2.5 مليون مركبة في الأردن و1.7 مليون في عمّان: "انفجار مروري" يفضح عجز منظومة النقل العام ويضع البنية التحتية تحت الاختبار
أخبار اليوم - عواد الفالح - أعادت الأرقام الصادمة لعدد المركبات المسجلة في الأردن، والتي بلغت نحو 2.5 مليون مركبة، منها 1.7 مليون تتكدس في شوارع العاصمة عمّان، فتح ملف "الأزمة المرورية" من زاوية بنيوية. هذه الأرقام لم تعد مجرد إحصاءات عابرة، بل باتت تشكل مؤشراً حرجاً على خلل عميق في منظومة النقل الوطني، وتضع الشارع الأردني أمام واقع يومي مرير يتسم بالازدحام الخانق واستنزاف الوقت والجهد.
وفي استقراء لنبض الشارع، يجمع مواطنون على أن اللجوء الكثيف لامتلاك المركبات الخاصة ليس "ترفاً"، بل هو "استجابة قسرية" لضعف بدائل النقل العام. حيث يؤكد مراجعون لسوق النقل أن غياب الخدمات المنظمة بعد ساعات المساء، وعدم شمولية الشبكة الحالية لكافة المناطق والمواعيد، يدفع المواطن مرغماً نحو خيار السيارة الخاصة لتأمين الحد الأدنى من حرية الحركة، معتبرين أن وجود شبكة نقل كفؤة وعلى مدار الساعة كان كفيلاً بتقليص هذه الأرقام إلى مستويات منطقية.
ولم تتوقف انتقادات الشارع عند حدود النقل، بل امتدت لتطال التخطيط الحضري وتصميم الطرق؛ إذ يرى مواطنون أن تضييق بعض الشوارع الرئيسية وسوء تنظيم التقاطعات لم يعد يواكب الزيادة المطردة في أعداد السيارات. يضاف إلى ذلك، دخول آلاف مركبات التطبيقات الذكية وخدمات التوصيل "الدليفري" إلى مسرح الأحداث، مما ولّد ضغطاً إضافياً هائلاً على البنية التحتية، وسط شكاوى من انتشار مركبات غير مرخصة تسير بلا رقابة وتساهم في زيادة حدة الاختناقات.
وعلى صعيد متصل، تصاعدت التساؤلات حول المصير التنموي للعوائد المالية الضخمة الناتجة عن قطاع المركبات، حيث لفت مراقبون إلى أن المبالغ المتأتية من رسوم الترخيص والتأمين والمخالفات السنوية تشكل أرقاماً فلكية، وهو ما يستوجب بالضرورة انعكاساً ملموساً على جودة الطرق وتطوير المواقف العامة وتحسين الخدمات المرتبطة بالنقل، بما يضمن موازنة الكلف التي يتكبدها المواطن مع جودة ما يتلقاه من تسهيلات مرورية.
من وجهة نظر هندسية وتقنية، يرى مختصون في قطاع النقل أن "التشخيص واضح والحل معروف"، مؤكدين أن الاعتماد المفرط على السيارة الخاصة هو النتيجة الحتمية لغياب "البديل المقنع". ويشدد المختصون على أن أي معالجة جذرية يجب أن تبدأ بتطوير منظومة نقل عام متكاملة (Multi-modal Transport) تربط المدن والمحافظات بكفاءة عالية، تزامناً مع إعادة هندسة الطرق وتنظيم عمل مركبات التطبيقات بشكل يحد من الفوضى ويخفف العبء عن الشرايين الرئيسية للعاصمة.
وتقف هذه الأرقام اليوم كشاهد عيان على تحدٍ مستمر يواجه أصحاب القرار؛ فالحاجة أصبحت ملحة لقرارات جريئة تتجاوز الحلول المؤقتة، وتذهب باتجاه بناء استراتيجية وطنية شاملة تعالج واقع النقل المأزوم، وتنقذ العاصمة والمحافظات من حالة "الشلل المروري" التي باتت تهدد الإنتاجية وتزيد من الضغوط النفسية والمعيشية على المواطن الأردني.