا يمكن تجاهله.
أسطورة تصنع المجد الأحمر
منذ أن وطأت قدما محمد صلاح ملعب آنفيلد في صيف 2017، وعلى مدار 9 سنوات كاملة، بات النجم المصري بطلا لواحدة من أعظم الحكايات الفردية في تاريخ ليفربول والدوري الإنجليزي.
كان "الملك المصري" عنوانا لحقبة كاملة أعادت ليفربول إلى القمة الأوروبية والمحلية، من ليلة مدريد في نهائي دوري الأبطال، إلى كسر لعنة البريميرليج بعد 30 عاما، ومواسم فردية بلغت حد الإعجاز.
189 هدفا و92 تمريرة حاسمة مع الريدز في الدوري الإنجليزي، 4 مرات حذاء ذهبي، وجوائز فردية بالجملة، والعديد من الأرقام القياسية، التي خلدت أسطورة نجم الفراعنة في ملاعب أوروبا.
لكن حتى أعظم القصص تصل يوما إلى النهاية، وقبلها، الفصل الذي يبدأ فيه الإيقاع في التباطؤ.
البطل الذي أعاد الحلم
إذا كانت قصة صلاح مع ليفربول ملحمية، فإن حكايته مع منتخب مصر أكثر درامية وإنسانية.
فقد جاء في حقبة عانت فيها مصر من غياب طويل عن كأس العالم ومن تراجع نسبي في هيبة الفراعنة على الساحة القارية.
مع تصفيات مونديال 2018، حمل صلاح المنتخب على كتفيه تقريبا، وساهم بأهداف حاسمة في أوغندا وغانا، قبل أن يكتب التاريخ بهدفه من ركلة جزاء في الوقت القاتل أمام الكونغو، ليعيد مصر إلى كأس العالم بعد غياب 28 عاما.
في كأس الأمم الأفريقية، قاد صلاح مصر إلى نهائي 2017 في الجابون ثم نهائي 2021 في الكاميرون، لتستعيد مصر حضورها في المحافل الكبرى بعد سنوات من الغياب عن الأدوار المتقدمة.
وجاءت المحاولة الأخيرة في نسخة المغرب 2025، إذ قدم صلاح رقميا أفضل نسخة تهديفية له في البطولة، مسجلا 4 أهداف قادت مصر إلى نصف النهائي، لكنه ظهر باهتا أمام السنغال في طنجة، حيث خسر الفراعنة بهدف متأخر لساديو ماني في مباراة شحيحة الفرص.
أنهى الفراعنة البطولة في المركز الرابع بعد خسارة بركلات الترجيح أمام نيجيريا، أهدر خلالها صلاح بنفسه الركلة الأولى، لتتعزز سردية أن تأثيره في لحظات الحسم لم يعد بنفس الحدة.
ومع ذلك، فإن حصيلته التاريخية مع المنتخب مذهلة، فقد سجل 65 هدفا دوليا، وأصبح على مقربة من معادلة رقم حسام حسن كأفضل هداف في تاريخ منتخب مصر برصيد 69 هدفا.
مرحلة التراجع
بعد موسم أسطوري في 2024/2025، جاء الموسم الحالي مختلفا بالنسبة لصلاح.
5 أهداف فقط في الدوري، انخفاض في معدلات التسديد والمراوغة، والأهم من ذلك، أن القرارات الفنية بدأت تعكس هذا التحول، فلم يعد الملك المصري غير قابل للمس في ليفربول، بدأ يجلس أحيانا على مقاعد البدلاء، أو يتم استبداله مبكرا.
ومع اقتراب الرحيل عن ليفربول بنهاية الموسم، والاهتمام السعودي المتجدد، تبدو الصورة وكأنها تغلق فصل أوروبا، وتفتح بابا جديدا، ربما يكون الأخير في مسيرته العظيمة.
