"السواقة فن" .. هل المشكلة في الطريق أم في السائق؟

mainThumb
"السواقة فن".. هل المشكلة في الطريق أم في السائق؟

26-04-2026 02:59 PM

printIcon

أخبار اليوم - ساره الرفاعي - في شوارع الأردن المزدحمة، لم تعد القيادة مجرد وسيلة للوصول من مكان إلى آخر، بل تحولت بالنسبة لكثيرين إلى اختبار يومي للأعصاب والصبر والقدرة على التعامل مع مفاجآت الطريق. ومن بين العبارات الشعبية التي تتكرر على ألسنة المواطنين، برزت جملة لافتة باتت تختصر حال الشارع: “السواقة بدها فن.. مش عن عن”، في إشارة إلى أن القيادة ليست استعراض قوة أو عناداً، بل ذوق وسلوك ومسؤولية.

العبارة التي يتداولها سائقون عبر المجالس ومواقع التواصل، فتحت باب النقاش مجدداً حول واقع المرور في المملكة، وما إذا كانت الأزمة الحقيقية تكمن في البنية التحتية والازدحام، أم في سلوكيات بعض السائقين أنفسهم.

ويقول مواطنون إن المشكلة لا تتعلق بعدد المركبات فقط، بل بطريقة القيادة التي أصبحت أكثر توتراً وعصبية، مشيرين إلى أن بعض السائقين يتعاملون مع الطريق وكأنه ساحة منافسة، حيث الإصرار على عدم إعطاء أولوية، والتجاوز الخاطئ، واستخدام الزمامير بشكل مستفز، ورفض التراجع خطوة لتسهيل الحركة.

أحد السائقين في العاصمة عمّان يقول إنك قد تقف دقائق طويلة بسبب مركبة واحدة رفض صاحبها أن يفسح المجال، مضيفاً أن “كلمة تفضل” أو إشارة بسيطة قد تحل أزمة سير كاملة، لكن البعض يفضل العناد حتى لو تعطل الجميع.

في المقابل، يرى آخرون أن تحميل السائقين وحدهم المسؤولية فيه قدر من الظلم، معتبرين أن الطرق الضيقة، وكثرة التحويلات، ونقص المواقف، والضغط المروري الهائل، كلها عوامل تدفع الناس للتوتر وردود الفعل الحادة. ويقول أحد المواطنين إن الشخص قد يبدأ يومه هادئاً، لكنه بعد ساعة في الازدحام يتحول إلى شخص مختلف.

مراقبون للشأن المروري يؤكدون أن ما يجري في الشارع هو انعكاس مباشر للحالة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، فارتفاع الضغوط المعيشية وضيق الوقت والتزامات العمل تجعل كثيرين أكثر قابلية للغضب أثناء القيادة، ما ينعكس على شكل مشاحنات ومخالفات وممارسات غير مسؤولة.

ويشير مختصون في السلامة المرورية إلى أن القيادة فن فعلاً، لكنها تبدأ من احترام القانون، ثم احترام الآخرين. فالسائق الماهر ليس من يناور بسرعة أو يتجاوز الجميع، بل من يعرف كيف يتصرف بهدوء، ويقرأ الطريق، ويحمي نفسه ومن معه. ويضيفون أن الثقافة المرورية لا تقل أهمية عن تعلم تشغيل المركبة.

من جهة أخرى، يرى بعض الشباب أن هناك مبالغة في انتقاد الجيل الجديد من السائقين، مؤكدين أن كثيراً منهم أكثر التزاماً باستخدام الإشارات وربط الحزام والاعتماد على التطبيقات الحديثة، لكنهم يصطدمون أحياناً بعادات قديمة في القيادة، مثل الوقوف المزدوج أو تجاهل أولوية المشاة.

وفي المقابل، يرد سائقون من أصحاب الخبرة بأن المشكلة ليست بالعمر بل بالعقلية، فهناك من يحمل رخصة قيادة لكنه لا يحمل ثقافة الطريق، سواء كان شاباً أو كبيراً في السن.

ويجمع متابعون على أن مشهد الطريق في الأردن يحتاج إلى ما هو أبعد من المخالفات والعقوبات، إذ يتطلب حملات توعية مستمرة تبدأ من المدارس، وتصل إلى الإعلام ومراكز التدريب، لترسيخ فكرة أن الشارع مساحة مشتركة لا ساحة صراع.

وبين من يرى أن “السواقة فن”، ومن يعتقد أنها مجرد مهارة تقنية، يبقى الواقع اليومي على الطرقات شاهداً على أن القيادة أخلاق قبل أن تكون مقوداً، وأن كثيراً من الأزمات المرورية قد تُحل لو تراجع العناد خطوة، وتقدم الذوق خطوة أخرى.