جمال الدويري
...وقد شكلتها حتى لا يقرأها أحدٌ الجِمَال، خاصة وأن فعل الذبح يسبق المفعول به،
يا ناس، يا عالم، يا نشامى، ترى ذبحتونا وذبحنا العالم ونحن ننظّر ونناظر ونحاضر بالوطن والوطنية والهوية والأمن والأمان وكتابة النثر والشعر للتغنّي بالأردن العظيم وروعة جماله وخضرته ونضاره، حتى سمع به القاصي والداني واختاره الكثيرون من الأشقاء حولنا وجهة سياحية للراحة والاستجمام وخاصة، التمتع بربيعه الخلّاب، ومضيافيته وكرم أخلاق أهله.
قبل قليل، وقفت على إشارة ضوئية، ودون قصد أو جهد بلى، أضبط أحدهم في سيارة فاخرة الى يميني، وعلى يمينه آخر لطفاء ظرفاء بهندام محترم لافت، ولفت نظري أيضا ان السائق يسلت يده من نافذة مركبته بمظروف مائي فاضي يسلته الى الخارج، وقد استوقفتني واستهجنت ظرافة ونظافة الشباب والمركبة وعدم توافق هذا السلوك، على الأقل نظريا، مع رمي الفضلات بالشارع العام.
فتحت شباكي، سلّمت، وطلبت من الأخ الفاضل الظريف ان يعطيني ما رماه في الشارع لآخذه الى حاويات القمامة "الزبالة" ولا نتركه عبئا على نظافة شوارعنا ووطننا الذي نتغنى به، وضمائرنا المثقلة بصنيع أعمالنا وهفواتنا، وأخلاق وسماحة ديننا الحنيف، وقد استذكرت الحديث الشريف: إماطة الأذى عن الطريق صدقة.
الرجل، وبعد ان أدرك ما ذهبت إليه نظر إليّ بعمق وتفحّص وقال: جزاك الله خير بلهجة ونبرة صوت توحي بأنه زعل على حاله واستخطى نفسه.
فتحت الاشارة وتابعت مسيري، وأكثر ظني انه ترجل من سيارته لمحو آثار الجريمة.
وقبل هذا الحدث الجلل بقليل، أخذتني الطريق والسيدة الأولى الى ساحة شاسعة من التنظيم الجديد والشوارع الواسعة جدا تقع خلف مديرية الأمن العام، أظن انه سيكون بها مشروعا ترفيهيا او تجاريا او ما شابه، يحدّ هذه الساحة من الغرب مساحة خضراء صفراء حوراء عيناء رائعة من الربيع الأبهى والأجمل يأخذ الألباب، ويبهج العين والنفس والروح، وبما أنني أعشق الوطن والجمال فيه، توقفت وترجلت، وطلبت من المَدام ان تلتقط لنا بعض الصور أمام كل هذا الجمال والروعة.
ترجلت من السيارة وأنا أقول لنفسي: ما شاء الله والحمد لله على هذه النعماء والكرم الرباني، وما أنهيت كلماتي حتى تابعت: وأعوذ بالله من الشياطين الرجيمة، والقذارة اللئيمة بعد ان أكتشفت وبنظرة واحدة ان مستجمون في هذا المكان قد جعلوه مكبًّا للنفايات، وقد بعّروا في مكانهم، وشطّوا تحتهم، ورموا بمخلفاتهم وآثار بطرهم ووساختهم وعقوقهم للوطن والأرض والجمال، تماما عند حدّ الكُفر والزندقة والفسوق ليلوثوا كل شيء ويفردون تياستهم وعضلاتهم على أوامر الله سبحانه ورسالة نبيّه عليه الصلاة والسلام: النظافة من الايمان.
جميعنا يتحدث ويسهب عن الدين والوطن والأخلاق والنظافة، ونسيء كلنا تقريبا، وفي ذات اللحظة والنَفَس الى كل هذه، ونذبح الجمال بموس ثلم، ونسفك دم الفضائل والخُلق الحسن، ونتجاهل ضرورة ملاطفة الربيع والخضار وبهاء خَلق الله وصنائعه ونعمه علينا، وننسى قول الحق سبحانه {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشَدِيدٌ}.
وبعد ان عدت سريعا الى السيارة، حتى لا أتلوث ببقايا الأخلاق المبعثرة على طول خط النار، او يصيبني كيس فضلات طعام طائش يودي ببقايا صبري واحتسابي، اعتقدت لوهلة، ان مطاعم عمان تقوم هنا بعرض إعلانات تجارية لمأكولاتهم ومشروباتهم جميعها، فقد قرأت جل أسمائها ومسمياتها ملقاة على قارعة الربيع الغاضب الحانق مثلي في هذه الأثناء.
أيها الأحبة، من يدعي الدين والتدين ويؤدي العبادات والفرائض وينفل كثيرا، لا يذبح الجمال ويرمي الأذى في الطرقات، ومن يتغنى بالوطن والهوية، وما زالت لديه بقايا احترام لذاته ولأردنيته ولإنسانيته حتى، لا يذبح الجمال ويغتال بسمة الربيع في الوطن، ومن يريد العودة الى المكان لتكرار الاستجمام والتنزه، لا يذبح الربيع ويجز عنق الروعة ويبعّر مكانه كالماعز او يشط به كالبقر.
أعذروني وسامحوني كرما، على ألفاظي المحتدة ومصطلحاتي السوقية وغضبتي المتطرفة، ولكن لكل مقام مقال، والسلام على من اتبع الهدى، وحافظ على نظافة الأردن العظيم وأغدقه حبّا وعشقا.