إعادة تعريف
كل ما سبق لا يعني أن صلاح لم يعد قادرا على صناعة الفارق، لكنه يعني على الأرجح أن طريقة استخدامه تحتاج إلى مراجعة جذرية وإعادة تعريف، خصوصًا مع المنتخب.
صلاح في نسخته الحالية أقل انفجارا في السرعة والمراوغة على الخط، وأكثر نضجا في استغلال المساحات داخل منطقة الجزاء، واللعب بين الخطوط، وتمرير الكرة في الثلث الأخير.
هنا تبرز فكرة نقله من دور الجناح الأيمن الكلاسيكي إلى دور الـ"Wide 9"، واللعب حول رأس الحربة الأساسي عمر مرموش، مع حرية أكبر للدخول إلى العمق واستلام الكرات في نصف المساحة اليمنى أو أمام منطقة الجزاء بدلا من البقاء ملتصقا بالخط.
هذا التغيير قد يقلل من اعتماد المنتخب على انطلاقات ومراوغات لم تعد سلاح صلاح الأول، ويحول تركيزه إلى اللمسة الأخيرة، تمريرة حاسمة، تسديدة من وضع مريح، أو تحرك ذكي يفتح المساحة لزملائه.
بهذا الشكل يمكن استثمار خبرته وتمركزه داخل وخارج الصندوق، مع منح الجناح الأيمن "الأصلي" زيزو أو هيثم حسن، حرية الركض على الخط بينما يتحرك صلاح أقرب كثيرا إلى قلب الهجوم، في حالى شبيهة بالدور الذي لعبه العديد من كبار في أواخر مسيراتهم على غرار كريستيانو رونالدو.
إدارة الدقائق
جزء آخر من معادلة "صلاح الجديد" هو إدارة دقائقه مع المنتخب، فليس من المنطقي، على مشارف الرابعة والثلاثين ومع موسم أوروبي مثقل وضغط بدني ضخم، أن يلعب 90 دقيقة في كل مباراة رسمية وودية وكأنه في سن الخامسة والعشرين.
عديد النجوم الكبار عبر التاريخ خفضوا دقائقهم تدريجيًا للحفاظ على الجودة في الدقائق الحاسمة بدلا من استنزافهم طوال الموسم.
ويمكن لمنتخب مصر أن يستفيد من صلاح بأكثر من نموذج، فأحيانا يبدأ أساسيا لكن مع قرار مسبق بخروجه بعد 60-70 دقيقة حسب تطور اللقاء، أو حتى العكس في بعض المباريات – خاصة الودية أو أمام خصوم أضعف – فيبدأ من على مقاعد البدلاء ليشارك في نصف الساعة الأخيرة بتركيز بدني وذهني أعلى، ويمنح الفريق دفعة حاسمة.
هذا الدور لا يقلل من مكانته، بل يعيد تعريفها، من المنقذ الوحيد إلى جزء من منظومة هجومية متعددة الحلول، يستخدم فيها في اللحظة الأنسب، وليس بالضرورة منذ الدقيقة الأولى حتى صافرة النهاية.
ووجود بدائل قوية على الجناح الأيمن يسهل على حسام حسن المدير الفني للفراعنة اتخاذ مثل هذه القرارات.
زيزو وهيثم حسن.. ملامح المستقبل
في جدة، قدم زيزو واحدة من أفضل مبارياته بقميص المنتخب، بين صناعة وتسجيل وتأثير مستمر، بينما أضاف هيثم حسن بعدا مختلفا من الجرأة والسرعة والمراوغة.
لأول مرة منذ سنوات، بدا أن الجبهة اليمنى لا تعتمد على اسم واحد، بل على خيارات متعددة، وهذا في حد ذاته تطور إستراتيجي مهم.
رقميا، يثبت زيزو منذ مواسم أنه من أكثر لاعبي الدوري المصري تأثيرا في الأمتار الأخيرة، بصناعة الأهداف وتسجيلها بشكل متوازن، كما بات عنصرا ثابتا في تشكيل الفراعنة تحت أكثر من مدير فني، بفضل قدرته على تنفيذ التعليمات الدفاعية والضغط العالي، إلى جانب دقة الكرات العرضية والكرات الثابتة.
