أخبار اليوم – تالا الفقيه - قال العقيد الركن المتقاعد الدكتور خالد محمد السُليمي، الباحث والمحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية، إن أخطر ما قد تواجهه أي دولة ليس الاحتجاجات أو النقد أو حتى الأزمات الاقتصادية، بل اللحظة التي يبدأ فيها المواطن بالشعور أن ما يسمعه يومياً لا يشبه ما يعيشه على أرض الواقع.
وأضاف السُليمي، خلال حديثه لـ"أخبار اليوم"، أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي أصبحت اليوم محور نقاش واسع داخل الشارع الأردني، خصوصاً مع تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة، متسائلاً: لماذا لم يعد الخطاب الرسمي يقنع شريحة واسعة من الأردنيين؟
وأوضح أن المواطن الأردني بات يعيش حالة من الإرهاق النفسي والمعيشي نتيجة تراكم الأعباء اليومية، من ارتفاع الأسعار وفواتير الخدمات، إلى ضغوط العمل وضعف الرواتب والمخالفات وكلفة الحياة بشكل عام، الأمر الذي جعل كثيرين يشعرون بأن الحديث الرسمي يذهب في اتجاه، بينما حياتهم اليومية تسير في اتجاه آخر.
وأشار السُليمي إلى أن المشكلة ليست في غياب الإعلام الرسمي، بل في طبيعة الخطاب نفسه، مؤكداً أن العالم تغير، والمواطن اليوم لم يعد ينتظر نشرات الأخبار التقليدية لمعرفة ما يحدث، بل أصبح يتابع عشرات المصادر والمنصات ويقارن ويحلل بنفسه.
وبيّن أن المواطن حين يسمع حديثاً متكرراً عن الإنجازات والخطط المستقبلية، بينما يواجه يومياً ضغوطاً معيشية متزايدة، تبدأ فجوة الثقة بالتوسع تدريجياً، لافتاً إلى أن الإعلام ينجح حين يشعر المواطن أنه يتحدث بلسانه ويعبر عن همومه الحقيقية، لا حين يحاول فقط إقناعه بأن كل شيء بخير.
وسرد السُليمي قصة لأحد المواطنين الخمسينيين، قال خلالها إن الرجل كان يتابع نشرة إخبارية تتحدث عن تحسن المؤشرات الاقتصادية وخطط التطوير، قبل أن يدير ظهره لشاشة التلفاز ويقول: "لم يعد يهمني ماذا يقولون، المهم كيف أعيش".
وأكد أن هذا المواطن لا يعادي وطنه ولا يكره دولته، بل يحمل حباً راسخاً للأردن وقيادته، لكنه يشعر بالتعب من الضغوط المعيشية ومن غياب الشعور بأن صوته مسموع بالشكل الكافي، معتبراً أن أخطر المراحل تبدأ حين يتحول الغضب إلى صمت، ويتحول الصمت لاحقاً إلى فقدان تدريجي للثقة.
وفي حديثه عن ظاهرة المؤثرين، قال السُليمي إن الاستعانة بالمؤثرين لدعم الخطاب الحكومي أو تحسين الصورة الإعلامية قد تحقق تفاعلاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع معالجة أزمة ثقة اجتماعية واقتصادية عميقة.
وأضاف أن المواطن الذي يواجه ضغوط الحياة يومياً، ويرى تحدياته المعيشية تتزايد، لا يمكن إقناعه بسهولة عبر مقاطع قصيرة أو حملات إلكترونية، لأن الثقة ليست "ترنداً"، بل شعور يتشكل من الواقع اليومي الذي يعيشه الناس.
وأوضح أن هناك فرقاً كبيراً بين "إدارة الصورة" و"معالجة الواقع"، مؤكداً أن أي حملات إعلامية أو رقمية لن تنجح إذا بقيت الضغوط الاقتصادية والمعيشية تتزايد، لأن الواقع سيبقى أقوى من أي خطاب إعلامي.
وختم السُليمي حديثه بالتأكيد على أن المواطن الأردني لا يريد فقط خطاباً مطمئناً، بل يريد شعوراً حقيقياً بالعدالة والشفافية، ويريد أن يرى أثراً ملموساً ينعكس على حياته اليومية، لأن استعادة الثقة تبدأ من معالجة الواقع قبل تحسين الصورة الإعلامية.