أخبار اليوم - رباب دوله - يعود ملف المخدرات في الأردن إلى واجهة النقاش المجتمعي مع كل جريمة أو حادثة ترتبط بتعاطي المواد المخدرة أو الاتجار بها، وسط مطالبات شعبية متزايدة بتشديد العقوبات، وصولًا إلى المطالبة الصريحة بإعدام تجار المخدرات، باعتبارهم مسؤولين بشكل مباشر عن تدمير الأسر وتهديد أمن المجتمع.
هذا الجدل تصاعد مجددًا بعد تكرار حوادث أسرية وجنائية ارتبطت بحالات تعاطٍ أو اشتباه بالإدمان، ما دفع كثيرين إلى وصف المدمن بأنه يتحول داخل منزله إلى مصدر خوف دائم، يهدد أهله قبل أن يهدد الشارع، ويخلق حالة من الانهيار النفسي والاجتماعي داخل الأسرة نفسها.
في المقابل، يرى مواطنون أن التركيز على العقوبة وحدها لا يكفي، وأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يبدأ من داخل البيت. ويؤكد البعض أن الأسرة تتحمل مسؤولية مبكرة في ملاحظة الانحراف السلوكي للأبناء، ومتابعة علاقاتهم، ومنع الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الشاب عبئًا على أسرته ومصدر خطر على المجتمع.
عدد من المواطنين أشاروا إلى أن هناك حالات واضحة لشباب يعانون من الإهمال الأسري، حيث يتم تجاهل السلوك العدواني أو المؤشرات المبكرة للتعاطي، ثم تتحول المشكلة لاحقًا إلى كارثة اجتماعية. ويرى هؤلاء أن بعض الأسر تسارع إلى تزويج الابن “الهامل” للتخلص من مشكلته، ما يعني نقل الأزمة إلى بيت جديد وإقحام فتاة وعائلة أخرى في معاناة أكبر.
وفي هذا السياق، برزت مجددًا المطالبات بإعادة طرح فكرة فحص المخدرات قبل الزواج، باعتبارها خطوة وقائية لحماية الأسر الجديدة ومنع إخفاء حالات التعاطي أو الإدمان. ويقول مواطنون إن رفض هذا المقترح سابقًا جاء نتيجة حساسية اجتماعية غير مبررة، رغم أن الهدف الأساسي هو حماية المجتمع وليس التضييق على أحد.
مختصون في الشأن الاجتماعي يرون أن المواجهة الحقيقية تبدأ من ثلاثة محاور متوازية: الأسرة، والتعليم، والتطبيق الصارم للقانون. ويؤكدون أن الردع القانوني مهم جدًا، خاصة بحق كبار التجار ومروجي السموم، لكن الاكتفاء بالعقوبة دون علاج جذور المشكلة يجعل الأزمة مستمرة بأشكال مختلفة.
ويشير خبراء قانونيون إلى أن العقوبات المشددة ضد شبكات الاتجار الكبرى ضرورية، لأن هؤلاء لا يتعاملون مع تجارة عادية، بل مع نشاط يهدد الأمن الوطني والاجتماعي، ويقود إلى جرائم قتل وسرقات وعنف أسري وتفكك مجتمعي. ويؤكدون أن القانون يجب أن يكون حاسمًا في مواجهة هذه الفئة، مع التفريق بين التاجر والمنخرط في التعاطي الذي يحتاج أيضًا إلى مسار علاجي وإعادة تأهيل.
من جهة أخرى، يرى مختصون نفسيون أن المدمن لا يتحول فجأة إلى هذه الحالة، بل يمر بمراحل واضحة من الانعزال والتوتر والعنف والتغير السلوكي، وهي إشارات تستطيع الأسرة ملاحظتها مبكرًا إذا كانت حاضرة وقريبة من أبنائها، ما يجعل الوقاية أحيانًا أكثر أهمية من العقوبة اللاحقة.
ويبقى السؤال الأهم حاضرًا في كل مرة: هل يكفي إعدام تجار المخدرات لحماية المجتمع، أم أن المعركة تبدأ فعلًا من البيت، من التربية، ومن الشجاعة في الاعتراف بالمشكلة قبل أن تتحول إلى مأساة جديدة؟