أما هيثم حسن، فهو قصة أخرى لجناح يمين عصري، لاعب مصري فرنسي النشأة، يشغل مركز الجناح الأيمن مع ريال أوفييدو في إسبانيا، ويملك مزيجا من السرعة والجرأة في المراوغة.
في موسم 2025-2026 بالليجا، يأتي ضمن قائمة أعلى اللاعبين في معدل المراوغات الناجحة لكل 90 دقيقة (نحو 2.8 مراوغة ناجحة)، في قائمة تضم أسماء مثل لامين يامال وفينيسيوس وإينياكي ويليامز، ما يعكس مهاراته وقدراته.
وجود هذا الثنائي لا يعني إقصاء صلاح، بل يمنح المدرب رفاهية القرار، ويخرج المنتخب من أسر الاعتماد المطلق.
لماذا يبدو استمرار صلاح أساسيا أقرب للمنطق؟
غم كل ما سبق من مبررات لتغيير دور صلاح أو دقائقه، تبقى هناك العديد من الحجج القوية لاستمراره أساسيا في أغلب مباريات المنتخب في المستقبل القريب، وبالأخص في مونديال أمريكا.
أول هذه الحجج أن صلاح، حتى في تراجع مستواه، يملك قدرة فريدة على قلب أي مباراة بلقطة واحدة، تسديدة من خارج المنطقة، تمريرة قاتلة، أو استغلال نصف فرصة داخل الصندوق، وهي أمور يصعب تعويضها.
الحجة الثانية نفسية وتكتيكية، فوجود صلاح في الملعب يجبر دفاعات الخصم على مضاعفة الرقابة عليه، ما يفتح مساحات ضخمة لزملائه، كما رأينا في أكثر من مباراة في كأس الأمم وتصفيات المونديال، حيث تحرر مرموش وتريزيجيه وغيرهما من القيود بسبب انشغال المدافعين بصلاح.
رقميا، صلاح يطارد رقما شخصيًا وتاريخيا، إذ لم يعد يفصله سوى 4 أهداف عن معادلة رقم حسام حسن كأفضل هداف في تاريخ منتخب مصر، وهو حافز إضافي يدفعه للاستمرار في تقديم كل ما لديه.
ما الطريق الأمثل؟
في ضوء كل ما سبق، يبدو أن السؤال ليس "هل ولى زمن صلاح؟" بقدر ما هو: "كيف يمكن استثمار صلاح الجديد بأفضل طريقة؟".
صلاح لم يعد جناحا خارق السرعة والمراوغات كما كان في البدايات، لكنه ما زال مهاجما عالميا يملك اللمسة الحاسمة، وخبرة تراكمت عبر نهائيات دوري أبطال وكؤوس أمم وأدوار إقصائية لا تحصى.
الطريق الواقعي يبدو في حل وسط، تسليم الراية تدريجيا في مركز الجناح الأيمن لزيزو وهيثم حسن وغيرهما، مع اعتماد صلاح أكثر على دور الـ"وايد 9" القريب من مرموش أو رأس الحربة الأساسي، مع إدارة أدق لدقائقه، وبناء منظومة هجومية جماعية لا يتوقف فيها إيقاع المنتخب على جاهزية صلاح البدنية أو لحظات إلهامه الفردي.
بهذه المعادلة، يمكن لمصر أن تحترم أسطورتها الحية، وتسمح له بإنهاء مسيرته الدولية في أعلى مستوى ممكن، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام جيل جديد على الجبهة اليمنى، أثبت في جدة، وربما يثبت أكثر في قادم الأيام، أن الفراعنة لا يتوقفون على لاعب واحد، حتى لو كان اسمه محمد صلاح.